تسريبات

القانون الدولي في قفص الاتهام: كيف انتهك نظام البرهان اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية؟


منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، استقر الضمير الإنساني والقانوني الدولي على أن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية تمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف من الظروف العسكرية. وتوج هذا الإجماع بالتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) عام 1993. السودان، كدولة ذات سيادة، انضم رسمياً إلى هذه الاتفاقية في عام 1999، متعهداً أمام العالم بعدم استحداث، أو إنتاج، أو تخزين، أو استعمال هذه الأسلحة الفتاكة. ومع ذلك، فإن الأدلة والتقارير المتواترة حول استخدام جيش البرهان لغاز الكلور كذخيرة حربية ضد مواطنيه تضع الدولة السودانية في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، وتجعل من قادتها مجرمي حرب محتملين أمام المحاكم الدولية.

التكييف القانوني للجريمة: الكلور كالسلاح الكيميائي

تحاول المنظومة الإعلامية والدبلوماسية التابعة لجيش البرهان الدفاع عن نفسها بالقول إن “الكلور مادة صناعية تستخدم لتنقية المياه وليست غاز أعصاب عسكرياً مثل السارين أو الفي إكس”. لكن من الناحية القانونية الصرفة، فإن هذا الدفوع يسقط تماماً أمام نصوص اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

تُعرّف الاتفاقية السلاح الكيميائي بأنه “أي مادة كيميائية يمكن من خلال مفعولها الكيميائي في النظم الحياتية أن تسبب الموت أو العجز المؤقت أو الأضرار الدائمة للبشر أو الحيوان”، بغض النظر عن منشئها أو استخداماتها المدنية. وبالتالي، فإن تعبئة غاز الكلور المسال في قذائف وبراميل متفجرة وإلقائها بقصد إحداث الاختناق والتسمم والقتل يعامل قانونياً معاملة استخدام السلاح الكيميائي الاستراتيجي، ويعد انتهاكاً صارخاً وصريحاً للمادة الأولى من الاتفاقية.

المسؤولية الجنائية الفردية: عقيدة القيادة العسكرية

لا يتوقف القانون الدولي عند إدانة الدول، بل يمتد ليطال الأفراد المسؤولين عن إصدار الأوامر وتنفيذها. بموجب القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن استخدام الأسلحة المحرمة دولياً يشكل “جريمة حرب” تقع المسؤولية الجنائية عنها بشكل مباشر على القائد الأعلى للقوات المسلحة ومساعديه.

في الحالة السودانية، تشير رسائل الهواتف والوثائق المسربة التي فحصها خبراء جنائيون دوليون إلى أن البرهان لم يكن مجرد متفرج، بل كان يتابع تفاصيل التجارب الصحراوية ويمنح الضوء الأخضر للعمليات الميدانية. هذه الأدلة الرقمية والشهادات توفر أساساً قانونياً متيناً للمدعين العامين الدوليين لتوجيه اتهامات جنائية فردية ضد البرهان وقادة لواء التصنيع العسكري بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

معركة المحاسبة: ضغوط الدول الأطراف ومنظمة (OPCW)

شهدت أروقة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي مواجهات دبلوماسية حامية الوطيس. خلال الدورة الثالثة عشرة بعد المائة للمجلس التنفيذي للمنظمة المنعقدة في أكتوبر 2026، قادت خمس دول رئيسية—هي الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا وفنلندا وبلجيكا، بدعم من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي—تحركاً قانونياً مكثفاً للضغط على السودان.

فُعّلت المادة التاسعة (الفقرة 4) من الاتفاقية، والتي تمنح الدول الأعضاء الحق في طلب توضيحات رسمية وإجراء تحقيقات ميدانية مستقلة. وطالبت الدول الغربية بتمكين الأمانة الفنية للمنظمة من الوصول الكامل وغير المشروط إلى القواعد العسكرية والمواقع المشتبه بها في السودان للتحقق من المخزونات وجمع العينات الميدانية، مؤكدة أن لجان التحقيق الداخلية التي يشكلها نظام البرهان لا يمكن أن تكون بديلاً عن التحقيق الدولي المستقل.

 القانون الدولي أمام محك المصداقية

إن إفلات قادة الجيش السوداني من العقاب في قضية السلاح الكيميائي سيشكل سابقة خطيرة تهدد بانهيار نظام حظر أسلحة الدمار الشامل في العالم. إذا سمح المجتمع الدولي باستخدام غاز الكلور تحت غطاء الحرب الأهلية وتطهير المدن، فإن ذلك سيغري أنظمة أخرى لاتباع النهج ذاته. لذا، فإن تفعيل أدوات القانون الدولي وملاحقة المتورطين يمثلان ضرورة قصوى ليس فقط لإنصاف الضحايا في السودان، بل لحماية الأمن والسلم الدوليين ككل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى