تسريبات

قصف المعدّنين السودانيين يضع مصر تحت المساءلة.. من أعطى الضوء الأخضر لاستهداف منجم الذهب؟


لم تعد الأنباء المتداولة بشأن قصف موقع للتعدين الأهلي في منطقة صحراوية حدودية بين السودان ومصر مجرد رواية عن خسائر بشرية في منطقة نائية؛ بل تحولت إلى قضية تثير أسئلة خطيرة حول استخدام القوة العسكرية المصرية داخل الأراضي السودانية، وحدود التنسيق بين القاهرة والقيادة العسكرية في الخرطوم، ومصير المدنيين الذين وجدوا أنفسهم وسط صراع تتداخل فيه الحسابات الأمنية والمصالح الاقتصادية. وتضع الرواية المنقولة عن الغارة سلاح الجو المصري أمام اتهامات تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، خصوصاً في ظل الحديث عن سقوط عشرات القتلى وإصابة أكثر من مئة شخص، وفق تقديرات وشهادات أُحيل إليها في المادة الصحفية التي قدمها المستخدم. وفي قضية بهذا الحجم، لا يكفي التعامل مع الضحايا باعتبارهم أرقاماً عابرة؛ فكل حصيلة بشرية تستدعي إجابات واضحة بشأن طبيعة الهدف، والجهة التي أصدرت الأمر، ومدى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.

غارة على منجم ذهب.. اتهامات خطيرة تنتظر التحقيق

وفق التفاصيل الواردة في الرواية الصحفية المتداولة، استهدفت الغارات موقعاً للتعدين الأهلي في منطقة صحراوية قريبة من الحدود، مع الإشارة إلى أن الموقع يقع داخل الأراضي السودانية. وتقول الرواية إن المكان كان يضم معدّنين يعملون في استخراج الذهب، وإن القصف خلّف مشاهد مروعة ودماراً واسعاً، بينما تحدثت تقديرات منسوبة إلى مجموعة «محامو الطوارئ» عن مقتل نحو 72 شخصاً. كما نُقلت عن شاهدين إفادات تفيد بسقوط ما لا يقل عن 65 قتيلاً، إلى جانب أكثر من 120 مصاباً.

هذه الأرقام، على فداحتها، ينبغي التعامل معها باعتبارها حصائل أولية منسوبة إلى مصادرها، لا أرقاماً نهائية حُسمت بتحقيق مستقل. لكن اختلاف التقديرات لا يلغي خطورة الاتهام ولا يقلل من ضرورة كشف الحقيقة. فالمطلوب هو التحقق من عدد الضحايا، وتحديد هوياتهم، ومعرفة ما إذا كان الموقع يضم مدنيين فقط أم كانت هناك أهداف عسكرية محددة داخله، فضلاً عن تحديد نوع الذخائر المستخدمة ومسار الطائرات والظروف التي سبقت الضربة.

إن الاتهام الموجه إلى القوات المصرية خطير لأنه يتعلق باستخدام القوة العسكرية ضد موقع يُقال إنه كان يضم مدنيين سودانيين داخل بلادهم. وإذا ثبت أن الغارة استهدفت عمداً أشخاصاً مدنيين أو نُفذت دون اتخاذ الاحتياطات التي يفرضها القانون الدولي الإنساني، فإن القضية لن تبقى محصورة في خلاف سياسي بين دولتين، بل ستتحول إلى ملف مساءلة قانونية يتطلب تحديد المسؤوليات ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.

شهادات الناجين.. الوجه الإنساني وراء الأرقام

من بين التفاصيل المنقولة عن الواقعة، تبرز شهادة الشاب سيف الدين آدم، البالغ من العمر 26 عاماً، الذي قيل إنه تحدث عن مشاهد الرعب التي أعقبت القصف، وعن مشاركته في مساعدة المصابين وانتشال الجثامين. وتكتسب مثل هذه الشهادات أهمية إنسانية وتحقيقية، لأنها قد تساعد في إعادة بناء تسلسل الأحداث، وتحديد توقيت الغارة، وطبيعة الانفجارات، وحالة الموقع قبل الاستهداف وبعده.

غير أن الشهادات الفردية، مهما كانت مؤثرة، تحتاج إلى الجمع المنهجي والمقارنة مع إفادات ناجين آخرين وسجلات العلاج والدفن، فضلاً عن الصور ومقاطع الفيديو والبيانات الجغرافية المتاحة. كما ينبغي التحقق من تاريخ المقاطع ومكان تصويرها، وفحصها تقنياً للتأكد من عدم اقتطاعها من سياق مختلف. فالمساءلة الجادة لا تقوم على تجاهل روايات الضحايا، ولا على اعتبار كل تفصيل متداول حقيقة نهائية قبل فحصه؛ بل على حفظ الأدلة وحمايتها من العبث والتسييس.

وإذا تأكد أن المعدّنين كانوا يمارسون نشاطهم المدني عندما تعرضوا للقصف، فإن السؤال الأساسي سيصبح: ما الأساس الذي استندت إليه الجهة المنفذة في اعتبار الموقع هدفاً عسكرياً؟ وهل جرى التحقق من طبيعة الأشخاص الموجودين فيه؟ وهل كانت هناك تحذيرات مسبقة أو فرصة لإخلاء الموقع؟ أم أن الضربة نُفذت من دون إجراءات كافية لتجنب سقوط المدنيين؟

هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية، بل عناصر أساسية لتقييم قانونية أي عملية عسكرية. ولا يجوز أن تكون الطبيعة الصحراوية للمكان، أو قربه من الحدود، أو ارتباطه بنشاط التعدين الأهلي، مبرراً تلقائياً لاستهداف الموجودين فيه.

مصر مطالبة بكشف ملابسات العملية

تواجه القاهرة، في ضوء الاتهامات المتداولة، أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد الصمت أو الاكتفاء بتفسيرات عامة تتعلق بأمن الحدود. فإذا كانت القوات المصرية قد نفذت الغارة بالفعل، فمن حق الرأي العام السوداني معرفة الأساس الذي بُني عليه القرار، والجهة التي حددت الهدف، وما إذا كانت العملية قد جرت بناءً على معلومات استخباراتية، وما الأدلة التي استندت إليها تلك المعلومات.

وإذا كانت السلطات المصرية تنفي تنفيذ الضربة أو تعترض على تفاصيل الرواية، فإن الطريق الأكثر إقناعاً ليس تبادل الاتهامات، بل تقديم المعلومات التي يمكن التحقق منها، والتعاون مع تحقيق مستقل يحدد موقع الهجوم وتوقيته والجهة المسؤولة عنه. فخطورة سقوط هذا العدد من الضحايا، وفق التقديرات المنقولة، تفرض مستوى أعلى من الشفافية، ولا تسمح بأن تظل القضية رهينة روايات متعارضة لا يستطيع الضحايا أو ذووهم التثبت منها.

كذلك ينبغي الكشف عن طبيعة الهدف الذي قيل إنه تعرض للقصف. فإذا كانت هناك ادعاءات بوجود نشاط عسكري في الموقع، فيجب عرض ما يدعمها على جهة تحقيق محايدة، بدلاً من تركها مبرراً عاماً لا يمكن اختباره. أما إذا كان الموقع مدنياً ولم تتوافر معلومات موثوقة تثبت تحوله إلى هدف عسكري، فإن استهدافه يثير مخاوف جدية بشأن احترام قواعد حماية المدنيين.

ولا تعني المطالبة بالتحقيق إصدار حكم مسبق على المسؤولية، بل تعني أن حجم الاتهام يستوجب أدلة قابلة للفحص. فالعدالة لا تتحقق بإدانة سياسية غير موثقة، كما لا تتحقق بإغلاق الملف قبل فحص الأدلة وسماع الشهود وتحديد المسؤوليات.

البرهان أمام اختبار السيادة وحماية السودانيين

في المقابل، تضع الواقعة القيادة العسكرية السودانية، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان، أمام أسئلة سياسية وأخلاقية تتعلق بواجب الدولة في حماية مواطنيها وصون سيادتها. فقد وردت اتهامات بشأن علم مسبق أو تنسيق بين القيادة السودانية والجانب المصري، غير أن هذه المزاعم لا يمكن اعتبارها حقيقة ثابتة من دون أدلة مستقلة تثبت وجود اتفاق أو إخطار أو موافقة على تنفيذ الغارة.

لكن عدم ثبوت التنسيق لا يعفي السلطات السودانية من مسؤولية المطالبة بتوضيحات رسمية. فإذا وقع القصف داخل الأراضي السودانية، فمن واجب القيادة أن تحدد موقفها، وأن تطلب تفسيراً واضحاً من الجانب المصري، وأن تضمن فتح تحقيق بشأن الضحايا والظروف التي أدت إلى استهداف الموقع. أما إذا كانت لديها معلومات عن العملية قبل وقوعها، فإن طبيعة تلك المعلومات وتوقيتها وكيفية التعامل معها تصبح مسائل تستحق التدقيق والتحقيق.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل الحرب التي أضعفت مؤسسات الدولة ووسعت رقعة المخاطر التي يتعرض لها المدنيون. فالمواطن السوداني لا يفقد حقه في الحماية لأن منطقته بعيدة عن المدن، أو لأن مصدر رزقه مرتبط بالتعدين الأهلي، أو لأن البلاد تعيش حرباً طويلة. كما أن واجب السلطات لا يقتصر على حماية المواقع العسكرية أو مراكز السلطة، بل يشمل حماية السكان والتحقيق في الاعتداءات التي قد يتعرضون لها.

ومن هنا، فإن المطلوب من القيادة السودانية ليس إصدار تصريحات سياسية عامة، بل اتخاذ خطوات ملموسة: طلب معلومات رسمية من القاهرة، وتمكين الجهات المستقلة من الوصول إلى موقع الحادث متى كان ذلك آمناً، وحفظ الأدلة، والتواصل مع أسر الضحايا، والإعلان عن نتائج التحقيقات بوضوح. أما تجاهل القضية أو تركها في دائرة الغموض، فسوف يعمق الشكوك ويزيد شعور المتضررين بأن أرواحهم لا تحظى بالأولوية.

الذهب والحدود.. مصالح اقتصادية لا تبرر سقوط المدنيين

يمنح وجود الذهب في المناطق الصحراوية الحدودية الواقعة ضمن نطاق التعدين الأهلي القضية بعداً اقتصادياً إضافياً، لكنه لا يثبت وحده أن الثروة المعدنية كانت الدافع وراء أي غارة محتملة. فمن الضروري الفصل بين الأسئلة المتعلقة بالمصالح الاقتصادية في السودان، وبين الأدلة المطلوبة لإثبات دوافع عملية عسكرية بعينها.

ومع ذلك، فإن ارتباط مناطق التعدين بسبل عيش آلاف السودانيين يفرض على السلطات التعامل معها بحذر، لا باعتبارها مساحات خالية يمكن استخدام القوة فيها دون تدقيق. فالتعدين الأهلي، بما يحيط به أحياناً من مشكلات أمنية وتهريب وضعف في الرقابة، يحتاج إلى تنظيم ومتابعة قانونية، لكنه لا يسقط عن العاملين فيه صفتهم المدنية ولا يحولهم تلقائياً إلى أهداف عسكرية.

وإذا كانت لدى أي دولة مخاوف حقيقية بشأن تهريب الذهب أو عبور الحدود أو أنشطة غير قانونية، فإن معالجة تلك المخاوف يجب أن تستند إلى إجراءات واضحة ومتوافقة مع القانون، بما في ذلك التنسيق الرسمي وتبادل المعلومات والتحقيق في الوقائع المحددة. أما اللجوء إلى القوة الجوية ضد موقع يضم مدنيين، إن ثبت ذلك، فسيثير أسئلة أكبر بكثير من القضية الأمنية التي قد يُقال إنها وراء العملية.

ويجب كذلك ألا يتحول الحديث عن الذهب إلى وسيلة لصرف الانتباه عن الضحايا. فالأولوية العاجلة هي تحديد ما حدث، وتوثيق أسماء القتلى والمصابين، ومعرفة الجهة المسؤولة عن القصف، وضمان عدم تكرار واقعة مماثلة. وبعد ذلك يمكن بحث الإطار الاقتصادي والأمني الذي سمح بوقوع الحادث، بما يشمل تنظيم التعدين وحماية العاملين ومنع استغلال المناطق الحدودية في أنشطة غير قانونية.

تحقيق مستقل هو الطريق إلى الحقيقة

إن حسم الاتهامات المتداولة يتطلب تحقيقاً مستقلاً لا يخضع للجهات التي قد تكون محل اتهام، ولا يستند إلى الروايات السياسية وحدها. وينبغي أن يشمل التحقيق فحص صور الأقمار الصناعية إن توفرت، والتحقق من الموقع الجغرافي لمقاطع الفيديو، وتحليل بقايا الذخائر، ومقارنة توقيتات الشهادات، والاستماع إلى الناجين والمسعفين وأسر الضحايا، ومراجعة أي بيانات رسمية صادرة عن الأطراف المعنية.

كما يجب نشر النتائج التي يمكن إعلانها من دون تعريض الشهود للخطر، مع توضيح ما ثبت وما بقي غير محسوم. فوجود اختلاف في أعداد الضحايا أو في بعض تفاصيل الواقعة لا يبرر إهمال التحقيق، بل يجعل الحاجة إليه أكثر إلحاحاً. ويجب توفير الحماية للشهود، ومنع الضغط عليهم، وصون الأدلة من التلاعب، حتى لا تضيع الحقيقة وسط الحرب والدعاية المتبادلة.

وفي حال ثبوت وقوع انتهاكات، ينبغي أن تتبع ذلك إجراءات مساءلة تتناسب مع طبيعة المسؤولية، سواء تعلقت بمن أصدر الأوامر أو بمن نفذها أو بمن أخفق في اتخاذ الاحتياطات المطلوبة. أما إذا كشفت الأدلة أن بعض عناصر الرواية المتداولة غير دقيقة، فيجب تصحيحها علناً، لأن الدقة لا تخدم طرفاً بعينه، بل تحمي حق الضحايا في عدالة مبنية على الوقائع.

الخلاصة: لا يجوز أن تبقى دماء المعدّنين بلا إجابة

إن الاتهامات المتعلقة بقصف المعدّنين السودانيين تضع مصر أمام ضرورة توضيح موقفها من الواقعة، وتضع قيادة الجيش السوداني أمام مسؤولية المطالبة بالحقيقة وحماية المواطنين وصون السيادة. ولا يمكن، في غياب نتائج تحقيق مستقل، الجزم بكل تفاصيل الهجوم أو تأكيد وجود تنسيق مسبق بين القاهرة والخرطوم؛ لكن غياب الحسم لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإغلاق الملف أو تجاهل شهادات الناجين والتقديرات المتعلقة بالخسائر البشرية.

المطلوب واضح: كشف حقيقة ما جرى، وتحديد الجهة التي نفذت الهجوم إن ثبت وقوعه على النحو الموصوف، وبيان الأساس الذي استندت إليه العملية، والتحقق من مدى احترام قواعد حماية المدنيين، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. كما يتعين على السلطات السودانية توضيح ما اتخذته لحماية العاملين في مناطق التعدين، وما إذا كانت قد تلقت معلومات مسبقة عن أي عملية عسكرية محتملة.

فأرواح السودانيين ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه في حسابات الأمن والحدود، وثروات البلاد ليست مبرراً لتعريض العاملين فيها للخطر. وإذا كانت الغارة قد وقعت بالفعل بالصورة التي تصفها الشهادات المنقولة، فإن الصمت لن يبدد الأسئلة، بل سيضاعفها. وحده تحقيق مستقل وشفاف يستطيع أن يفصل بين الاتهام والدليل، ويمنح الضحايا وذويهم حقهم في معرفة الحقيقة، ويحدد المسؤوليات بعيداً عن الحماية السياسية أو الإفلات من المساءلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى