انقلاب 25 أكتوبر يعود إلى الواجهة.. اختانا تفتح ملف شرعية البرهان ومستقبل الحكم العسكري في السودان
بعد خمس سنوات من انقلاب 25 أكتوبر 2021، يعود ذلك التاريخ إلى الواجهة السياسية السودانية بصورة مختلفة، ليس باعتباره مجرد ذكرى لحدث أطاح بالحكومة الانتقالية، وإنما بوصفه نقطة مفصلية في مسار دولة تعيش اليوم واحدة من أعقد أزماتها السياسية والعسكرية والإنسانية. ومع تصاعد حملة «اختانا يا برهان»، يتجدد النقاش حول شرعية استمرار القيادة العسكرية في إدارة البلاد، وحول العلاقة بين الانقلاب الذي أنهى الشراكة المدنية العسكرية والحرب التي اندلعت في أبريل 2023، وما تلاهما من انهيار واسع في مؤسسات الدولة.
إن أهمية الحملة لا تكمن فقط في مطالبتها برحيل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بل في أنها أعادت فتح ملف الانتقال الديمقراطي الذي تعطل منذ أكتوبر 2021. فالمشاركون فيها يربطون بين الأزمة الحالية والمسار السياسي الذي سبق الحرب، ويعتبرون أن استمرار الحكم العسكري ساهم في إغلاق الطريق أمام بناء مؤسسات مدنية قادرة على إدارة الخلافات السياسية ومنع تحول التنافس على السلطة إلى مواجهة مسلحة.
ولفهم خلفيات هذا الغضب، لا بد من العودة إلى ثورة ديسمبر 2018، التي شكلت واحدة من أبرز محطات التحول السياسي في السودان. فقد خرج السودانيون إلى الشوارع مطالبين بإنهاء حكم عمر البشير، الذي استمر نحو ثلاثة عقود، وبناء دولة تقوم على الحرية والسلام والعدالة. وبعد سقوط النظام في أبريل 2019، تشكلت ترتيبات انتقالية قائمة على تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين، وسط آمال واسعة بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتهيئة البلاد لحكم ديمقراطي.
لم يكن ذلك الانتقال سهلاً، فقد واجه خلافات عميقة بين مكوناته، وتنافساً على الصلاحيات ومراكز النفوذ، إضافة إلى أزمات اقتصادية وأمنية متراكمة. ومع ذلك، ظل يمثل فرصة سياسية مهمة لتأسيس نظام جديد يستند إلى المشاركة المدنية والمساءلة الدستورية، ويضع القوات المسلحة تحت سلطة مؤسسات الدولة.
لكن هذه التجربة تعرضت لضربة كبيرة في 25 أكتوبر 2021، عندما أعلن البرهان إجراءات عسكرية شملت حل الحكومة ومجلس السيادة، وإعلان حالة الطوارئ، وتعليق أجزاء أساسية من الوثيقة الدستورية، واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من المسؤولين. وقد أدانت الأمم المتحدة تلك الإجراءات، وطالبت بإعادة الحكومة الانتقالية المدنية والإفراج عن المعتقلين واحترام الترتيبات الدستورية.
وكانت الرسالة الدولية في ذلك الوقت واضحة: لا يمكن للسودان أن يستعيد استقراره عبر تقويض المؤسسات الانتقالية، ولا يمكن فرض مستقبل سياسي بالقوة العسكرية. غير أن الانقلاب وضع البلاد أمام مسار جديد، تراجعت فيه الثقة بين المكونات السياسية، واتسعت الفجوة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، وتعقدت محاولات إعادة بناء التوافق الوطني.
وبعد الانقلاب، دخل السودان مرحلة من الاضطراب السياسي والاقتصادي، مع استمرار الاحتجاجات الشعبية وتراجع فرص التوافق حول شكل السلطة المقبلة. ورغم ظهور مبادرات واتفاقات سياسية متعددة، فإن الخلافات حول إصلاح المؤسسة العسكرية ودمج القوات المسلحة والتشكيلات الموازية في جيش مهني موحد ظلت من أبرز الملفات العالقة.
وكان الاتفاق الإطاري الذي وقع في ديسمبر 2022 محاولة لإعادة إطلاق العملية السياسية، بمشاركة أطراف مدنية وعسكرية، إلا أن الخلافات بشأن تفاصيل الإصلاح الأمني والعسكري وسلسلة القيادة والجدول الزمني للدمج ساهمت في تعثر التفاهمات. وبعد أشهر، انفجر الصراع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، لتدخل البلاد مرحلة من الحرب المفتوحة.
ومن هنا يستمد شعار «اختانا» جزءاً كبيراً من قوته السياسية. فالحملة لا تنظر إلى البرهان باعتباره قائداً عسكرياً يواجه تحديات الحرب فقط، بل باعتباره أحد أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالانقلاب وتعطيل الانتقال المدني. ولذلك فإن المطالبة برحيله تعيد طرح سؤال قديم لم يحصل السودانيون على إجابة نهائية بشأنه: من يملك الحق في حكم البلاد، المؤسسة العسكرية أم الشعب عبر مؤسسات مدنية منتخبة؟
إن هذه المسألة ليست مجرد خلاف بين أحزاب وقيادات سياسية، بل تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فالدولة المدنية لا تعني إقصاء الجيش أو إضعاف قدرته على حماية البلاد، وإنما تعني وضع المؤسسة العسكرية داخل إطار دستوري واضح، يمنع تحولها إلى طرف سياسي أو جهة تحتكر القرار الوطني. كما تعني أن تكون إدارة الاقتصاد والسياسة والخدمات العامة من اختصاص مؤسسات مدنية خاضعة للمساءلة والرقابة.
وفي المقابل، يرى المدافعون عن استمرار القيادة العسكرية أن البلاد تواجه تهديدات أمنية خطيرة، وأن المرحلة الراهنة لا تسمح بانتقال سياسي في ظل استمرار الحرب. ويستند هذا الموقف إلى ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع تفككها، خصوصاً مع تعدد القوى المسلحة وتوسع مناطق السيطرة العسكرية. غير أن منتقدي هذا التصور يطرحون سؤالاً مقابلاً: هل يمكن حماية الدولة عبر استمرار الحرب، أم أن حماية الدولة تتطلب وقف الصراع وإعادة بناء مؤسساتها بعيداً عن الهيمنة العسكرية؟
هذه المفارقة أصبحت من أبرز محاور النقاش السوداني. فالخوف من تفكك الدولة لا يمكن تجاهله، لكن استخدامه لتبرير استمرار الوضع السياسي نفسه قد يؤدي إلى إطالة الأزمة. كما أن المطالبة بالحكم المدني لا تعني تجاهل المخاطر الأمنية، بل تستدعي صياغة مشروع واقعي لإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وتوحيد المؤسسات المسلحة، وإنهاء تعدد مراكز القرار.
وتزداد أهمية هذه النقاشات مع اتساع الكارثة الإنسانية. فقد أفادت الأمم المتحدة في أبريل 2026 بأن قرابة 34 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، بينما تشير تقديرات أخرى إلى نزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها. وهذه الأرقام تعني أن الأزمة لم تعد قابلة للحل عبر ترتيبات سياسية شكلية أو وعود بإجراء انتخابات في المستقبل، بل تحتاج إلى عملية إعادة تأسيس شاملة للدولة.
ولا يمكن تجاهل أن ذكرى الانقلاب تزامنت مع تصاعد حملة «اختانا»، وهو ما منحها بعداً تاريخياً إضافياً. فالمشاركون فيها يعيدون ربط ما جرى في 2021 بما حدث في 2023، ويرون أن إغلاق المسار المدني أضعف فرص التوصل إلى توافق مستدام بشأن مستقبل المؤسسة العسكرية. ومع ذلك، فإن إثبات المسؤولية عن اندلاع الحرب يتطلب تحقيقاً مستقلاً وشاملاً في قرارات الأطراف المختلفة، ولا يجوز اختزال الأسباب المعقدة للصراع في طرف واحد دون أدلة.
كما أن مستقبل السودان لا يمكن أن يبنى على إعادة إنتاج الاستقطاب القديم. فالقوى المدنية نفسها مطالبة بمراجعة خلافاتها، وتقديم مشروع سياسي موحد، والاتفاق على مبادئ دستورية تمنع احتكار السلطة وتضمن مشاركة جميع المكونات الوطنية دون منح أي جهة مسلحة حق الوصاية على المجتمع.
ويحتاج أي انتقال جديد إلى ضمانات حقيقية، من بينها استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وإصلاح الأجهزة الأمنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإعادة بناء مؤسسات الخدمة المدنية، ووضع قواعد شفافة لإدارة الموارد والثروات الوطنية. كما يتطلب مشاركة المجتمعات المحلية والنازحين والنساء والشباب، وعدم حصر العملية السياسية في مجموعة محدودة من القيادات الحزبية والعسكرية.
إن الخطر الأكبر الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل تحول الحكم العسكري والأزمات المتعاقبة إلى واقع دائم، يفقد معه المجتمع ثقته في إمكانية التغيير. ولذلك فإن الرسالة التي يحملها شعار «اختانا» تتجاوز المطالبة برحيل البرهان، لتصل إلى ضرورة إنهاء الحلقة التي أعادت البلاد مراراً إلى نقطة الصفر.
وفي النهاية، لا يمكن للسودان أن يخرج من أزمته ما لم يحسم مسألة العلاقة بين الجيش والدولة، وما لم تتحول السلطة من امتياز تحتكره مراكز القوة إلى مسؤولية تخضع لإرادة المواطنين والقانون. فذكرى 25 أكتوبر ليست مجرد صفحة من الماضي، بل تذكير بأن تعطيل الانتقال المدني كان له ثمن سياسي كبير، وأن أي محاولة جديدة لبناء المستقبل يجب أن تبدأ من ضمان عدم تكرار ذلك المسار.




