تسريبات

البرهان وأنقرة.. تحالف المصالح فوق أنقاض السودان


لم تعد العلاقة بين تركيا والسلطة العسكرية في السودان مجرد علاقة دبلوماسية تقليدية بين دولتين، أو تعاون اقتصادي تحكمه الاتفاقيات التجارية والمشاريع التنموية. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أخذت هذه العلاقة أبعاداً أكثر حساسية، بعدما أصبحت أنقرة حاضرة في المشهد السوداني عبر قنوات سياسية ودبلوماسية وإنسانية، وسط تقارير وتحقيقات صحفية تحدثت عن تعاون عسكري تركي مع الجيش السوداني.

وفي بلد تتآكل فيه مؤسسات الدولة، وتتسع فيه رقعة النزوح والجوع والدمار، لا يمكن النظر إلى التقارب بين أنقرة والبرهان بمعزل عن سؤال المصالح: ماذا تريد تركيا من السودان؟ وماذا يريد البرهان من تركيا؟ وهل تحولت العلاقة إلى شراكة استراتيجية هدفها حماية مصالح متبادلة، حتى لو كان استمرار الحرب يفاقم مأساة السودانيين؟

إن الإجابة لا تكمن في التصريحات الرسمية وحدها، بل في تتبع مسار العلاقة، من الاتفاقيات الاقتصادية السابقة للحرب إلى الاتصالات السياسية في زمن المعارك، ومن الحضور الدبلوماسي في بورتسودان إلى ما كشفته التحقيقات بشأن صفقات السلاح. فهذه التفاصيل مجتمعة ترسم صورة علاقة تتجاوز لغة التضامن، وتكشف عن تقاطع واضح بين حسابات النفوذ التركي وحسابات بقاء السلطة العسكرية السودانية.

علاقة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية

تعود جذور التقارب بين أنقرة والخرطوم إلى سنوات سبقت الحرب الحالية. ففي ديسمبر 2017، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السودان، وجرى توقيع 12 اتفاقية وبروتوكول تعاون، كما أُعلن عن تأسيس آلية للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين. وشملت مجالات التعاون الزراعة والطاقة والصحة والتعليم والأمن والتجارة، في خطوة عكست رغبة تركية في بناء شراكة واسعة مع السودان.

لم تكن تلك الزيارة مجرد محطة بروتوكولية؛ فقد كانت جزءاً من توجه تركي أوسع نحو تعزيز الحضور في القارة الإفريقية، والبحث عن شركاء يمتلكون موارد طبيعية ومواقع جغرافية مهمة وأسواقاً قابلة للنمو. والسودان، بموقعه على البحر الأحمر وامتداده الإفريقي وموارده الزراعية والمعدنية، يمثل بلداً ذا أهمية خاصة في الحسابات التركية.

ومنذ ذلك الوقت، توسعت العلاقات بين البلدين عبر التجارة والاستثمارات والمشاريع التنموية والتعاون المؤسسي. وبحسب بيانات وزارة الخارجية التركية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 344.7 مليون دولار سنة 2024، مع تفوق الصادرات التركية على الواردات من السودان. وهذه الأرقام، رغم أنها لا تكشف وحدها طبيعة النفوذ السياسي، تؤكد أن أنقرة تنظر إلى السودان باعتباره شريكاً اقتصادياً مهماً، لا مجرد بلد تتدخل لمساعدته في أوقات الأزمات.

لكن اندلاع الحرب غيّر طبيعة العلاقة. فالسودان الذي كان يمثل فرصة للتوسع الاقتصادي والاستثماري أصبح أيضاً ساحة صراع على النفوذ، وأصبح التعامل مع السلطة العسكرية التي يقودها البرهان مسألة ترتبط بمستقبل المصالح التركية في البلاد.

البرهان يبحث عن السند.. وأنقرة تبحث عن موطئ قدم

في الحروب، لا يبحث القادة العسكريون عن السلاح وحده، بل عن الاعتراف السياسي، والقنوات الدبلوماسية، والشركاء الذين يستطيعون منحهم مساحة للحركة خارجياً. وهذا ما يجعل العلاقة بين البرهان وأنقرة ذات أهمية خاصة.

فمنذ انتقال السفارة التركية مؤقتاً إلى بورتسودان في مايو 2023، حافظت أنقرة على وجود دبلوماسي داخل السودان، في وقت أصبحت فيه المدينة مركزاً مؤقتاً لعمل مؤسسات الحكومة المرتبطة بالجيش. وتقول الخارجية التركية إن سفارتها واصلت نشاطها من بورتسودان ولم تغادر البلاد.

هذا الحضور وفر لأنقرة اتصالاً مباشراً ومستمراً مع مؤسسات السلطة السودانية، وأتاح لها متابعة الملفات الثنائية في ظروف الحرب. وفي المقابل، استفادت قيادة البرهان من استمرار العلاقات مع دولة إقليمية مؤثرة، ومن وجود شريك مستعد لمواصلة التعاون في مجالات متعددة رغم الانهيار الذي أصاب البلاد.

وتجلّى هذا التقارب في اللقاء الذي جمع أردوغان بالبرهان في 12 أبريل 2025، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي. وبحسب الرئاسة التركية، تناول الاجتماع العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية، وأكد أردوغان استعداد بلاده للمساهمة في إعادة إعمار السودان وتطبيعه بعد انتهاء الصراعات، مع التشديد على وحدة أراضيه وسيادته. 

لكن اللافت لم يكن اللقاء وحده، بل مستوى الحضور التركي فيه؛ فقد شارك فيه وزير الخارجية ووزير الطاقة والموارد الطبيعية ووزير الدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات ورئيس الصناعات الدفاعية، إلى جانب مسؤولين كبار آخرين. وهذا الحضور الواسع يعكس أن الملف السوداني لم يكن موضوعاً دبلوماسياً هامشياً، بل قضية تتقاطع فيها السياسة والأمن والطاقة والصناعات الدفاعية. 

وبعد أيام من اللقاء، بحث البرهان مع السفير التركي في بورتسودان مشاريع التنمية والمساعدات الإنسانية وإعادة تشغيل الرحلات الجوية، كما تناولت المحادثات استئناف نشاط الخطوط الجوية التركية وإعادة فتح فرع بنك زراعات في المدينة. ووفق ما نشرته «سودان تريبيون» في 21 أبريل 2025، وصف الجانب السوداني العلاقات بأنها مرشحة للانتقال إلى مرحلة جديدة. 

هذه التفاصيل تكشف أن العلاقة لم تكن محصورة في الاتصالات السياسية، بل امتدت إلى محاولة إعادة تشغيل قنوات اقتصادية ومالية ونقلية، في وقت كانت فيه الحرب مستمرة. وهنا يبرز السؤال: هل تسعى أنقرة إلى مساعدة السودان على استعادة مؤسساته، أم إلى تثبيت موقعها لدى السلطة التي تملك مفاتيح القرار في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش؟

السلاح.. النقطة الأكثر حساسية في التحالف

إذا كان التعاون السياسي والاقتصادي قابلاً للتفسير باعتباره امتداداً للعلاقات الثنائية، فإن الملف العسكري يضع العلاقة أمام اختبار أكثر صعوبة.

ففي مارس 2025، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحقيقاً استند إلى وثائق ومراسلات وسجلات مالية، تحدث عن صفقة أسلحة بين شركة «بايكار» التركية والجهة السودانية المسؤولة عن المشتريات الدفاعية، بقيمة لا تقل عن 120 مليون دولار. وقال التحقيق إن الصفقة شملت مسيّرات من طراز «بيرقدار TB2» ومئات الرؤوس الحربية ومحطات للتحكم، إلى جانب وجود دعم فني مرتبط بتشغيل الأنظمة. كما أشار إلى وصول شحنات إلى السودان خلال عام 2024. 

وتكمن أهمية هذه المعلومات في توقيتها؛ فالصفقة، وفق التحقيق، جاءت بينما كانت الحرب تتوسع، وكانت القوات المسلحة السودانية تخوض معارك واسعة لاستعادة مواقع استراتيجية. وبالتالي، فإن توفير تقنيات عسكرية متقدمة لطرف من أطراف الحرب لا يمكن فصله عن تأثيره المحتمل في ميزان القوة، حتى وإن لم يكن وحده العامل الحاسم في مسار العمليات.

والأكثر دلالة أن تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، الصادر في أكتوبر 2026، يضع تركيا ضمن الدول التي قدمت دعماً عسكرياً للجيش السوداني منذ بداية الحرب، ويذكر المسيّرات التركية من طرازي «أكنجي» و«بيرقدار TB2» وأعداداً كبيرة من الرؤوس الحربية. ويشير التقرير إلى أن أنقرة اتجهت، مع تقدم الحرب، إلى اصطفاف دفاعي أوضح مع القوات المسلحة السودانية، مع زيادة المساعدات العسكرية وشحنات المسيّرات والدعم الفني بحلول أواخر 2025. 

هذه المعطيات تضعف إمكانية التعامل مع العلاقة باعتبارها مجرد تقارب دبلوماسي أو تعاون إنساني. فحين تصبح هناك تقارير دولية تتحدث عن دعم عسكري وتطور في مستوى الاصطفاف الدفاعي، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة الدور التركي في الحرب، وعن مدى تأثير هذا الدور في قدرة الجيش على مواصلة العمليات العسكرية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ما تقوله التقارير والتحقيقات وبين الأحكام القطعية. فالمعلومات المتعلقة بالصفقات تستند إلى تحقيقات صحفية وتقييمات دولية، وليست حكماً قضائياً نهائياً. كما أن أنقرة تعلن في خطابها الرسمي دعمها لوقف القتال والسلام والاستقرار، ولذلك ينبغي وضع التصريحات الرسمية إلى جانب الأدلة والتقارير المتعلقة بالتعاون العسكري، لا تجاهل أحد الجانبين.

لماذا يهم السودان أنقرة؟

لا يمكن فهم الاهتمام التركي بالسودان من دون النظر إلى الجغرافيا. فالسودان يطل على البحر الأحمر، وهو ممر بحري بالغ الأهمية للتجارة الدولية وحركة الطاقة والنقل. كما يمتلك أراضي زراعية واسعة وموارد معدنية، ويحتاج إلى استثمارات كبيرة في الموانئ والطرق والطاقة والصحة والبنية التحتية.

بالنسبة إلى أنقرة، يفتح هذا الواقع أبواباً متعددة: توسيع الأسواق أمام الشركات التركية، وتعزيز التعاون في قطاع التعدين والزراعة، والحصول على فرص في مشاريع إعادة الإعمار، وترسيخ حضور سياسي واقتصادي على ساحل البحر الأحمر. وهذه ليست بالضرورة أهدافاً غير مشروعة؛ فكل دولة تسعى إلى حماية مصالحها وتوسيع شراكاتها. لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح هذه المصالح مرتبطة باستمرار التعامل مع قيادة عسكرية في بلد يعيش حرباً مدمرة، من دون ضمانات واضحة بأن الاتفاقيات المستقبلية ستخدم السودانيين جميعاً.

وتكشف تصريحات السفير التركي الجديد لدى السودان، الذي باشر مهامه في الأول من أكتوبر 2026، عن استمرار هذا التوجه. فقد تحدث في رسالته الرسمية عن العمل على توسيع العلاقات في التجارة والزراعة والتعدين والمصارف، إلى جانب المساعدات الإنسانية والتدريب الفني وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. وهذا يعني أن أنقرة تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها فرصة لتعزيز الشراكة في قطاعات استراتيجية متعددة. 

كما أن اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين في مايو 2026 أظهر طموحاً تركياً لرفع حجم التبادل التجاري إلى ملياري دولار على المدى المتوسط، وتوسيع التعاون في الزراعة والطاقة والتعدين والبنية التحتية والصناعات الدفاعية. وأعلنت وزارة الزراعة والغابات التركية في ذلك السياق أن حجم التجارة الثنائية بلغ نحو 390 مليون دولار في 2025، وأن الاستثمارات التركية في السودان تقدر بنحو 300 مليون دولار.

وهكذا، فإن السودان يمثل لأنقرة مشروع شراكة طويل الأمد، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية. غير أن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو ما إذا كانت هذه الشراكة ستُبنى مع دولة سودانية مستقرة ومؤسسات شرعية، أم ستترسخ عبر علاقات خاصة مع سلطة عسكرية تسعى إلى تثبيت موقعها وسط الحرب.

هل يدفع السودانيون ثمن تحالف المصالح؟

المشكلة الأساسية ليست في أن تكون لتركيا مصالح في السودان، بل في طبيعة الدور الذي تلعبه لتحقيقها. فالدعم السياسي أو العسكري الذي يقوي طرفاً متحارباً قد يمنحه قدرة أكبر على مواصلة القتال، ويضعف الحوافز للبحث عن تسوية. وعندما تتنافس القوى الخارجية على دعم الأطراف، يتحول النزاع الداخلي تدريجياً إلى حرب تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع الصراع السوداني الأصلي.

وهنا ينبغي تذكير أنقرة بأن الحديث عن وحدة السودان وسيادته لا يكتمل بمجرد التصريحات الدبلوماسية. فسيادة الدولة تعني أيضاً حماية قرارها من الارتهان للمصالح الخارجية، وضمان ألا تتحول مواردها وموانئها ومناجمها إلى أوراق تفاوض في صفقات لا يعرف المواطن السوداني تفاصيلها.

كما أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تكون مكافأة سياسية لطرف عسكري، ولا فرصة لتوزيع الامتيازات على الشركات الأجنبية عبر تفاهمات مغلقة. إنها عملية يجب أن تقوم على الشفافية والرقابة والمصلحة العامة، وأن تستند إلى مؤسسات سودانية قادرة على تمثيل المواطنين ومحاسبة المسؤولين.

إن البرهان يحتاج إلى علاقات خارجية تعزز موقعه، وتركيا تريد شريكاً يحافظ على مصالحها في بلد ذي أهمية استراتيجية. لكن هذه المصالح المتبادلة لا تعني بالضرورة أنها تصب في مصلحة السودان. فهناك فرق كبير بين دعم الدولة السودانية ودعم سلطة عسكرية بعينها، وبين مساعدة الشعب على تجاوز الحرب وتوفير الأدوات التي قد تجعل الحسم العسكري أكثر إغراءً.

الخلاصة: شراكة النفوذ لا تكفي لبناء السلام

تُظهر الوقائع أن العلاقة بين أنقرة والبرهان أصبحت أكثر من مجرد علاقة دبلوماسية عادية. فهناك اتصالات على أعلى مستوى، وحضور تركي مستمر في بورتسودان، ومشاريع اقتصادية وإنسانية، وطموحات تجارية واستثمارية واسعة، إلى جانب تقارير صحفية ودولية تتحدث عن تعاون عسكري متنامٍ مع الجيش السوداني.

ولا يمكن الجزم بأن تركيا تتحكم في قرار البرهان أو أنها صاحبة القرار في استمرار الحرب؛ فالمسؤولية الأساسية تقع على الأطراف السودانية التي اختارت القتال، وعلى كل جهة خارجية تسهم في تغذية النزاع. لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أن الدعم العسكري الخارجي يرفع كلفة الوصول إلى تسوية، ويمنح أطراف الحرب أسباباً إضافية للاعتقاد بأن بإمكانها تحسين مواقعها بالقوة.

الاختبار الحقيقي لأنقرة ليس عدد الاتفاقيات التي توقعها مع البرهان، ولا حجم التجارة التي تحققها، ولا عدد المشاريع التي تفتتحها في السودان؛ بل موقفها العملي من وقف الحرب ومنع تسليح الأطراف المتحاربة، واحترام حق السودانيين في تقرير مستقبل بلادهم.

فالسودان ليس ملكاً للبرهان، ولا ساحة مفتوحة لتوسيع نفوذ أي دولة. وإذا كانت أنقرة تريد بالفعل شراكة استراتيجية مع هذا البلد، فعليها أن تثبت أن مصالحها لا تتقدم على حق شعبه في السلام والاستقرار، وأن مستقبل العلاقة لن يُبنى على موازين السلاح، بل على مؤسسات وطنية مستقلة ودولة لا تتحول إلى رهينة لتحالفات الخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى