تسريبات

حرب السلطة وانهيار الوطن.. السودانيون يدفعون ثمن استمرار الصراع


في السودان، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية تدور بين طرفين متنازعين، بل تحولت إلى أزمة وطنية شاملة تهدد وجود الدولة وتضرب أسس الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بينما يواصل ملايين المواطنين دفع ثمن صراع لم يختاروه. وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد الأصوات المنتقدة لاستمرار الحرب، وتبرز حملة «أختانا يا برهان» باعتبارها إحدى صور الاحتجاج الرقمي التي تعبر عن رفض قطاعات من السودانيين استمرار قيادة عبد الفتاح البرهان، وتحملها مسؤولية سياسية عن الخيارات التي اتخذتها خلال الأزمة.

ومنذ أبريل/نيسان 2023، دخل السودان مرحلة جديدة من الاضطراب، بعدما اندلعت المواجهات المسلحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، لتفتح البلاد على واحدة من أعقد الأزمات في تاريخها الحديث. ومع امتداد القتال، لم تعد آثار الحرب مقتصرة على المواقع العسكرية أو مناطق الاشتباكات، وإنما وصلت إلى البيوت والأسواق والمدارس والمستشفيات ومؤسسات الدولة، وأصبح المواطن السوداني يواجه تحديات يومية تتعلق بالأمن والغذاء والعمل والسكن والحصول على الخدمات الأساسية.

وتتجلى مأساة الحرب في ملايين الأشخاص الذين اضطروا إلى النزوح واللجوء، تاركين خلفهم منازلهم وأعمالهم وذكرياتهم، بحثاً عن مناطق أكثر أمناً. كما تضررت مصادر الدخل، وتعطلت قطاعات اقتصادية واسعة، وواجهت الأسر صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية. وفي ظل هذا الانهيار، أصبحت المطالبة بوقف القتال أكثر من مجرد موقف سياسي، لأنها ترتبط مباشرة بحق المواطنين في الحياة والأمن والكرامة.

وتأتي حملة «أختانا يا برهان» في هذا السياق، حيث يستخدم المشاركون عبارة سودانية شعبية تعني اتركنا وشأننا أو ارحل، لتوجيه رسالة احتجاجية مباشرة إلى قائد الجيش. وتكمن قوة هذه العبارة في أنها لا تحتاج إلى شرح طويل، فهي تختصر حالة من الضيق والغضب تجاه استمرار الأزمة، وتضع البرهان أمام مسؤولية سياسية كما يراها منتقدوه عن المسار الذي وصلت إليه البلاد.

وتكشف المنشورات المصاحبة للهاشتاغ عن أن قضية استمرار الحرب أصبحت في صلب الانتقادات الموجهة إلى القيادة العسكرية. فالمشاركون يرون أن الإصرار على الخيار العسكري لم يحقق حتى الآن نهاية واضحة للصراع، بينما تتزايد الخسائر الإنسانية وتتراجع فرص التعافي الاقتصادي. كما يرفض بعضهم أن تتحول الحرب إلى مبرر دائم لتأجيل الانتقال السياسي، أو إلى وسيلة لإبقاء السلطة خارج إطار التوافق المدني والمؤسسات الدستورية.

ويحمل هذا الخطاب انتقاداً واضحاً لما يعتبره المشاركون تقديم الحسابات السياسية والعسكرية على حساب المصلحة الوطنية. فقد كتب فيصل سعيد على منصة «إكس» أن البرهان والإسلاميين، وفق رأيه، اختاروا إحراق الوطن من أجل البقاء في السلطة، مستخدماً عبارة «أختانا يا برهان» للتعبير عن رفضه استمرار هذا النهج. ويعكس المنشور اتهاماً سياسياً يتكرر في بعض الخطابات المعارضة، ومفاده أن صراع النفوذ أصبح أكثر حضوراً من البحث عن تسوية تنهي معاناة السكان.

ولا يمكن فصل هذه الانتقادات عن الجدل الأوسع بشأن دور القوى السياسية والعسكرية في السودان، خاصة أن البلاد عاشت خلال السنوات الماضية مراحل انتقالية مضطربة لم تنجح في بناء نظام سياسي مستقر. فبعد سقوط نظام عمر البشير، كان السودانيون يأملون في تأسيس مرحلة جديدة تقوم على الحكم المدني وإصلاح المؤسسات وإعادة بناء الاقتصاد، لكن الخلافات السياسية والتوترات بين مراكز القوة حالت دون تحقيق انتقال مستقر، قبل أن تنفجر الحرب وتدفع البلاد إلى أزمة أكثر تعقيداً.

وفي هذا الإطار، تبرز مسألة علاقة الجيش بالسلطة المدنية باعتبارها إحدى القضايا المركزية في مستقبل السودان. فالدولة الحديثة تحتاج إلى مؤسسات عسكرية تؤدي دورها في حماية البلاد، لكنها تحتاج أيضاً إلى نظام سياسي مدني قادر على إدارة الشؤون العامة وممارسة الرقابة على المؤسسات. وعندما تتداخل السلطة العسكرية مع التنافس السياسي، يصبح من الصعب بناء مؤسسات مستقرة تضمن تداول السلطة وتمنع تحول القوة المسلحة إلى أداة لحسم الخلافات السياسية.

ومن هنا، فإن المطالبة باستعادة الحكم المدني التي تظهر في سياق حملة «أختانا» تعكس رغبة لدى بعض المشاركين في إعادة توجيه النقاش نحو مستقبل النظام السياسي. فوقف الحرب، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان استقرار السودان إذا لم تصاحبه عملية سياسية تعالج جذور الأزمة وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر شمولاً وعدالة.

وقد أشار الكاتب والمحلل السياسي إيهاب مادبو إلى تصاعد الحملة المطالبة برحيل البرهان، فيما تحدث أواب عزام البوشي عن انتشار الوسم بوصفه موجة احتجاجية تنتقد مواقف قائد الجيش. وتبرز هذه المواقف أن الحملة لا تنفصل عن حالة الجدل السياسي المتزايد حول مسؤولية القيادة العسكرية عن استمرار الأزمة، وعن ضرورة البحث عن طريق مختلف يخرج البلاد من دائرة المواجهة.

وفي المقابل، فإن حجم الكارثة الإنسانية يفرض ضرورة عدم اختزال الأزمة في تبادل الاتهامات بين الأطراف السياسية والعسكرية. فالسودانيون الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم لا يحتاجون فقط إلى معرفة الطرف الذي يتحمل المسؤولية السياسية، بل يحتاجون إلى خطوات عملية تنهي القتال وتضمن وصول المساعدات الإنسانية وتحمي المدنيين وتعيد الخدمات الأساسية. كما أن تحقيق السلام يتطلب التزام جميع الأطراف بوقف استهداف السكان والمنشآت المدنية، وتسهيل وصول الإغاثة، والقبول بمسار تفاوضي جاد.

وتبرز خطورة استمرار الحرب في أنها تهدد أيضاً النسيج الاجتماعي السوداني. فكلما طال الصراع، زادت مخاطر الانقسام المجتمعي وتفاقمت التوترات بين المكونات المحلية، وتراجعت فرص التعايش وإعادة بناء الثقة. كما أن الأجيال الجديدة تواجه مستقبلاً غامضاً، بعدما تعطلت الدراسة والعمل وتراجعت فرص التنمية، وأصبح عدد كبير من الأطفال والشباب يعيشون في ظروف لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار.

وفي هذا السياق، فإن الانتقادات التي وجهتها سلمى منصور إلى البرهان، والتي اعتبرت فيها أن قيادته ساهمت في تدمير بلد وإفقار مواطنيه، تعكس جانباً من الشعور الشعبي بالخذلان لدى بعض المعارضين. فالسودان الذي كان يمتلك إمكانات زراعية واقتصادية وبشرية كبيرة يجد نفسه أمام أزمة تهدد قدرته على استثمار هذه الإمكانات، بعدما تحولت الموارد والمؤسسات إلى جزء من معادلة الصراع.

لكن الخروج من هذه الأزمة يحتاج إلى رؤية وطنية تتجاوز المطالبة برحيل قائد أو استبدال قيادة بأخرى. فالمطلوب هو اتفاق سياسي يضمن إنهاء الحرب، ويؤسس لانتقال مدني حقيقي، ويضع آليات واضحة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ويعيد بناء المؤسسات التي تضررت خلال سنوات الصراع. كما ينبغي أن يتضمن أي مسار سياسي ضمانات تمنع عودة البلاد إلى دائرة الانقلابات والصراعات المسلحة.

وتكشف حملة «أختانا يا برهان» عن أن المواطنين لا يريدون استمرار الوضع الحالي، وأن المطالبة بالتغيير أصبحت حاضرة في الخطاب الرقمي لدى قطاعات من المعارضين. ومع ذلك، فإن تحويل هذه المطالب إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق يتطلب وجود قوى مدنية منظمة، ورؤية مشتركة بشأن المرحلة الانتقالية، وقدرة على تجاوز الخلافات التي أضعفت التجربة السياسية السودانية في السابق.

وفي نهاية المطاف، فإن أكبر خسارة يتعرض لها السودان ليست فقط الدمار المادي الذي خلفته الحرب، بل أيضاً استنزاف المجتمع وفقدان الثقة وتراجع الأمل في المستقبل. فالأوطان لا تنهار فقط عندما تتوقف مؤسساتها عن العمل، وإنما عندما يشعر مواطنوها بأن حياتهم ومستقبل أبنائهم أصبحا رهينة لصراع لا يملكون قرار إنهائه. ومن هنا، فإن رسالة «أختانا يا برهان» تتجاوز حدود الهاشتاغ لتصبح تعبيراً عن مطلب أوسع: أن يتوقف نزيف السودان، وأن تتحول الأولوية من حماية السلطة إلى حماية الوطن والإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى