سلطة بورتسودان تكثف تحركاتها داخل الاتحاد الأفريقي.. الرهان على الخرطوم لإعادة ترتيب المشهد السياسي
منذ عودة مؤسسات سلطة بورتسودان إلى الخرطوم، لم تعد المعركة السياسية السودانية محصورة في ساحات القتال أو في المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار، بل انتقلت بصورة واضحة إلى المؤسسات الإقليمية والدولية التي باتت تشكل إحدى أهم ساحات الصراع على مستقبل السودان. وفي مقدمة هذه المؤسسات يبرز الاتحاد الأفريقي، الذي تعمل سلطة بورتسودان على إعادة فتح قنواتها معه وتعزيز حضورها داخل مؤسساته، خصوصاً مفوضية الاتحاد ومجلس السلم والأمن.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الخرطوم باتت تنظر إلى الحضور الأفريقي باعتباره ورقة سياسية بالغة الأهمية. فإعادة مكتب الاتحاد الأفريقي إلى العاصمة لا تعني فقط عودة بعثة دبلوماسية كانت قد غادرت بسبب الحرب، وإنما تعني عودة مؤسسة قارية إلى مركز الأحداث، وقدرتها على التواصل المباشر مع السلطة والقوى السياسية والمجتمعية ومتابعة التطورات من داخل البلاد.
وفي يونيو 2026، أعلن الاتحاد الأفريقي أن رئيس مفوضية الاتحاد تلقى إحاطة من مبعوثه الخاص إلى السودان محمد بلعيش حول التطورات السياسية وجهود الوساطة، وأن الطرفين ناقشا إعادة فتح مكتب الاتصال التابع للاتحاد الأفريقي في الخرطوم. وأكد رئيس المفوضية أهمية إجراء تقييم سريع للظروف تمهيداً لبدء عملية إعادة فتح المكتب، مشيراً إلى أن وجود الاتحاد في الخرطوم يمكن أن يعزز التواصل مع الأطراف السودانية ويدعم عملية سياسية وطنية شاملة.
هذه الخطوة تكشف حجم النشاط الذي تبذله سلطة بورتسودان تجاه مفوضية الاتحاد الأفريقي، خصوصاً أن وجود المكتب في العاصمة يمنح السلطة فرصة للتعامل المباشر مع مؤسسة أفريقية تمتلك تأثيراً سياسياً كبيراً في ملف الحرب والسلام والانتقال السياسي.
غير أن التحرك لا يقف عند حدود إعادة المكتب. فمجلس السلم والأمن الأفريقي كان قد شدد في فبراير 2026 على الحاجة الملحة إلى إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي في السودان، كما أكد قراره السابق بإجراء زيارة ميدانية إلى السودان للتواصل مع مختلف الأطراف والوقوف على الأوضاع على الأرض.
ومن هنا تبدو أهمية التحركات التي تقوم بها سلطة بورتسودان تجاه مؤسسات الاتحاد الأفريقي. فالسلطة تدرك أن المعركة على الشرعية لا تُحسم فقط بالسيطرة العسكرية على المدن، وإنما تحتاج أيضاً إلى حضور سياسي ودبلوماسي داخل المنظمات الإقليمية.
وفي هذا السياق تبرز معلومات تتحدث عن نشاط للمخابرات السودانية داخل مفوضية الاتحاد الأفريقي، وعن تقديم رشاوى لبعض العاملين فيها بهدف تسريع إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي في الخرطوم، مع الحديث عن مبلغ يقدر بمليون دولار.
ويأخذ هذا الملف أهمية خاصة بسبب القيمة السياسية التي تحملها عودة المكتب. فالمكتب ليس مجرد مقر إداري، وإنما يمثل نقطة اتصال مباشرة بين الاتحاد الأفريقي والمشهد السوداني. ومن خلاله يمكن للمفوضية متابعة الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية، والاتصال بالقوى السودانية المختلفة.
وبالتالي، فإن محاولة التأثير على العاملين في المفوضية، في حال ثبوتها عبر التحقيقات والوثائق، ستتجاوز مسألة الفساد المالي إلى محاولة التأثير على مسار مؤسسة إقليمية معنية مباشرة بالأزمة السودانية.
وتزداد أهمية هذا الملف عندما يوضع في سياق التحركات الأوسع لسلطة بورتسودان داخل الاتحاد الأفريقي. ففي أغسطس 2026، التقى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بالمندوب الدائم للسودان لدى الاتحاد، وتركز اللقاء حول التطورات السياسية والأمنية وجهود استعادة الاستقرار، كما جدد رئيس المفوضية رغبته في زيارة الخرطوم في أقرب فرصة.
وهذه الاتصالات تؤكد أن العلاقة بين الخرطوم والاتحاد الأفريقي دخلت مرحلة جديدة، بعدما أصبح الطرفان يتعاملان بصورة أكثر مباشرة مع ملف عودة الحضور الأفريقي إلى العاصمة.
لكن سلطة بورتسودان لا تبدو مهتمة فقط بوجود مكتب الاتحاد، بل تسعى أيضاً إلى دفع المؤسسات الأفريقية نحو التعامل مع الخرطوم باعتبارها المركز الرئيسي للعملية السياسية.
وهنا يأتي ملف مجلس السلم والأمن الأفريقي.
فالمعلومات المتداولة حول دفع رشاوى لإقناع المجلس بإجراء زيارة رسمية إلى الخرطوم تضع النشاط الدبلوماسي للسلطة في إطار أوسع من مجرد استضافة وفد أفريقي. فالزيارة بالنسبة إلى السلطة تحمل قيمة سياسية ورمزية كبيرة، لأنها تتيح لها تقديم الخرطوم باعتبارها عاصمة الدولة ومركز مؤسساتها، كما تتيح لها عرض رؤيتها للحرب ومستقبل العملية السياسية مباشرة أمام مؤسسة أفريقية مؤثرة.
غير أن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في حضور الوفد إلى الخرطوم، وإنما في الأطراف التي سيلتقيها الوفد وما يسمعه منها.
وهنا تظهر نقطة أساسية في سياسة الاتحاد الأفريقي. فمجلس السلم والأمن لم يحدد مهمته باعتبارها لقاء مع السلطة فقط، وإنما نص على التواصل مع مختلف أصحاب المصلحة في السودان.
وبالتالي فإن محاولة سلطة بورتسودان التأثير في برنامج أي زيارة أفريقية ستكون مرتبطة بطبيعة المعلومات التي تصل إلى مؤسسات الاتحاد.
فالسلطة تريد أن تقدم نفسها باعتبارها الدولة ومؤسساتها، بينما تسعى قوى مدنية سودانية إلى التأكيد على أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يمر عبر إعادة إنتاج الحكم العسكري.
هذه المعركة تظهر بوضوح في ملف العملية السياسية.
فالسلطة في الخرطوم تدفع باتجاه حوار سوداني داخلي، وتعمل على إشراك قوى سياسية مؤيدة لها في هذا المسار. وفي المقابل، توجد قوى مدنية وسياسية تخشى من أن يؤدي توسيع المشاركة إلى إعادة إدخال القوى المرتبطة بالنظام السابق أو التيارات الإسلامية المؤيدة للبرهان إلى قلب العملية السياسية.
وقد أعلن الاتحاد الأفريقي في أغسطس ترحيبه بمبادرة الحوار السوداني-السوداني داخل البلاد، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تشمل المشاورات مختلف الأطراف المدنية والسياسية والمجتمعية، وأن تقوم العملية على مبدأ الشمول والملكية والقيادة السودانية. كما أكد أن الهدف النهائي ينبغي أن يكون سوداناً موحداً تحكمه مؤسسات مدنية شرعية.
هذه الصيغة تضع حدوداً واضحة أمام أي محاولة لتحويل الحوار إلى عملية سياسية مغلقة.
فالحديث عن إشراك القوى المؤيدة للبرهان لا ينفصل عن السؤال الأكبر: هل تريد سلطة بورتسودان حواراً واسعاً يشمل جميع المكونات، أم حواراً يعيد إنتاج التوازنات السياسية التي تخدم موقعها الحالي؟
وفي سبتمبر، أكدت الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، خلال زيارتها إلى الخرطوم، أنها التقت القيادة الحكومية وعدداً من الفاعلين السياسيين والمدنيين، كما التقت بمجموعات من النساء والشباب، وأكدت ضرورة الوصول إلى مسار سياسي شامل بقيادة وملكية سودانيتين.
هذا التطور مهم لأنه يوضح أن الحضور الأفريقي والدولي في الخرطوم لا يعني بالضرورة تبني رواية السلطة.
فالوفد الذي يدخل العاصمة يستطيع أن يلتقي المسؤولين، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يلتقي قوى مدنية وسياسية مختلفة.
ولهذا فإن معركة سلطة بورتسودان داخل الاتحاد الأفريقي تبدو في جوهرها معركة على الرواية السياسية.
من يمثل السودان؟
من يملك حق التحدث باسمه؟
من يشارك في المرحلة المقبلة؟
ومن يملك القدرة على التأثير في القرارات الأفريقية المتعلقة بالسودان؟
هذه الأسئلة تجعل من ملف إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي قضية تتجاوز البعد الدبلوماسي.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن الحديث عن نشاط المخابرات السودانية داخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي يكتسب أهمية سياسية كبيرة، خصوصاً مع تداول معلومات عن دفع أموال بهدف التأثير في قرارات مرتبطة بإعادة المكتب وزيارة مجلس السلم والأمن.
لكن المسألة الأساسية تبقى في ضرورة الوصول إلى الأدلة والوثائق التي تحدد طبيعة هذه العمليات ومسارات الأموال والأشخاص المعنيين بها.
أما سياسياً، فإن ما هو واضح هو أن سلطة بورتسودان تعمل على تثبيت موقعها داخل المؤسسات الأفريقية، بالتوازي مع عودة الخرطوم إلى واجهة الحراك الدبلوماسي.
والاتحاد الأفريقي من جهته يحاول العودة إلى السودان مع الحفاظ على خطاب يقوم على الشمول والحوار المدني.
وفي سبتمبر، أكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي أن لا حل عسكرياً للصراع السوداني، ودعا إلى عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون وتملكها القوى السودانية، مع التأكيد على استعادة النظام الدستوري.
وبذلك، فإن نجاح سلطة بورتسودان في إعادة الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم لا يعني بالضرورة نجاحها في السيطرة على أجندته.
فالمكتب الذي تريد السلطة عودته يمكن أن يتحول إلى مساحة لمراقبة المشهد، والاستماع إلى خصومها، والتواصل مع القوى المدنية، ونقل صورة مختلفة عن تلك التي تقدمها مؤسسات الدولة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: السلطة تسعى إلى استعادة الحضور الأفريقي في الخرطوم لتعزيز موقعها السياسي، بينما يمكن للحضور نفسه أن يفتح المجال أمام الاتحاد الأفريقي لمراقبة السلطة والتواصل مع القوى التي تختلف معها.
ومن ثم فإن المعركة حول مفوضية الاتحاد الأفريقي ليست معركة على مكتب أو زيارة بروتوكولية، وإنما معركة على مستقبل الدور الأفريقي في السودان وعلى شكل العملية السياسية المقبلة.




