تسريبات

الأسلحة الكيميائية في السودان.. المدنيون في قلب المخاطر والتحقيق الدولي


تثير الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية مخاوف متزايدة بشأن سلامة المدنيين، في ظل استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023. وقد عاد الملف إلى الواجهة خلال الأسبوع الأول من أكتوبر 2026، بعد تقارير تحدثت عن وثائق جديدة يُقال إنها تدعم الاشتباه في إنتاج ذخائر تحتوي على الكلور واستخدامها خلال القتال، بالتزامن مع دعوات دولية إلى تحقيق مستقل يحدد حقيقة الوقائع والمسؤوليات.

ولا تقتصر أهمية القضية على الجانب العسكري أو السياسي؛ فاحتمال استخدام مادة سامة في مناطق النزاع يثير أسئلة تتعلق بحماية السكان، واستعداد المرافق الصحية، وقدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المصابين، وإمكان توثيق الأدلة قبل أن تتعرض للتلف أو الضياع. وفي بلد يعيش أزمة إنسانية واسعة، يمكن لأي حادث من هذا النوع أن يزيد الأعباء على مجتمعات تعاني أصلاً من النزوح وانقطاع الخدمات وصعوبة الحصول على الرعاية الطبية.

ومع ذلك، فإن التعامل المهني مع الملف يتطلب التمييز بين الخطر المحتمل والوقائع المثبتة. فالادعاء باستخدام سلاح كيميائي يستدعي تحقيقاً عاجلاً، لكنه لا يسمح وحده بإعلان المسؤولية النهائية قبل التحقق من الأدلة والظروف المحيطة بكل حادثة.

تقارير أكتوبر تعيد المخاوف إلى الواجهة

في 4 أكتوبر 2026، نشرت صحيفة «ذا ستار» الكينية تقريراً تناول ما وصفه بأدلة جديدة تشير إلى احتمال استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية. واستند التقرير إلى رسالة وقعها 18 خبيراً في مجال الحد من التسلح، رأوا أن المعلومات التي ظهرت منذ الاتهامات الأميركية عام 2025 تعزز ضرورة إجراء تحقيق دولي مستقل.

وتناول التقرير ادعاءات بشأن استخدام أسطوانات تحتوي على الكلور في هجومين خلال سبتمبر 2024، إلى جانب معلومات عن إنتاج ذخائر جوية يُقال إنها صُممت لنشر الغاز. كما أعادت تقارير صحفية أميركية نُشرت في سبتمبر 2026 تسليط الضوء على وثائق سرية قيل إنها تتعلق بنشاط لإنتاج ذخائر كيميائية.

وتثير هذه المعلومات أسئلة تتطلب إجابات فنية، من بينها ما إذا كانت المواد المشار إليها قد استُخدمت فعلاً في حوادث محددة، وما إذا كانت هناك أدلة ميدانية أو طبية تتوافق مع تلك الروايات، وما إذا أمكن ربط المواد أو الذخائر المزعومة بجهة عسكرية بعينها.

ولا يمكن حسم هذه الأسئلة بالاعتماد على التقارير الإعلامية وحدها. فالمعلومات المنشورة قد تساعد في تحديد اتجاه التحقيق، لكنها تحتاج إلى مراجعة الأدلة الأصلية والتحقق من مصادرها وسياقها. وهذا مهم بصورة خاصة في الحروب، حيث يمكن أن تختلط المعلومات الصحيحة بالتقديرات غير المكتملة والروايات المتعارضة.

لماذا يمثل الكلور مصدر قلق؟

الكلور مادة معروفة الاستخدام في المجالات الصناعية والمدنية، لكنه قد يسبب أضراراً صحية خطيرة عند التعرض لتركيزات مؤذية. ولهذا فإن الاشتباه في استخدامه كسلاح يستوجب التعامل بحذر مع أي موقع قد يكون شهد تعرضاً كيميائياً، مع تجنب الاستنتاجات الطبية أو الجنائية غير المدعومة بالفحوص.

وقد تظهر بعد التعرض لمواد مهيجة أعراض مثل صعوبات التنفس وتهيج العينين والجهاز التنفسي، لكن هذه العلامات ليست دليلاً قاطعاً بمفردها على استخدام الكلور أو أي مادة كيميائية محددة. فهناك أسباب أخرى قد تنتج أعراضاً متشابهة، خصوصاً في مناطق القصف والحرائق والغبار الكثيف.

ولهذا يحتاج التحقيق إلى جمع المعلومات الطبية المتاحة، ومقارنة توقيت الأعراض بمكان الحادثة وظروفها، وفحص العينات التي يمكن الحصول عليها بصورة سليمة، وتحليل بقايا الذخائر عند توافرها. كما ينبغي أن تتم عملية جمع الأدلة وتوثيقها بطريقة تضمن عدم تلوث العينات أو العبث بها، وأن تكون نتائج التحليل قابلة للمراجعة من خبراء مستقلين.

ومن المهم أيضاً ألا يؤدي انتشار المخاوف إلى تداول تعليمات غير موثوقة أو معلومات طبية مضللة. ففي الحالات المشتبه فيها، ينبغي أن تعتمد الاستجابة على إرشادات الجهات الصحية والإنسانية المختصة، وعلى تقييم المخاطر في الموقع، لا على التكهنات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المدنيون الأكثر عرضة لتبعات الحرب

يعاني المدنيون في السودان من آثار الحرب على أكثر من مستوى؛ فالنزوح المتكرر يقطع الروابط الاجتماعية، وتضرر المستشفيات يقلص فرص الحصول على العلاج، ونقص المياه والخدمات الأساسية يزيد صعوبة التعامل مع الأزمات الصحية. وإذا ثبت استخدام مواد كيميائية في بعض المناطق، فقد تتضاعف هذه المخاطر بسبب الحاجة إلى تقييم متخصص للمصابين والمواقع المتضررة.

ولا يتوقف الضرر المحتمل على من يتعرض للمادة مباشرة. فقد تواجه العائلات صعوبة في العودة إلى مناطقها إذا ظلت المخاوف قائمة بشأن سلامة المواقع أو غياب المعلومات الموثوقة. كما قد تتردد فرق الإغاثة في العمل داخل مناطق لم تُقيّم مخاطرها بصورة كافية، الأمر الذي يزيد الحاجة إلى تنسيق واضح بين الجهات الإنسانية والسلطات المحلية والخبراء الفنيين.

وتحتاج الاستجابة الإنسانية إلى معلومات دقيقة عن أماكن الحوادث المحتملة، واحتياجات السكان، وحالة المرافق الصحية، ومدى إمكان الوصول الآمن إلى المناطق المتضررة. كما ينبغي توفير الحماية للشهود والعاملين الصحيين الذين قد يمتلكون معلومات مهمة عن ظروف الحوادث.

وإذا كانت هناك أدلة طبية أو ميدانية، فيجب توثيقها مع مراعاة خصوصية الضحايا وكرامتهم، وعدم نشر صورهم أو بياناتهم الشخصية من دون ضرورة وموافقة مناسبة. فالمحاسبة لا تتعارض مع حماية الضحايا، بل تتطلبها.

واشنطن ولندن تطالبان بمزيد من التحقق

تعود الاتهامات الأميركية إلى مايو 2025، عندما أعلنت واشنطن أنها خلصت إلى استخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية. وفي عام 2026، أعلنت الولايات المتحدة إجراءات عقابية إضافية، وطالبت بتقديم معلومات شاملة عن أي برامج أو مخزونات أو منشآت ذات صلة، والسماح بوصول دولي مستقل للتحقق.

وتعكس هذه المطالب أن القضية أصبحت جزءاً من سياسة الضغط على السلطات السودانية، مع استمرار الخلاف حول الأدلة المنشورة. لكن الأثر الإنساني للعقوبات يظل مسألة يجب أخذها في الاعتبار، خصوصاً في بلد يحتاج سكانه إلى مساعدات واسعة النطاق.

وفي 6 أكتوبر 2026، قالت الحكومة البريطانية إنها تراجع التقارير المتعلقة بالاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية بعناية، وأكدت أنها أثارت القضية مع ممثلين للقوات المسلحة السودانية، وحثت السودان على استكمال التحقيق وإبلاغ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بنتائجه.

وتشير هذه التطورات إلى أن المطالب الدولية لا تقتصر على إدانة سياسية، بل تشمل إجراءات تهدف إلى الحصول على نتائج قابلة للفحص. ومع ذلك، لا يعني موقف أي حكومة أن كل الادعاءات قد ثبتت نهائياً؛ فالمسؤولية عن الوقائع المحددة يجب أن تستند إلى تحقيق موثوق.

التحقيق المستقل ضرورة لحماية الضحايا

تضطلع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بدور أساسي في التحقق من الالتزام بالاتفاقية الدولية التي تحظر تطوير الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وحيازتها واستخدامها. ويمكن، وفق الشروط القانونية والإجرائية، النظر في إجراء تحقيق فني أو إرسال بعثة للمساعدة أو تطبيق آليات تفتيش مناسبة.

ويجب أن يحدد التحقيق المواقع التي تستحق الفحص، والمواد التي يمكن جمعها، والجهات التي ينبغي الاستماع إليها، مع الحفاظ على سلامة الأدلة وحماية الأشخاص المتعاونين. كما يتطلب العمل الفني التحقق من تاريخ الصور ومقاطع الفيديو ومصادر الوثائق، وعدم التعامل مع أي مادة منفردة باعتبارها دليلاً حاسماً قبل فحصها في سياقها.

وتزداد أهمية هذا المسار في ظل استمرار القتال، لأن التأخير قد يؤدي إلى ضياع أدلة أو صعوبة الوصول إلى الشهود. وقد تتطلب الظروف الأمنية ترتيبات خاصة للوصول إلى المواقع، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى بذل جهود عملية لجمع المعلومات قبل أن تتغير الظروف الميدانية.

والتحقيق المستقل ليس إجراءً يستهدف إدانة طرف مسبقاً؛ بل هو وسيلة لتحديد ما حدث، وما إذا كان السلاح المحظور قد استُخدم، ومن يتحمل المسؤولية إن ثبت وقوع الانتهاك. كما أنه يساعد على منع توظيف القضية في حملات إعلامية متعارضة لا تقدم إجابات حاسمة للضحايا.

أثر الملف على المساعدات والاقتصاد

يمكن أن تتسبب الاتهامات في زيادة القيود على التعامل مع السلطات السودانية، وقد تؤثر العقوبات في بعض الأنشطة التجارية والمالية والفنية. لكن ينبغي ألا تُصمم التدابير الدولية بطريقة تعرقل المساعدات الأساسية أو تزيد معاناة السكان الذين لا يتحكمون في القرارات العسكرية.

ويحتاج المجتمع الدولي إلى الفصل بين الضغط من أجل المساءلة وبين ضمان استمرار وصول الغذاء والدواء والمياه والمساعدات الطبية. كما ينبغي متابعة الآثار غير المباشرة للعقوبات، خصوصاً إذا كانت تؤثر في المؤسسات التي تقدم الخدمات الأساسية أو في قدرة المنظمات الإنسانية على تنفيذ برامجها.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي استخدام الوضع الإنساني لتبرير تجاهل الانتهاكات المحتملة. فحماية المدنيين تقتضي التحقيق في الادعاءات الخطيرة، كما تقتضي ضمان ألا تتحول إجراءات المحاسبة إلى عبء إضافي على الضحايا.

ويمكن أن تتكامل الاستجابة عبر دعم التحقيق الفني، وتوفير الموارد اللازمة للرعاية الطبية، وحماية الشهود، وضمان وصول المساعدات، وتعزيز الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار. فكل هذه العناصر مرتبطة بقدرة السودان على الخروج من دائرة الحرب والانتهاكات.

بين الحقيقة والمساءلة

يحتاج السودان إلى مسار واضح لمعالجة الاتهامات، يبدأ باستكمال التحقيقات وإتاحة النتائج للجهات الدولية المختصة. وينبغي أن تكون الأدلة قابلة للفحص، وأن تُعلن النتائج بقدر كافٍ من الشفافية، مع مراعاة سلامة الشهود والمصادر.

وفي حال ثبوت استخدام أسلحة كيميائية، يجب تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، بما يمنع تكرار الانتهاكات ويؤكد أن حظر هذه الأسلحة ليس مجرد التزام نظري. أما إذا لم تثبت بعض الادعاءات، فيجب أن تظهر النتائج ذلك بوضوح، لأن العدالة تقتضي عدم إدانة أشخاص أو مؤسسات من دون أدلة كافية.

وتؤكد التطورات خلال الأسبوع الأول من أكتوبر 2026 أن ملف الأسلحة الكيميائية لم يعد قابلاً للتجاهل، لكنه لا يزال يحتاج إلى حسم فني مستقل. وفي بلد أنهكته الحرب، ينبغي ألا تنحصر القضية في التنافس السياسي أو تبادل الاتهامات، بل يجب أن تقود إلى حماية المدنيين، وتحديد الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين إذا ثبتت الوقائع، وتهيئة الظروف لإنهاء الحرب. فالأولوية ليست فقط معرفة ما إذا كانت الأسلحة المحظورة قد استُخدمت، وإنما ضمان ألا تتكرر مثل هذه المخاطر، وألا يظل المدنيون الحلقة الأضعف في صراع يدفعون ثمنه منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى