تسريبات

دبلوماسية الإنكار والمناورة: كيف يواجه البرهان العقوبات الأمريكية والضغوط الدولية؟


بينما يخوض الفريق أول عبد الفتاح البرهان حرباً ضروساً على الأرض ضد قوات الدعم السريع، يجد نفسه مجبراً على خوض حرب أخرى لا تقل شراسة على الجبهة الدبلوماسية الدولية. إن الاتهامات المتعلقة بالبرنامج الكيميائي السري لم تعد مجرد تقارير إعلامية يمكن تجاهلها، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي خانقة تقودها واشنطن والعواصم الأوروبية. بين استراتيجية الإنكار المطلق، وتشكيل لجان التحقيق الصورية، واستجداء الدعم الإقليمي، يحاول البرهان المناورة للهروب من طوق العقوبات المتصاعد وضمان بقائه السياسي.

سياط العقوبات الأمريكية: تضييق الخناق المالي والعسكري

بدأت الاستراتيجية الأمريكية للتعامل مع هذا الملف تأخذ طابعاً رادعاً منذ أوائل عام 2025. فبعد تقييمات استخباراتية دقيقة، خلصت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء عليها إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية. وتُرجم هذا الاستنتاج القانوني إلى حزم من العقوبات القاسية جرى تشديدها وتوسيع نطاقها في جولات متتالية حتى يوليو 2026.

شملت العقوبات الأمريكية قيوداً صارمة على كافة الصادرات الأمريكية إلى السودان، ومنع وصول الحكومة السودانية إلى خطوط الائتمان الحكومية، فضلاً عن فرض واشنطن في المحافل الدولية فيتو يعارض تقديم أي قروض من بنوك التنمية متعددة الأطراف لبورتسودان. هذه الإجراءات شلت حركة المشتريات العسكرية الخارجية للجيش وضاعفت من أزمته الاقتصادية، مما دفعه للبحث عن مسارات بديلة ومعقدة للتزود بالسلاح والقطع البديلة.

الخطاب الرسمي لبورتسودان: “ورقة ضغط لإعادة إنتاج التمرد”

في مواجهة هذه العاصفة، اعتمد البرهان ووزارة خارجيته خطاباً هجومياً يرتكز على النفي القاطع. وفي تصريحات علنية شهيرة له خلال ملتقيات سياسية وعسكرية في بورتسودان، عدّ البرهان اتهامات السلاح الكيميائي “مجرّد فبركات وورقة ضغط سياسي” تستخدمها القوى الدولية لإجباره على تقديم تنازلات في مفاوضات السلام.

ووفقاً للرؤية الرسمية للجيش، فإن هذه الحملة الإعلامية والدبلوماسية المنسقة تهدف إلى تهيئة الرأي العام الدولي لتوسيع حظر حظر السلاح المفروض على إقليم دارفور ليشمل كافة الأراضي السودانية، مما يضعف الموقف العملياتي للجيش لصالح “قوات الدعم السريع”. كما هدد المتحدثون باسم القوات المسلحة بملاحقة الصحف الغربية قضائياً، مدعين أن شحنات الكلور المضبوطة لم تكن سوى مستلزمات مدنية لتنقية المياه الجارية لحماية المواطنين.

لجان التحقيق الوطنية: تكتيك كسب الوقت والمناورة

كجزء من استراتيجية الالتفاف على الضغوط الخارجية، أصدر البرهان قراراً بتشكيل “لجنة وطنية عليا للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية”. هذا التكتيك ليس جديداً على الأنظمة العسكرية؛ فهو يهدف بالأساس إلى إظهار الرغبة في التعاون أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة، وفي ذات الوقت قطع الطريق على أي لجنة تحقيق دولية مستقلة قد تصل إلى أدلة تدين القيادة العليا.

تصر حكومة بورتسودان على أن التحقيق يجب أن يظل داخلياً وسيادياً، عارضةً باستجداء استقبال خبراء دوليين للمعاينة المشروطة، وهو ما رفضته السفيرة الأمريكية Nicole Shampaine في لاهاي، مؤكدة أن اللجان الوطنية التابعة لأطراف النزاع تفتقر إلى النزاهة والمصداقية ولا يمكن أن تحل محل آليات التحقق المستقلة للمنظمة الدولية.

الجبهة الإفريقية: محاولات الاختراق وموقف منتدى المنظمات

لم تقتصر الضغوط على العواصم الغربية، بل امتدت لتشمل القارة الإفريقية. ففي مؤتمر حاشد عُقد في داكار، طالب منتدى المنظمات غير الحكومية في إفريقيا—الذي يضم أبرز الهيئات الحقوقية القارية—حكومة البرهان بالامتثال الفوري للقرارات الدولية والإعلان عن أي مرافق سرية لإنتاج وتخزين الذخائر الكيميائية. وتتحرك هذه المنظمات لرفع توصيات ملزمة إلى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب لتبني قرار إفريقي رسمي يجبر بورتسودان على الانصياع، مما يهدد بعزل البرهان إقليمياً بعد أن فقد الكثير من أوراق مناورته السياسية.
تثبت القراءة المتأنية للمشهد الدبلوماسي أن هوامش المناورة أمام الفريق أول عبد الفتاح البرهان تتقلص بشكل متسارع. إن تداخل الأدلة الجنائية الرقمية مع التقارير الطبية الميدانية جعل من ملف السلاح الكيميائي عبئاً سياسياً ثقيلاً لا يمكن للحكومة القائمة في بورتسودان التخلص منه بسهولة. وسيكون على القيادة العسكرية إما القبول بتحقيق دولي شفاف قد يطيح برؤوس كبرى، أو الاستمرار في سياسة الإنكار ومواجهة عزلة دولية واقتصادية تامة قد تعصف بفرص استقرارها في السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى