ملفات

هجمات المسيّرات والمدنيون يدفعون ثمن سياسات البرهان


لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية تُقاس بنتائج المعارك أو المساحات التي تتغير السيطرة عليها، بل أصبحت أزمة شاملة تضرب تفاصيل الحياة اليومية، وتدفع ملايين المدنيين إلى مواجهة الخوف والجوع وانقطاع الخدمات وفقدان الأمل في مستقبل مستقر. فحين تتعرض البنية التحتية للضرر، لا تكون الخسارة محصورة في منشأة أو طريق أو محطة كهرباء، وإنما تمتد إلى المستشفيات التي تحتاج إلى الطاقة، والأسواق التي تعتمد على النقل، والأسر التي تحتاج إلى المياه، والطلاب الذين يحاولون مواصلة تعليمهم في ظروف استثنائية. وهنا تظهر الحقيقة الأكثر قسوة: المدنيون الذين لا يملكون قرار الحرب هم غالبًا من يتحملون الجزء الأكبر من نتائجها.

إن الحديث عن هجمات المسيّرات وما قد تسببه من أضرار لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد سجال حول القدرات العسكرية أو التفوق التقني. فالسؤال الأهم هو ما الذي يحدث للمواطن عندما تتعطل الخدمات، وكيف تستطيع الأسر الحصول على احتياجاتها الأساسية، ومن يتحمل المسؤولية عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية السكان والمنشآت المدنية؟ فالحرب لا تمنح أي قيادة إعفاءً مفتوحًا من واجباتها، ولا تجعل حياة المدنيين مسألة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء المواجهات.

وفي هذا السياق، يتحمل عبد الفتاح البرهان، بصفته قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، مسؤولية سياسية كبيرة عن القرارات التي تتخذها القيادة التي يتزعمها، وعن كيفية إدارة الأزمة، وعن الإجراءات المتخذة لحماية المواطنين والحفاظ على مؤسسات الدولة. وهذه المسؤولية لا تعني إصدار أحكام مسبقة بشأن كل حادثة أو افتراض نتائج لم تثبتها الأدلة، بل تعني أن موقع القيادة يفرض واجبًا واضحًا في تقديم الإجابات، والتحقيق في الوقائع، وتقليل المخاطر، وإعطاء الأولوية لحياة السودانيين بدل الاكتفاء بالخطاب العسكري والسياسي.

البنية التحتية ليست أهدافًا على الخرائط

عندما تتضرر منشأة حيوية، قد تبدو الخسارة في التقارير الرسمية رقمًا يتعلق بمبنى أو جهاز أو خط إمداد. لكن هذه الأرقام لا تشرح وحدها حجم التأثير في حياة الناس. فمحطة الكهرباء، على سبيل المثال، ليست مجرد منشأة فنية، بل مصدر للطاقة التي تحتاج إليها مرافق صحية ومحطات مياه ومخابز وأعمال تجارية. والطريق ليس مجرد مساحة معبدة، بل وسيلة لوصول الغذاء والدواء والفرق الطبية، ولانتقال المواطنين بين مناطقهم. أما شبكات المياه والاتصالات، فهي من الأسس التي تسمح للمجتمع بمواصلة حياته حتى في الظروف الصعبة.

وحين تتعطل هذه المرافق، تتسع دائرة الضرر بسرعة. فقد يواجه المستشفى صعوبة في تشغيل بعض أجهزته، وقد تضطر أسرة إلى البحث عن مصدر بديل للمياه، وقد ترتفع تكلفة نقل السلع إلى الأسواق، وقد يفقد صاحب متجر قدرته على حفظ المواد التي تحتاج إلى التبريد. وفي مناطق تعاني أصلًا من ضعف الخدمات وتراجع الدخل، يمكن لأي انقطاع إضافي أن يحول الظروف الصعبة إلى أزمة أكثر خطورة.

ولا تتوقف الآثار عند الخسائر المباشرة. فتعطل الخدمات يفرض أعباء مالية جديدة على الأسر، ويستهلك ما تبقى لديها من مدخرات، ويجعل الوصول إلى العلاج والتعليم أكثر صعوبة. وقد تجد العائلة نفسها مضطرة إلى إنفاق جزء أكبر من دخلها على النقل أو المياه أو الوقود، ما يترك موارد أقل للغذاء والدواء والاحتياجات الأخرى. وهكذا يتحول الضرر الذي يصيب منشأة واحدة إلى سلسلة من الخسائر التي تطال المجتمع بأكمله.

لهذا، فإن حماية البنية التحتية المدنية ليست مسألة فنية فقط، بل جزء أساسي من حماية الإنسان. وأي تقييم جاد للحرب ينبغي أن يسأل عن أثر العمليات على الخدمات الضرورية، وعن التدابير المتخذة لتجنب الأضرار المدنية، وعن سرعة إصلاح المرافق المتضررة، وعن قدرة السكان على الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية. أما الاكتفاء بالإعلان عن الخسائر أو تبادل الاتهامات، فلا يعيد الكهرباء إلى المنازل، ولا يوفر المياه للمحتاجين، ولا يضمن وصول الدواء إلى المرضى.

المدنيون يدفعون ثمنًا لا يظهر في البيانات العسكرية

قد تنشغل الأطراف المتحاربة بتقييم النتائج الميدانية، لكن المواطن يقيس الحرب بمعايير مختلفة تمامًا. فهو يسأل إن كان يستطيع العودة إلى منزله، وإن كانت الأسواق توفر الطعام بأسعار يمكن تحملها، وإن كان المستشفى القريب يعمل، وإن كان أطفاله يستطيعون الدراسة، وإن كان بإمكانه الخروج إلى العمل من دون خوف. وعندما تتراجع الإجابات الإيجابية عن هذه الأسئلة، تصبح الحرب بالنسبة إليه واقعًا يوميًا يهدد كل جوانب حياته.

تعيش الأسر السودانية المتضررة من النزاع ضغوطًا متراكمة. فبعضها فقد المنزل أو مصدر الدخل، وبعضها اضطر إلى النزوح والابتعاد عن الأقارب ومجتمعه المحلي، فيما تواجه أسر أخرى صعوبة في توفير الاحتياجات الأساسية حتى في المناطق التي لا تشهد قتالًا مباشرًا. ويزيد تضرر الخدمات من هشاشة هذه الأوضاع، لأن الأسرة التي فقدت دخلها تحتاج إلى دعم أكبر في الوقت الذي قد تصبح فيه المساعدات والخدمات أصعب وصولًا.

ويكون المرضى وكبار السن والأطفال من أكثر الفئات عرضة للمخاطر عندما تتضرر المرافق الصحية أو تتعطل شبكات النقل. فالمريض الذي يحتاج إلى علاج منتظم لا يستطيع دائمًا الانتظار حتى تتحسن الظروف، والطفل الذي يعاني سوء التغذية يحتاج إلى رعاية في الوقت المناسب، والمرأة التي تواجه حالة طبية طارئة تحتاج إلى وسيلة آمنة للوصول إلى الخدمات الصحية. وكل تأخير قد يزيد المخاطر على أشخاص لا علاقة لهم بالقرارات العسكرية.

كما أن الآثار النفسية للحرب لا تقل أهمية عن الأضرار المادية. فالعيش في ظل أصوات الانفجارات والخوف من الهجمات واحتمال فقدان المنزل أو أحد أفراد الأسرة يترك آثارًا عميقة، خصوصًا على الأطفال. وقد تستمر هذه الآثار بعد توقف القتال، وتؤثر في قدرة الناس على النوم والعمل والتعلم وبناء علاقات اجتماعية مستقرة. لذلك، فإن إعادة بناء المجتمع لا يمكن أن تقتصر على إصلاح المباني، بل تحتاج أيضًا إلى دعم الصحة النفسية واستعادة الشعور بالأمان.

إن هذه المعاناة تفرض على القيادة السودانية واجبًا لا يمكن اختزاله في البيانات العسكرية. فالمواطن يحتاج إلى حماية فعلية، وإلى معلومات موثوقة، وإلى خدمات أساسية، وإلى خطة واضحة لتقليل المخاطر. وكلما طال غياب هذه العناصر، اتسعت الفجوة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع، وأصبح من الصعب إقناع الناس بأن أولوياتهم الحقيقية تحظى بالاهتمام المطلوب.

مسؤولية البرهان تتجاوز إدارة المعارك

إن موقع عبد الفتاح البرهان في قمة القيادة العسكرية والسياسية يضع على عاتقه مسؤولية تتجاوز إدارة المواجهات. فقيادة الدولة في زمن الحرب لا تعني فقط اتخاذ القرارات الميدانية، بل تشمل أيضًا حماية المدنيين، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وضمان استمرار الخدمات، وفتح الطريق أمام حل سياسي يوقف التدهور. وهذه الالتزامات ينبغي تقييمها من خلال النتائج العملية، لا من خلال التصريحات وحدها.

ومن حق السودانيين أن يطالبوا بإجابات واضحة بشأن الخطط الموضوعة لحماية المنشآت الحيوية، والإجراءات المتخذة لتقليل الأضرار التي تلحق بالأحياء السكنية، والوسائل المستخدمة للتحقيق في الحوادث التي تؤثر على المدنيين. ومن حقهم كذلك معرفة كيف ستتم إعادة تشغيل المرافق المتضررة، وما الأولويات التي ستُعتمد في توزيع الموارد، وكيف ستُضمن المساعدة للمناطق الأكثر احتياجًا.

ولا يكفي أن تُبرر الأزمة بالظروف الاستثنائية. فهذه الظروف، مهما بلغت صعوبتها، تجعل التخطيط لحماية السكان أكثر إلحاحًا، ولا تقلل من أهميته. وإذا كانت الإمكانات محدودة، فإن ذلك يستدعي تحديد الأولويات بشفافية، وتوجيه الموارد إلى المرافق التي يعتمد عليها أكبر عدد من المواطنين، والتعاون مع المنظمات الإنسانية والجهات المختصة لتقليل الأضرار.

كما أن القيادة مطالبة بتجنب تحويل حماية المدنيين إلى مادة للدعاية السياسية. فالحديث عن حماية المواطنين يجب أن يقترن بإجراءات يمكن التحقق منها، وباستعداد لمراجعة القرارات التي قد تؤدي إلى زيادة المخاطر، وبالتحقيق الجاد في الادعاءات المتعلقة بالانتهاكات. ولا ينبغي أن تتقدم الاعتبارات الإعلامية على حق الجمهور في معرفة ما حدث، أو أن تُستخدم لغة التخوين لإسكات الأسئلة المشروعة حول سلامة السكان.

إن المسؤولية السياسية لا تعني افتراض أن القيادة تتحكم في كل حادثة أو أنها مسؤولة تلقائيًا عن كل ضرر يقع في البلاد. لكنها تعني أن القادة مسؤولون عن السياسات التي يضعونها، وعن الأوامر التي يصدرونها، وعن واجب منع الانتهاكات والتحقيق فيها، وعن القرارات التي تؤثر في قدرة المؤسسات على حماية المجتمع. وهذا هو الأساس الذي ينبغي أن تُناقش من خلاله مسؤولية البرهان، بعيدًا عن المبالغة أو الاتهامات غير المدعومة بالأدلة.

المسيّرات تغيّر طبيعة الخطر على السكان

أصبحت الطائرات المسيّرة جزءًا من المشهد العسكري الحديث، لما توفره من قدرات على الاستطلاع وتنفيذ عمليات عن بُعد. لكن تطور الوسائل العسكرية يطرح تحديات إضافية عندما تدور المواجهات في محيط المدن والمناطق المأهولة. فوجود سلاح قادر على التحليق لمسافات طويلة لا يلغي ضرورة التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ولا يخفف الالتزامات القانونية المتعلقة بتجنب الأضرار غير المتناسبة على السكان.

ولا يمكن تحديد طبيعة أي هجوم أو المسؤولية عنه بمجرد انتشار مقطع مصور أو رواية متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي. فالتقييم الدقيق يحتاج إلى التحقق من تاريخ الحادثة ومكانها، وطبيعة الموقع الذي تعرض للضرر، والجهة التي نفذت الهجوم، وحجم الخسائر، ومدى توافر أدلة مستقلة. ومن دون هذا التحقق، قد تتحول المعلومات غير المكتملة إلى مادة للتضليل أو التحريض، وقد تضيع الحقيقة وسط تبادل الاتهامات.

لكن ضرورة التحقق لا تعني التقليل من خطورة الأضرار المحتملة. فعندما تتضرر منشأة مدنية أو تتعرض منطقة مأهولة لهجوم، يجب أن تكون الأولوية لإنقاذ المصابين وتقييم الأضرار وتأمين الخدمات البديلة، ثم إجراء تحقيق مهني لتحديد الوقائع والمسؤوليات. ويجب أن تتاح للمحققين المستقلين إمكانية الوصول إلى المعلومات ذات الصلة، مع حماية الشهود وعدم تعريضهم للخطر.

وتتطلب حماية السكان كذلك نشر إرشادات واضحة بشأن إجراءات السلامة، وتحديد طرق الإبلاغ عن المخاطر، وتوفير معلومات موثوقة حول الخدمات المتاحة. ففي أوقات الحرب، قد يؤدي غياب المعلومات إلى زيادة الذعر، بينما يمكن للتواصل المسؤول أن يساعد الأسر على اتخاذ قرارات أكثر أمانًا. وينبغي أن تلتزم الجهات الرسمية بعدم نشر تفاصيل قد تعرض المدنيين للخطر، مع تجنب إخفاء المعلومات الأساسية التي يحتاج إليها الناس لحماية أنفسهم.

إن التحدي ليس في امتلاك وسائل عسكرية أكثر تطورًا، بل في ضمان ألا يؤدي استخدامها إلى تعميق الكارثة الإنسانية. فالتقدم التقني لا يعفي من المسؤولية القانونية والأخلاقية، ولا يمكن أن يكون مبررًا لتجاهل الخسائر التي يتكبدها المدنيون.

تضرر المنشآت يهدد الاقتصاد وفرص التعافي

لا يمكن فصل البنية التحتية عن الاقتصاد. فالكهرباء والمياه والطرق والاتصالات والخدمات المصرفية تشكل الأساس الذي تقوم عليه الأنشطة التجارية والإنتاجية. وعندما تتضرر هذه القطاعات، تتراجع قدرة الشركات على العمل، وتزداد تكلفة الإنتاج والنقل، ويصبح توفير السلع والخدمات أكثر صعوبة. وقد تؤدي هذه الآثار إلى فقدان وظائف وانخفاض دخول الأسر، وهو ما يضاعف معاناة المواطنين الذين يواجهون بالفعل ارتفاع تكاليف المعيشة.

ويحتاج إصلاح المرافق الحيوية إلى موارد مالية وخبرات فنية وقطع غيار، وقد يستغرق وقتًا طويلًا عندما تكون سلاسل الإمداد مضطربة أو يصعب الوصول إلى مواقع العمل. كما أن إعادة تشغيل منشأة واحدة قد لا تكون كافية إذا كانت تعتمد على شبكة أخرى متضررة. فمحطة المياه تحتاج إلى الطاقة والصيانة، والمستشفى يحتاج إلى الكهرباء والإمدادات الطبية والكوادر، والطريق لا يؤدي وظيفته كاملة إذا كانت الجسور أو المرافق المرتبطة به غير صالحة للاستخدام.

ولهذا، فإن إعادة الإعمار تتطلب خطة مرتبة حسب الأولويات، تبدأ بالمرافق التي يؤدي تعطلها إلى تهديد مباشر لحياة الناس، ثم تتوسع إلى القطاعات التي تدعم الإنتاج والتوظيف واستعادة النشاط الاقتصادي. ويجب أن تستند هذه الخطة إلى تقييم ميداني للأضرار، وتقديرات واقعية للتكاليف، ومعلومات واضحة بشأن مصادر التمويل، وآليات رقابة تضمن استخدام الموارد للأغراض المخصصة لها.

كما ينبغي ألا تتحول إعادة الإعمار إلى فرصة لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية على حساب المواطنين. فالتمويل المخصص لإصلاح المنشآت العامة يجب أن يخضع لمعايير شفافة، وأن تُعلن العقود والأولويات وفق القواعد المتاحة، وأن تكون هناك رقابة مستقلة على الإنفاق. فالدولة التي تعاني الحرب لا تستطيع تحمل خسائر إضافية ناتجة عن الفساد أو سوء الإدارة أو إهدار الموارد المحدودة.

ويحتاج السودان كذلك إلى حماية الكوادر التي تتولى تشغيل المرافق وصيانتها، لأن إعادة بناء المعدات وحدها لا تكفي إذا غابت الخبرات البشرية. فالأطباء والمهندسون والفنيون والمعلمون والعاملون في الخدمات العامة يمثلون جزءًا أساسيًا من قدرة المجتمع على التعافي. ومن دون ظروف تسمح لهم بالعمل بأمان، وتضمن حصولهم على مستحقاتهم وتوفر الأدوات اللازمة، ستظل عملية استعادة الخدمات بطيئة ومحدودة.

المجتمع الدولي أمام اختبار عملي

تكشف الأزمة السودانية حدود الاكتفاء بالبيانات الدولية، خصوصًا عندما تتسع الاحتياجات الإنسانية وتتضرر المرافق التي يعتمد عليها المدنيون. فالدعوات إلى حماية المنشآت المدنية مهمة، لكنها تحتاج إلى متابعة عملية، وإلى تنسيق بين الدول والمؤسسات القادرة على توفير الدعم والضغط الدبلوماسي. كما ينبغي أن ترتبط المساعدات الإنسانية بخطط تضمن وصولها إلى المناطق الأكثر احتياجًا، وأن تُزال العوائق غير المبررة التي تحول دون أداء العاملين في المجال الإنساني لمهامهم.

ولا تستطيع الأمم المتحدة وحدها إنهاء الحرب أو فرض حل سياسي في جميع الظروف. ففاعلية المنظمة تعتمد على التفويض المتاح لها، وعلى تعاون الدول الأعضاء، وعلى استعداد الأطراف المعنية للاستجابة للمبادرات. لكن هذه القيود لا تعني أن دور المجتمع الدولي ينبغي أن يقتصر على التعبير عن القلق. بل تفرض الحاجة إلى توحيد الجهود، وتحديد أهداف قابلة للقياس، ومتابعة الالتزامات، وتوفير الموارد اللازمة لحماية المدنيين ودعم التعافي.

ويجب أن تركز الجهود الدولية على نتائج ملموسة: زيادة وصول المساعدات، واستعادة الخدمات الصحية، وتوفير المياه والغذاء، ودعم المجتمعات التي تستقبل النازحين، ومساندة الجهود الرامية إلى وقف القتال. كما ينبغي دعم آليات مستقلة لتوثيق الأضرار والانتهاكات، حتى لا تضيع الأدلة أو تتحول الوقائع إلى مادة للتوظيف السياسي.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يُنظر إلى المساعدات الإنسانية باعتبارها بديلًا عن الحل السياسي. فالإغاثة تنقذ الأرواح وتخفف المعاناة، لكنها لا تستطيع وحدها توفير الاستقرار الذي تحتاج إليه الأسواق والمؤسسات. ومن دون تقدم نحو تسوية تضمن الأمن والمساءلة والمشاركة السياسية، سيظل المدنيون عرضة لتكرار الأزمة، وستبقى الموارد المخصصة للتعافي مهددة بالاستنزاف.

حماية المدنيين تبدأ بوقف تدهور حياتهم

إن حماية المدنيين لا تتحقق بمجرد إعلان الالتزام بها، بل تحتاج إلى تدابير عملية تشمل تجنب تعريض المناطق المأهولة لمخاطر غير ضرورية، وحماية المرافق الصحية والتعليمية ومصادر المياه، وتسهيل عمل فرق الإغاثة، والتحقيق في الحوادث التي تتسبب في خسائر مدنية. كما تحتاج إلى تواصل واضح مع السكان، وإلى خطط طوارئ تضمن توفير الخدمات الأساسية عندما تتعرض المنشآت للضرر.

ويجب أن تكون هناك آليات لتلقي شكاوى المواطنين ومتابعتها، بما يسمح برصد المشكلات بسرعة، وتحديد الجهات المسؤولة عن معالجتها، وتقييم مدى فاعلية الإجراءات المتخذة. فالمواطن الذي يبلغ عن انقطاع المياه أو تعطل مركز صحي أو وجود خطر على طريق رئيسي يحتاج إلى جهة قادرة على الاستجابة، لا إلى سلسلة من الإجراءات المعقدة التي تضيع فيها المسؤولية.

كذلك ينبغي دعم المبادرات المحلية التي تساعد على استمرار الحياة اليومية، مع توفير الحماية والموارد اللازمة لها. فالمجتمعات المحلية غالبًا ما تكون أول من يستجيب للأزمات، لكن قدرتها على الاستمرار محدودة إذا لم تحصل على الدعم. ويمكن أن تسهم الشراكات بين الجهات الإنسانية والكوادر المحلية والمؤسسات الصحية والخدمية في توسيع نطاق الاستجابة، بشرط أن تكون الأولويات واضحة وأن تُراعى سلامة العاملين والمستفيدين.

أما على المستوى السياسي، فإن استمرار الحرب يجعل كل هذه الجهود أكثر صعوبة. ولذلك يجب أن تكون حماية المدنيين جزءًا من أي تفاوض أو مبادرة لوقف القتال، وأن تتضمن الاتفاقات ترتيبات واضحة لمراقبة الالتزامات ومعالجة الخروقات. فالهدنة التي لا توفر حماية حقيقية للسكان، أو لا تسمح بوصول المساعدات، لا تحقق الغرض الإنساني المطلوب منها.

السودان يحتاج إلى قيادة تضع الإنسان أولًا

إن الأزمة الراهنة تفرض على القيادة السودانية مراجعة الأولويات، وإدراك أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من وسائل عسكرية، بل أيضًا بقدرتها على حماية المجتمع والحفاظ على المؤسسات وتوفير الخدمات. فالدولة التي يفقد مواطنوها القدرة على الوصول إلى العلاج والغذاء والمياه والتعليم تواجه أزمة في وظيفتها الأساسية، مهما كانت الشعارات التي ترفعها أو الوعود التي تقدمها.

وعلى عبد الفتاح البرهان أن يواجه الأسئلة المتعلقة بكيفية حماية المدنيين، وبالإجراءات المتخذة لتقليل الأضرار على المنشآت الحيوية، وبالخطة الموضوعة لإعادة تشغيل الخدمات، وبالخطوات السياسية التي يمكن أن تنهي الحرب. فالمسؤولية القيادية تقتضي تقديم إجابات واضحة، وقبول المساءلة، وإظهار أن مصلحة المواطنين تتقدم على الحسابات الضيقة.

ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال الخطاب وحده. المطلوب هو إجراءات ملموسة يمكن للسودانيين تقييمها: خدمات تعود إلى العمل، ومساعدات تصل إلى المحتاجين، وطرق آمنة لنقل الغذاء والدواء، وتحقيقات مهنية في الحوادث، وخطة واضحة للتعافي، ومسار سياسي جاد يفتح الطريق أمام استقرار مستدام. وكلما تأخرت هذه الخطوات، ازدادت الكلفة الإنسانية والاقتصادية، وأصبح إصلاح ما تضرر أكثر صعوبة.

وفي نهاية المطاف، ينبغي ألا تضيع معاناة المدنيين وسط المنافسة على الروايات العسكرية. فكل منشأة حيوية تتضرر قد تعني آلاف الأشخاص الذين تتأثر حياتهم، وكل يوم تتعطل فيه الخدمات يضيف عبئًا جديدًا على الأسر، وكل تأخير في الحل السياسي يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أكثر بعدًا. إن المعيار الحقيقي لأي قيادة أو مبادرة دولية هو قدرتها على تقليل هذه الخسائر، وحماية الحقوق، وتهيئة الظروف التي تسمح للسودانيين باستعادة حياتهم.

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات التي تتنافس على إثبات القوة، بل إلى قرارات تعيد الاعتبار لحياة الإنسان. يحتاج إلى حماية البنية التحتية المدنية، وإلى مؤسسات تعمل بشفافية، وإلى مساءلة عادلة عن الانتهاكات، وإلى تسوية سياسية تضع حدًا للحرب وتفتح الطريق أمام إعادة البناء. فالمدنيون ليسوا أرقامًا في تقارير الخسائر، ولا تفاصيل جانبية في بيانات العمليات العسكرية؛ إنهم أصحاب الحق الأول في الأمن والكرامة والخدمات.

والخلاصة أن أي حديث عن هجمات المسيّرات أو الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية يجب أن ينتهي عند السؤال الأهم: كيف يمكن منع المزيد من المعاناة؟ فالمسؤولية لا تتحقق بتبادل الاتهامات، بل بالتحقق من الوقائع، وحماية السكان، ومحاسبة المسؤولين وفق الأدلة، وإصلاح المرافق المتضررة، والعمل الجاد على إنهاء الحرب. وحتى يتحقق ذلك، سيظل المدني السوداني يدفع ثمن أزمة لم يخترها، فيما تبقى مسؤولية القيادة والمجتمع الدولي معلقة بقدر ما يقدمانه من حماية فعلية، لا بما يعلنان عنه من وعود.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى