تركيا وإطالة الحرب في السودان.. كيف يتحول الدعم الخارجي إلى وقود للصراع؟
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية داخلية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى أزمة إقليمية ودولية تتداخل فيها الحسابات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، وتتشابك حولها مصالح قوى تسعى إلى توسيع نفوذها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في القارة الإفريقية. فمع مرور الوقت، لم تعد المعارك تدور فقط حول السيطرة على المدن والمواقع العسكرية، وإنما أصبحت البلاد أيضاً ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي، حيث تتقدم المصالح الخارجية أحياناً على حساب تطلعات السودانيين في إنهاء الحرب واستعادة دولتهم.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبرز الدور التركي باعتباره أحد الملفات التي تستحق التدقيق والمساءلة، خصوصاً بعد التحقيقات الصحفية والتقارير الدولية التي تحدثت عن تزويد الجيش السوداني بمسيّرات وأسلحة تركية، بالتزامن مع استمرار العلاقات السياسية والدبلوماسية الوثيقة بين أنقرة وقيادة الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان. فبينما تؤكد تركيا دعمها لوحدة السودان واستقراره، وتعلن استعدادها للمساهمة في تقديم المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، تطرح المعلومات المتعلقة بالتعاون العسكري تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة هذا الدور، وحدود التناقض بين الخطاب الدبلوماسي والممارسة على أرض الواقع.
السؤال الأساسي هنا ليس ما إذا كانت تركيا وحدها مسؤولة عن استمرار الحرب، فهذا استنتاج لا تدعمه الوقائع، ولا يمكن اختزال أزمة سودانية بهذا الحجم في دور دولة واحدة. وإنما يتعلق الأمر بمدى مساهمة الدعم العسكري الخارجي، ومن ضمنه الدعم الذي تحدثت عنه التحقيقات بشأن أنقرة، في تعزيز القدرات القتالية للجيش السوداني، ومنحه إمكانات إضافية لمواصلة العمليات العسكرية، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية والإقليمية لوقف إطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي.
إن فهم الموقف التركي يتطلب النظر إلى ما وراء التصريحات الرسمية والصور الدبلوماسية، والبحث في طبيعة المصالح التي تجمع أنقرة بالسلطة العسكرية السودانية، وحسابات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فضلاً عن مستقبل الاستثمارات التركية في بلد يمتلك موارد طبيعية هائلة وموقعاً جغرافياً بالغ الأهمية.
المسيّرات التركية.. سلاح جديد في معادلة الحرب السودانية
يظل ملف المسيّرات العسكرية من أبرز الجوانب التي أثارت الجدل بشأن طبيعة التعاون التركي مع الجيش السوداني. ففي تحقيق نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في مارس 2025، كشفت الصحيفة، استناداً إلى وثائق ومراسلات قالت إنها اطلعت عليها، عن صفقة أسلحة بين شركة «بايكار» التركية والجهة السودانية المسؤولة عن المشتريات الدفاعية، بلغت قيمتها ما لا يقل عن 120 مليون دولار.
وبحسب التحقيق، تضمنت الصفقة مسيّرات من طراز «بيرقدار TB2»، ومئات الرؤوس الحربية، ومحطات للتحكم، إلى جانب خدمات للدعم الفني. وأشار التقرير إلى أن العقد وُقّع في نوفمبر 2023، وأن شحنات من المعدات العسكرية وصلت إلى السودان خلال عام 2024، في مرحلة كانت فيها الحرب تشهد تصعيداً متزايداً، وكان الجيش السوداني يعمل على تعزيز قدراته الجوية والتكنولوجية.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي شهدتها طبيعة الحرب الحديثة. فالمسيّرات لم تعد مجرد وسائل للاستطلاع ومراقبة تحركات الخصم، وإنما أصبحت أدوات قتالية قادرة على تحديد الأهداف وتنفيذ الضربات وملاحقة التحركات العسكرية في مساحات جغرافية واسعة. كما أنها تمنح القوات التي تمتلكها قدرة أكبر على جمع المعلومات الميدانية، وتوجيه العمليات، وتقليل الاعتماد على الطائرات المأهولة الأكثر تكلفة وتعقيداً.
وفي الحالة السودانية، حيث تمتد جبهات القتال على مساحات شاسعة، وتتغير خطوط السيطرة بصورة متكررة، يمكن لهذا النوع من التكنولوجيا أن يحدث فارقاً في إدارة العمليات العسكرية. فامتلاك وسائل استطلاع وضرب أكثر تطوراً قد يساعد على تحسين القدرة على مراقبة التحركات، واستهداف المواقع العسكرية، وتعزيز التنسيق بين الوحدات المقاتلة.
لكن من الضروري التأكيد أن امتلاك المسيّرات لا يعني بالضرورة حسم الحرب، ولا يمكن اعتبارها العامل الوحيد الذي يحدد موازين القوة. فالمشهد السوداني تحكمه عوامل متعددة، من بينها الموارد البشرية، والإمدادات العسكرية، والتحالفات المحلية، والسيطرة على الطرق والمناطق الحيوية، والقدرة على الاحتفاظ بالأرض. ومع ذلك، فإن إدخال تكنولوجيا عسكرية متطورة إلى ساحة النزاع يرفع مستوى المواجهة ويمنح الأطراف إمكانات إضافية لمواصلة القتال.
وتزداد أهمية الملف مع ما أورده تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الصادر في أكتوبر 2026، والذي وضع تركيا ضمن الجهات التي دعمت الجيش السوداني بمعدات عسكرية، وتحدث عن مسيّرات من طرازي «بيرقدار TB2» و«أكنجي»، إضافة إلى رؤوس حربية ومساندة فنية. كما أشار إلى تنامي الاصطفاف الدفاعي التركي مع الجيش خلال المراحل المتأخرة من الحرب.
وبذلك لم يعد النقاش متعلقاً بصفقة منفردة، بل بمسار تعاون عسكري يثير تساؤلات حول حجمه وطبيعته وتوقيته، وحول ما إذا كانت أنقرة تنظر إلى الجيش السوداني باعتباره شريكاً استراتيجياً طويل الأمد، أم أن تعاونها يدخل ضمن حسابات مرحلية مرتبطة بتطورات الصراع.
هل يساعد الدعم التركي على إطالة أمد الحرب؟
من الأخطاء الشائعة في تحليل النزاعات الاعتقاد بأن الدعم الخارجي لا يكون مؤثراً إلا إذا أدى إلى انتصار عسكري مباشر. فالتاريخ الحديث للصراعات يثبت أن الإمدادات العسكرية يمكن أن تؤدي وظيفة مختلفة، تتمثل في منع أحد الأطراف من الانهيار، أو تعويض خسائره، أو تحسين قدرته على الصمود، وبالتالي إطالة المواجهة حتى دون تغيير نتيجتها النهائية.
ومن هذا المنطلق، تبرز الأسئلة المتعلقة بالدعم التركي للجيش السوداني. فإذا كانت المسيّرات والمعدات العسكرية التي تحدثت عنها التحقيقات قد وصلت بالفعل إلى السودان، فإن أثرها المحتمل لا يقتصر على تحسين الإمكانات التقنية، بل قد يمتد إلى حسابات القيادة العسكرية بشأن قدرتها على الاستمرار في الحرب.
فعندما يحصل طرف من أطراف النزاع على وسائل قتالية جديدة، قد يشعر بأنه أصبح أكثر قدرة على مواجهة خصمه، وهو ما يمكن أن يؤثر في تقديراته بشأن التفاوض وتقديم التنازلات. وقد تتحول الإمدادات الخارجية، في بعض الحالات، إلى عامل يعزز الاعتقاد بإمكانية تحقيق مكاسب عسكرية إضافية، بدلاً من البحث عن تسوية سياسية.
لكن ذلك لا يعني أن الدعم التركي هو السبب المباشر في استمرار الحرب، أو أن أنقرة تتحكم في قرارات القيادة العسكرية السودانية. فالنزاع له جذور داخلية عميقة، ترتبط بالصراع على السلطة، وفشل الانتقال السياسي، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، والتنافس على السيطرة على مؤسسات الدولة ومواردها.
كما أن الدعم الخارجي لم يقتصر على طرف واحد، إذ تحدثت تقارير متعددة عن أشكال مختلفة من المساندة العسكرية واللوجستية والسياسية لأطراف الصراع. وهذا التداخل جعل الحرب أكثر تعقيداً، وحولها تدريجياً إلى مواجهة تتجاوز حدودها السودانية.
ومع ذلك، فإن وجود أسباب داخلية للحرب لا يعفي الدول الخارجية من مسؤولياتها. فالدولة التي تقدم أسلحة إلى طرف يخوض نزاعاً مسلحاً واسع النطاق مطالبة بتقييم مخاطر استخدام تلك الأسلحة، وضمان عدم توظيفها في انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، ومراجعة أثر الإمدادات العسكرية على فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: هل تتعامل أنقرة مع السودان باعتباره بلداً يحتاج إلى المساعدة للخروج من الحرب، أم باعتباره ساحة استراتيجية يمكن من خلالها تعزيز النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي؟
البحر الأحمر.. الموقع الذي يجعل السودان هدفاً للتنافس الدولي
لا يمكن فهم الاهتمام التركي بالسودان دون النظر إلى موقعه الجغرافي. فالسودان يمتلك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره حركة تجارية دولية واسعة تربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط.
وتكمن أهمية هذا الموقع في ارتباطه بأمن الملاحة البحرية، والتجارة العالمية، وحركة الطاقة، والتوازنات العسكرية في المنطقة. فالبحر الأحمر لم يعد مجرد ممر للسفن التجارية، وإنما أصبح مجالاً تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية تسعى إلى حماية مصالحها وتوسيع حضورها البحري والأمني.
بالنسبة إلى تركيا، يمثل السودان بوابة مهمة نحو إفريقيا، ومنصة يمكن من خلالها تعزيز علاقاتها مع دول القرن الإفريقي، وتوسيع حضورها الاقتصادي والسياسي في منطقة تتزايد أهميتها الاستراتيجية. كما أن الموقع السوداني يمنح أنقرة فرصة للتفاعل مع التحولات الجارية في البحر الأحمر، في ظل تنافس دولي وإقليمي على النفوذ والموانئ والممرات البحرية.
وقد سبق لتركيا أن أظهرت اهتماماً واضحاً بالسودان قبل اندلاع الحرب، خصوصاً خلال زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الخرطوم في ديسمبر 2017، والتي شكلت محطة بارزة في مسار العلاقات الثنائية. وشهدت الزيارة توقيع اتفاقيات في مجالات متعددة، كما برز مشروع تطوير جزيرة سواكن التاريخية باعتباره أحد أبرز المشاريع التي عكست الطموحات التركية في السودان.
ولم يكن مشروع سواكن مجرد مشروع عمراني أو سياحي، بل أثار اهتماماً واسعاً بسبب موقع الجزيرة الاستراتيجي على البحر الأحمر، وما يمكن أن يمثله تطويرها من حضور اقتصادي وثقافي وسياسي تركي في المنطقة.
ورغم أن المشروع لم يتحول إلى قاعدة عسكرية تركية كما رددت بعض القراءات، فإن الجدل الذي رافقه كشف حجم الحساسية الإقليمية تجاه أي توسع تركي في البحر الأحمر.
ومن هنا، يصبح السودان جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل النفوذ في المنطقة، وليس مجرد شريك تجاري أو دولة تتلقى مساعدات. فأنقرة تدرك أن الحفاظ على علاقات قوية مع المؤسسات التي تدير البلاد قد يمنحها موقعاً متقدماً في أي ترتيبات سياسية واقتصادية مستقبلية.
مصالح اقتصادية تتجاوز حسابات الحرب
إلى جانب الأبعاد العسكرية والاستراتيجية، تحتل المصالح الاقتصادية مكانة مركزية في السياسة التركية تجاه السودان. فالبلاد تمتلك موارد طبيعية مهمة، تشمل الذهب والمعادن والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية، فضلاً عن إمكانات واسعة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل.
وتنظر الشركات التركية إلى السودان باعتباره سوقاً واعدة يمكن أن تتيح فرصاً كبيرة في مجالات البناء والتشييد والصناعات الغذائية والزراعة والتعدين. كما أن موقع البلاد الجغرافي يمنحها أهمية إضافية باعتبارها جسراً بين الأسواق الإفريقية والشرق الأوسط.
وقد استمرت العلاقات التجارية بين البلدين رغم اندلاع الحرب، كما أعلنت مؤسسات تركية عن مشاريع إنسانية وتنموية، وتحدث مسؤولون أتراك عن فرص مستقبلية للتعاون في قطاعات التعدين والزراعة والطاقة وإعادة الإعمار.
وفي مايو 2023، انتقلت السفارة التركية مؤقتاً إلى بورتسودان، حيث واصلت أنقرة الحفاظ على قنواتها الدبلوماسية مع السلطة السودانية. وأصبح وجودها هناك مؤشراً على رغبتها في عدم الانسحاب من المشهد السوداني رغم المخاطر الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.
وهنا تظهر معادلة المصالح المتبادلة. فالسلطة العسكرية السودانية تحتاج إلى علاقات خارجية تمنحها هامشاً سياسياً ودبلوماسياً، وتساعدها على تعزيز موقعها في مواجهة الضغوط الدولية. وفي المقابل، تحتاج تركيا إلى شريك سوداني قادر على تسهيل الاتفاقيات وحماية الاستثمارات وضمان استمرار حضورها في البلاد.
لكن المشكلة أن هذه المعادلة قد تجعل المصالح السياسية والاقتصادية أكثر حضوراً من الاعتبارات الإنسانية. فبينما تناقش الحكومات الصفقات والمشاريع المستقبلية، يعيش ملايين السودانيين أوضاعاً قاسية، ويواجهون النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
ولا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية في بلد لا تزال الحرب تستنزف موارده وتدمر بنيته التحتية. كما أن الاستثمارات التي لا تستند إلى الاستقرار السياسي والمؤسسات المدنية قد تتحول إلى رهانات عالية المخاطر، خصوصاً إذا تغيرت موازين السلطة أو ظهرت ترتيبات سياسية جديدة.
بورتسودان.. مركز العلاقة بين أنقرة والسلطة العسكرية
منذ انتقال مؤسسات الحكومة السودانية إلى بورتسودان، أصبحت المدينة مركزاً رئيسياً للاتصالات الدبلوماسية واللقاءات الرسمية. وقد حافظت تركيا على حضورها هناك، واستمرت في التواصل مع قيادة الجيش، بما في ذلك اللقاء الذي جمع البرهان بالرئيس أردوغان على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في أبريل 2025.
وتعكس هذه الاتصالات استمرار العلاقة السياسية بين الجانبين في وقت الحرب، وليس بعد انتهائها. كما أن حضور مسؤولين أتراك من قطاعات الدفاع والطاقة والخارجية في اللقاءات المرتبطة بالملف السوداني يعكس اتساع الاهتمام التركي بالقضية وتداخل أبعادها الأمنية والاقتصادية والسياسية.
ومن وجهة نظر أنقرة، يمثل الحفاظ على هذه القنوات وسيلة لضمان عدم خسارة موقعها في السودان مهما كانت نتيجة الصراع. فالدول التي تمتلك علاقات قوية مع الأطراف المؤثرة تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها في مرحلة ما بعد الحرب.
أما بالنسبة إلى البرهان، فإن استمرار التواصل مع دولة تمتلك علاقات إقليمية ودولية واسعة يمنح قيادته فرصة لتعزيز حضورها الدبلوماسي، وتقديم نفسها باعتبارها سلطة يمكن التعامل معها في ملفات المستقبل.
لكن استمرار العلاقات الدبلوماسية لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء يمنع طرح الأسئلة الصعبة. فهل تستخدم تركيا نفوذها للضغط من أجل وقف إطلاق النار؟ وهل تربط تعاونها العسكري بضمانات حقيقية لحماية المدنيين؟ وهل تدعم مساراً سياسياً شاملاً يفتح المجال أمام القوى المدنية السودانية للمشاركة في تحديد مستقبل البلاد؟
هذه الأسئلة أهم من الصور الرسمية والبيانات التي تتحدث عن عمق العلاقات التاريخية، لأنها تقيس الدور التركي بنتائجه العملية، لا بحجم التصريحات الدبلوماسية.
المدنيون في مواجهة سباق التسليح
في مقابل الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية، تتواصل الكارثة الإنسانية في السودان. فقد أدت الحرب إلى نزوح ملايين الأشخاص، وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتعطيل المستشفيات والمدارس والأسواق، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.
وأصبح المدنيون يواجهون مخاطر متعددة، لا تقتصر على القصف والاشتباكات، بل تشمل انهيار الخدمات الصحية، ونقص الأدوية، وصعوبة الحصول على مياه الشرب والغذاء، وانقطاع مصادر الدخل، وتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً.
وفي ظل هذه الأوضاع، يصبح تدفق الأسلحة إلى البلاد قضية تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. فكل شحنة جديدة يمكن أن تعزز قدرة أحد الأطراف على مواصلة عملياته، وكل تطور في القدرات الهجومية قد يرفع مستوى المخاطر التي يتعرض لها السكان، خصوصاً في المناطق المكتظة والمنشآت المدنية.
وقد حذرت تقارير أممية من أن الدعم الخارجي والتدفق المستمر للأسلحة والمسيّرات يساهمان في تصعيد الحرب. كما تحدثت بعثة تقصي الحقائق الأممية، في تقرير نشرته في سبتمبر 2026، عن أسباب معقولة للاعتقاد بأن الجيش استخدم مسيّرات أجنبية في عمليات ألحقت أضراراً بالمدنيين والأعيان المدنية، مشيرة إلى أن بعض الهجمات قد ترقى إلى جرائم حرب.
لكن التقرير لا ينسب جميع تلك المسيّرات إلى تركيا، ولا يثبت وحده مسؤولية أنقرة عن هجمات بعينها. وهذا التفريق ضروري لتجنب تحويل المعلومات المتاحة إلى اتهامات غير مثبتة.
ومع ذلك، فإن غياب الدليل على مسؤولية دولة عن هجوم محدد لا يلغي واجبها في التدقيق في استخدام المعدات التي تصدرها أو تقدمها، ولا يعفي السلطات السودانية من مسؤوليتها الأساسية عن حماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
فالمشكلة الحقيقية ليست في التكنولوجيا العسكرية وحدها، وإنما في غياب الضمانات والرقابة والمحاسبة. وعندما تصبح الأولوية لتطوير القدرات القتالية بدلاً من حماية السكان، يتحول المدنيون إلى الحلقة الأضعف في صراع تتزايد فيه حسابات القوة.
هل تستطيع أنقرة التحول من شريك عسكري إلى طرف في صناعة السلام؟
تمتلك تركيا مجموعة من الأدوات التي يمكن أن تمنحها فرصة للقيام بدور إيجابي في إنهاء الحرب السودانية. فهي تحتفظ بقنوات اتصال مع قيادة الجيش، ولديها حضور دبلوماسي واقتصادي وإنساني، كما أنها تستطيع الاستفادة من علاقاتها الإقليمية والدولية لدعم الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى دور حقيقي في صناعة السلام يتطلب مراجعة واضحة لأولويات السياسة التركية تجاه السودان.
فلا يمكن لدولة أن تقدم نفسها بوصفها داعمة للاستقرار والوساطة، بينما تظل الأسئلة المتعلقة بالتعاون العسكري مع أحد أطراف الحرب من دون إجابات واضحة. كما أن الحديث عن إعادة الإعمار لا يكتسب مصداقية كافية إذا لم يترافق مع خطوات عملية لوقف القتال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم عملية سياسية لا يحتكر فيها العسكريون مستقبل البلاد.
إن تركيا مطالبة بإظهار أن مصالحها في السودان لا تتقدم على حق السودانيين في الحياة والأمن والاستقرار. ويمكنها، إذا أرادت، استخدام علاقاتها مع البرهان للدفع باتجاه وقف إطلاق النار، وتشجيع التفاوض، ودعم آليات مراقبة تمنع استغلال المساعدات أو التعاون العسكري في تصعيد الانتهاكات.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن هذا الخيار يخدم المصالح التركية طويلة الأمد أيضاً. فاستمرار الحرب يهدد الاستثمارات والمشاريع التجارية، ويزيد المخاطر على الشركات والمواطنين الأتراك، ويعمق انهيار مؤسسات الدولة، ويفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية.
أما الرهان على علاقة وثيقة مع طرف عسكري واحد، فقد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه قد يتحول إلى عبء سياسي إذا تغيرت موازين السلطة أو ظهرت مؤسسات سياسية جديدة بعد الحرب.
فالسودان الذي يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته لن يكون قادراً على منح شركائه الخارجيين استقراراً اقتصادياً وسياسياً حقيقياً إذا ظلت السلطة موزعة بين القوى المسلحة، وإذا بقيت الدولة رهينة الصراع على النفوذ.
الخلاصة: من يغذي الحرب لا يستطيع الاكتفاء بالحديث عن السلام
لا توجد أدلة تسمح بالقول إن تركيا وحدها أطالت الحرب في السودان، أو إن أنقرة تتحكم في القرارات العسكرية لعبد الفتاح البرهان. لكن التحقيقات الصحفية والتقارير الدولية التي تحدثت عن التعاون العسكري التركي مع الجيش تفرض مساءلة جدية بشأن طبيعة هذا الدعم، وحجمه، وتوقيته، وتأثيره المحتمل في استمرار المواجهات.
فالعلاقة بين أنقرة والسلطة العسكرية لم تعد محصورة في التبادل التجاري والمساعدات الإنسانية، بل باتت تشمل مستويات سياسية وأمنية ودفاعية تزداد أهميتها مع استمرار الحرب. وإذا كان من حق تركيا أن تبحث عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في السودان، فليس من حق أي دولة أن تتجاهل النتائج الإنسانية والسياسية المترتبة على دعم أطراف النزاع.
إن اختبار الدور التركي لا يكون بعدد المسيّرات التي تصل، ولا بحجم الصفقات التي تناقش، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها أنقرة مع السلطة القائمة، وإنما بمدى استعدادها لاستخدام نفوذها من أجل وقف الحرب، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام صناع القرار في أنقرة هو: هل تريد تركيا أن تكون شريكاً في إنقاذ السودان، أم أنها تسعى إلى تثبيت موقعها داخل معادلة إقليمية قد تمنحها مكاسب سياسية واقتصادية، حتى لو استمر النزاع لسنوات إضافية؟
إن السودان لا يحتاج إلى سباق تسلح جديد، ولا إلى تحالفات تجعل مستقبله مرتبطاً بحسابات القوى الخارجية. إنه يحتاج إلى وقف نزيف الدم، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة القرار الوطني، وفتح الطريق أمام نظام سياسي يعبر عن إرادة السودانيين، بعيداً عن احتكار السلطة بقوة السلاح.
فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد شعار دبلوماسي، ولا يمكن أن يتحقق عبر تقوية أدوات الحرب ثم انتظار اللحظة المناسبة للحديث عن المصالحة. كما أن إعادة الإعمار لا تبدأ بتوقيع العقود، وإنما بوقف تدمير البلاد، واستعادة الثقة بين مكوناتها، وإعادة الاعتبار للإنسان السوداني الذي دفع ثمناً باهظاً لصراع لم يكن اختياره.
وفي النهاية، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية للدول التي تتعامل عسكرياً مع أطراف النزاع تفرض عليها أن تراجع حساباتها، وأن تقدم ضمانات واضحة بشأن استخدام الأسلحة، وأن تجعل وقف الحرب أولوية تتقدم على المصالح التجارية والتحالفات المؤقتة.
فالسودان ليس مجرد موقع استراتيجي على البحر الأحمر، وليس سوقاً للصفقات العسكرية أو ساحة لتوسيع النفوذ الإقليمي. إنه وطن يعيش شعبه واحدة من أقسى المآسي الإنسانية، ومن حق هذا الشعب أن يعرف من يدعم استمرار الحرب، ومن يعمل فعلياً على إنهائها.
فالسلام لا يُبنى بتقوية أدوات الحرب، والسيادة لا تُستعاد بتوسيع الاعتماد على الخارج، وإعادة الإعمار لا تبدأ قبل وقف تدمير البلاد.




