تسريبات

كشف تحركات سلطة بورتسودان تجاه الاتحاد الأفريقي.. نفوذ بالمال ومحاولات لإعادة فتح مكتب الخرطوم


لا تبدو تحركات سلطة بورتسودان تجاه الاتحاد الأفريقي منفصلة عن الصراع الدائر حول مستقبل العملية السياسية في السودان. فبينما تستمر الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تتجه الأنظار بصورة متزايدة إلى ما بعد الحرب: من سيشارك في التسوية؟ ومن سيجلس إلى طاولة الحوار؟ وما القوى التي ستحصل على شرعية سياسية في المرحلة الانتقالية؟

في هذا السياق، تبرز ثلاثة ملفات مترابطة: إعادة مكتب الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم، زيارة المؤسسات الأفريقية إلى العاصمة، ومحاولة بناء حوار سياسي داخلي تحت إشراف السلطة القائمة وحلفائها.

وقد أصبحت هذه الملفات أكثر أهمية بعد أن كثفت المؤسسات الأفريقية والدولية تحركاتها خلال عام 2026 بهدف بناء مسار سياسي سوداني شامل. ففي يونيو، أعلنت الخماسية الدولية والإقليمية، التي تضم الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، استمرار مشاوراتها مع طيف واسع من القوى السياسية والمدنية السودانية، مع التأكيد على ضرورة أن يكون المسار سودانيًا وشاملًا.

لكن سلطة بورتسودان تتحرك في الاتجاه نفسه من زاوية مختلفة، عبر الدفع نحو حوار سوداني داخلي تدور ترتيباته الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.

إعادة المكتب الأفريقي إلى الخرطوم

منذ اندلاع الحرب، ظل الحضور الأفريقي في السودان محدودًا بفعل الظروف الأمنية. وقد أوضح الاتحاد الأفريقي في بياناته الأخيرة أن إعادة مكتب الاتصال في الخرطوم أصبحت أولوية، مع إجراء تقييم للأوضاع قبل استئناف العمل.

وفي يوليو، ناقش البرهان مع المبعوث الأفريقي محمد بلعيش مسألة إعادة المكتب، وهو ما يعكس وجود اتصال مباشر بين السلطة السودانية والمؤسسة الأفريقية بشأن هذا الملف.

هذا التطور يمكن قراءته من زاويتين. فمن جهة، تحتاج المنظمة الأفريقية إلى وجود ميداني حتى تتمكن من متابعة الحرب والاتصالات السياسية بصورة أكثر فعالية. ومن جهة أخرى، يمثل وجودها داخل الخرطوم فرصة للسلطة من أجل استعادة موقعها في المشهد الإقليمي والدولي.

لكن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا عندما ترتبط بادعاءات تتحدث عن محاولات للتأثير على موظفين داخل المفوضية عبر دفع رشاوى، وصولًا إلى الحديث عن مبلغ يناهز مليون دولار مقابل تسريع إعادة فتح المكتب.

حتى الآن، لا توجد في المصادر الرسمية التي تمت مراجعتها وثيقة علنية تثبت هذا الادعاء. وبالتالي فإن نشره باعتباره واقعة مؤكدة سيحوّل مادة صحفية قابلة للنقاش إلى اتهام جنائي وسياسي غير موثق. الصحافة الاستقصائية الجادة تحتاج في مثل هذه الحالات إلى وثائق تحويلات، أو مراسلات، أو شهادات مباشرة، أو تحقيق رسمي، أو أكثر من مصدر مستقل قادر على تأكيد الوقائع.

لكن حتى بعيدًا عن هذا الادعاء، فإن السؤال السياسي حول دوافع السلطة يبقى مشروعًا: لماذا تحرص الخرطوم على عودة الحضور الأفريقي؟ وما الدور الذي تريد أن يؤديه هذا الحضور في المرحلة المقبلة؟

مجلس السلم والأمن وسباق تثبيت الرواية

المؤسسة الأفريقية الثانية التي تحاول الخرطوم استقطاب اهتمامها هي مجلس السلم والأمن.

ففي فبراير 2026، أكد المجلس الحاجة إلى إعادة مكتب الاتحاد الأفريقي، كما كرر توجهه نحو تنظيم زيارة ميدانية إلى السودان للقاء أصحاب المصلحة ومتابعة الوضع على الأرض.

ومن المهم هنا التمييز بين قرار أفريقي مؤسسي وبين الرواية التي تتحدث عن شراء القرار بالمال. فالوثائق الرسمية المتاحة تثبت أن فكرة الزيارة كانت موجودة ضمن قرارات المجلس، وبالتالي لا يمكن اعتبار مجرد السعي السوداني لاستضافتها دليلًا على وجود رشوة.

لكن زيارة مؤسسة بحجم مجلس السلم والأمن تظل ذات وزن سياسي كبير. فالوفد الأفريقي يستطيع أن يرى على الأرض طبيعة الوضع في العاصمة، ويستمع إلى الحكومة والقوى السياسية والمجتمع المدني، ويرصد التحديات التي تواجه العملية السياسية.

وهذا يجعل المعركة الحقيقية معركة روايات ومعلومات. كل طرف يريد أن يقدم للمؤسسات الأفريقية تفسيره للحرب، وأن يحدد من يمثل السودان، ومن يمثل القوى المدنية، ومن يتحمل مسؤولية استمرار القتال.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الحضور الأفريقي بالنسبة إلى سلطة بورتسودان.

القوى المؤيدة للبرهان ودور الحوار الداخلي

الملف الأكثر حساسية هو العملية السياسية نفسها.

ففي أغسطس 2026، أجرى البرهان مشاورات مع قوى سياسية ومدنية بهدف التحضير لمؤتمر حوار سوداني، وتحدثت تقارير عن اتفاق على خطوات لإنشاء لجنة تحضيرية، إلى جانب ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين.

وفي المقابل، أثارت المبادرة اعتراضات من قوى سياسية أخرى، رأت أن استمرار الدور العسكري في تحديد إطار الحوار قد يضعف فرص قيام عملية سياسية مدنية مستقلة. كما ظهرت انقسامات داخل المعسكر المؤيد للجيش نفسه حول أفضل صيغة لإنهاء الحرب والمسار السياسي الذي ينبغي اتباعه.

ومن بين القوى التي ظهرت في المشهد «الكتلة الديمقراطية»، وهي تحالف يضم قوى سياسية ومجموعات مسلحة متحالفة مع الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع. وقد طرحت الكتلة في أغسطس خارطة طريق تقوم على حوار سوداني داخلي بالتوازي مع مسار لوقف إطلاق النار، وأعلنت وجود تفاهمات مع البرهان بشأن تهيئة الظروف للحوار.

هنا تظهر إحدى النقاط التي تحتاج إلى تدقيق في الخطاب السياسي: وصف جميع القوى المؤيدة للبرهان بأنها «إخوان مسلمون» هو تعميم يحتاج إلى تحديد الأسماء والتنظيمات والعلاقات السياسية لكل طرف على حدة. فالمعسكر المؤيد للجيش ليس كتلة تنظيمية واحدة، ويضم تيارات وأحزابًا ومجموعات مسلحة وشخصيات ذات توجهات مختلفة.

لكن في المقابل، توجد بالفعل اتهامات سياسية من خصوم المبادرة بأن بعض القوى المرتبطة بالنظام السابق أو الشبكات الإسلامية يمكن أن تستفيد من استمرار الهيمنة العسكرية على المجال السياسي. وقد نُقلت هذه المخاوف عن معارضين للمبادرة، وليس باعتبارها حقيقة مستقلة محسومة.

الاتحاد الأفريقي أمام اختبار الاستقلالية

هذه التطورات تضع الاتحاد الأفريقي أمام اختبار بالغ الحساسية.

فمن ناحية، لا يمكن للمنظمة القارية أن تتجاهل السلطة الموجودة فعليًا في الخرطوم أو أن ترفض التواصل معها، خصوصًا أن الوصول إلى المعلومات والفاعلين على الأرض جزء أساسي من أي وساطة.

ومن ناحية أخرى، فإن التواصل مع السلطة لا يعني بالضرورة تبني روايتها السياسية.

وهذا ما تؤكده بيانات الاتحاد الأفريقي نفسه. ففي يونيو، شدد رئيس المفوضية على ضرورة قيام عملية سياسية شاملة، كما دعا إلى وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين.

وفي سبتمبر، ذهبت بعثة الخماسية إلى الخرطوم والتقت البرهان ورئيس الوزراء وقوى سياسية ومدنية مختلفة، ثم التقت مجموعات من النساء والشباب. وفي ختام الزيارة أكدت الخماسية أن الحل العسكري غير ممكن، وأن العملية السياسية ينبغي أن تكون سودانية وشاملة وتقود إلى حكومة مدنية ديمقراطية.

هذا يعني أن محاولة سلطة بورتسودان التأثير في المسار الأفريقي، إن كانت موجودة، ستصطدم بمسار مؤسسي أوسع لا تتحكم فيه الخرطوم وحدها.

لماذا تخشى القوى المدنية من حوار تديره السلطة؟

الاعتراض الأساسي الذي تطرحه بعض القوى المدنية لا يتعلق فقط بمن يجلس إلى الطاولة، وإنما بمن يحدد قواعد اللعبة.

فإذا كانت السلطة التي تدير الحرب هي نفسها التي تحدد قائمة المشاركين وتضع جدول الأعمال وتوفر الضمانات الأمنية والقانونية، فقد ترى قوى سياسية أن العملية قد تتحول من حوار وطني إلى آلية لإعادة إنتاج موازين القوى الموجودة خلال الحرب.

ولهذا ركزت المبادرات الدولية والأفريقية خلال 2026 على فكرة «الشمول». فقد أكد المشاركون في مؤتمر السودان ببرلين ضرورة أن يشارك المدنيون والنساء والشباب والنازحون واللاجئون والمجتمعات المحلية في العملية السياسية، وأن تكون العملية سودانية القيادة والملكية.

كما أعلنت الخماسية في أغسطس أنها تسعى إلى التواصل مع مختلف أصحاب المصلحة، معتبرة أن المشاركة الواسعة ضرورية لبناء الثقة والشرعية والتوافق حول العملية السياسية.

وبالتالي فإن أي محاولة لإقصاء قوى بعينها أو فرض تمثيل سياسي يتناسب مع ميزان القوى العسكري ستظل موضع اعتراض من أطراف سودانية أخرى.

بورتسودان تريد تحويل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي

السيطرة على الخرطوم لا تمنح السلطة تلقائيًا السيطرة على المسار السياسي السوداني، لكنها تمنحها ميزة مهمة: القدرة على استقبال الوفود الدولية والأفريقية وتنظيم الاجتماعات السياسية على الأرض.

وهذه الميزة ظهرت بوضوح خلال زيارة الخماسية في سبتمبر. فالوفد عقد لقاءات مباشرة مع البرهان ورئيس الوزراء وكتلة سياسية ولجنة لإعداد الحوار، قبل أن يلتقي مجموعات نسائية وشبابية مستقلة.

وبذلك أصبحت الخرطوم مرة أخرى مركزًا مهمًا للاتصالات السياسية المتعلقة بمستقبل السودان.

غير أن هذا النفوذ سيبقى محدودًا إذا لم يتحول إلى قبول أوسع بالعملية السياسية. فالمؤسسات الدولية والأفريقية لا تبحث فقط عن مكان لعقد الاجتماعات، وإنما عن مسار قادر على إشراك القوى المختلفة وإنتاج تسوية قابلة للحياة.

وفي 23 سبتمبر، شارك رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في اجتماع رفيع المستوى جمع «الرباعية» و«الخماسية» بشأن السودان، وشدد على ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف الأعمال العدائية، وعلى أن الحل السياسي يجب أن يكون شاملًا وسوداني القيادة والملكية، مع رفض تجزئة السودان.

وهذا التطور يكشف أن الاتحاد الأفريقي لا يتعامل مع ملف الخرطوم بمعزل عن بقية الوسطاء الدوليين والإقليميين.

المعركة المقبلة ليست على المكتب فقط

في النهاية، تبدو قضية مكتب الاتحاد الأفريقي والحديث عن زيارة مجلس السلم والأمن جزءًا من معركة أكبر: معركة إعادة تعريف من يملك شرعية التحدث باسم السودان خلال المرحلة المقبلة.

سلطة بورتسودان تريد، بصورة واضحة، أن يكون للخرطوم حضور مركزي في صياغة المستقبل السياسي. والاتحاد الأفريقي يريد الحفاظ على دوره كوسيط قاري، مع التأكيد على شمول العملية السياسية وعدم اختزالها في طرف واحد.

أما الحديث عن الرشاوى، سواء داخل المفوضية أو بهدف التأثير على مجلس السلم والأمن، فيبقى من أخطر الملفات التي تحتاج إلى أدلة قبل تحويلها إلى حقائق صحفية. وما يمكن إثباته حتى الآن هو وجود تحركات مكثفة لإعادة المكتب الأفريقي، ووجود قرار سابق بشأن زيارة المجلس، ووجود مساعٍ من سلطة البرهان للدفع نحو حوار سوداني داخلي.

أما السؤال الحاسم فيبقى: هل ستنجح هذه التحركات في بناء عملية سياسية يشارك فيها مختلف السودانيين، أم ستتحول المؤسسات الإقليمية والدولية إلى ساحة جديدة للصراع على النفوذ بين القوى المتحاربة؟

الإجابة لن تحددها البيانات وحدها، وإنما شكل المشاركة السياسية، وهوية المشاركين، وضمانات الاستقلالية، وقدرة الاتحاد الأفريقي وبقية الوسطاء على التعامل مع جميع الأطراف وفق قواعد واضحة وشفافة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى