أسلحة كيميائية أم ملف محجوب عن المفتشين؟.. بورتسودان أمام امتحان الحقيقة في أخطر اتهامات الحرب السودانية
مطالب بكشف المنشآت والذخائر المشتبه بها تضع قيادة الجيش أمام اختبار الشفافية.. والتحقيق المستقل وحده قادر على حسم الاتهامات
يتجه ملف الأسلحة الكيميائية في السودان نحو مرحلة أكثر حساسية، مع تصاعد المطالب الحقوقية بفتح المنشآت المشتبه بها أمام المفتشين الدوليين، وتمكين الخبراء من فحص أي ذخائر أو مرافق قد تكون مرتبطة ببرنامج كيميائي محتمل. ولم يعد النقاش مقتصراً على مدى صحة الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني، بل بات يشمل سؤالاً أكثر مباشرة: هل ستسمح السلطات القائمة في بورتسودان بتحقيق فني مستقل قادر على حسم القضية وفق الأدلة والمعايير الدولية؟
هذا السؤال وضعته توصيات منتدى المنظمات غير الحكومية المنعقد في داكار في صلب النقاش الإفريقي، بعدما دعا المنتدى السودان إلى التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والكشف عن المواقع والمرافق ذات الصلة، وتسهيل وصول الفرق الفنية المختصة. وتكتسب هذه المطالب أهميتها من طبيعة الاتهامات نفسها، إذ يتعلق الأمر بأسلحة محظورة دولياً، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل في الصراع السياسي والعسكري الدائر في البلاد.
ففي القضايا المرتبطة بالأسلحة الكيميائية، لا يكفي تبادل التصريحات لإثبات الوقائع أو نفيها. إذ تتطلب عملية التحقق فحصاً متخصصاً للأدلة المتاحة، وتحديد طبيعة المواد والذخائر، وتحليل المعلومات المتعلقة بالمواقع المشتبه بها، إلى جانب مراجعة السجلات ذات الصلة، وفق الإجراءات الفنية والقانونية المعتمدة. ومن دون هذه العناصر، يبقى المجال مفتوحاً أمام روايات متعارضة يصعب حسمها بصورة موثوقة.
فتح المواقع.. المعيار الفاصل بين الادعاء والتحقيق
طالب منتدى داكار السلطات السودانية بالكشف عن أي مرافق لإنتاج الأسلحة الكيميائية، وتحديد مواقع الذخائر المرتبطة بها، والسماح للجهة الدولية المختصة بالتحقق منها والإشراف على تدميرها إذا ثبت وجودها. وتذهب هذه المطالب إلى ما هو أبعد من الدعوة العامة إلى إجراء تحقيق، إذ تركز على تمكين الخبراء من الوصول إلى الأدلة التي يمكن أن تحدد طبيعة الوقائع ومدى ارتباطها بالاتهامات المطروحة.
ويضع ذلك قيادة الجيش السوداني أمام مسؤولية التعامل مع القضية من منظور مؤسسي، بعيداً عن الاكتفاء بالخطاب السياسي. فالتعاون مع التحقيقات المستقلة يمكن أن يساعد في توضيح الوقائع، وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، كما يمكن أن يتيح معالجة أي مخاوف تتعلق بسلامة المنشآت أو الذخائر، وفقاً لما تسفر عنه النتائج.
وفي المقابل، فإن عدم إتاحة الوصول الفني المستقل قد يطيل أمد الشكوك، ويجعل الملف عرضة لمزيد من التوظيف السياسي. غير أن غياب التعاون، إن ثبت، لا يشكل وحده دليلاً قاطعاً على استخدام الأسلحة الكيميائية، تماماً كما أن النفي الرسمي لا يمثل بديلاً عن التحقيق. والفصل بين هذه المسائل ضروري للحفاظ على مصداقية أي تقييم قانوني أو حقوقي.
اتفاقية دولية ومسؤولية لا تسقط بالخطاب السياسي
تستند المطالب الإفريقية إلى كون السودان دولة طرفاً في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وهي الاتفاقية التي تحظر استحداث هذه الأسلحة وإنتاجها وتخزينها واستخدامها، وتضع إطاراً دولياً للتعاون والتحقق من الالتزامات المرتبطة بها.
وبالتالي، فإن التعامل مع الاتهامات لا يقتصر على الحسابات الداخلية أو العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، بل يرتبط أيضاً بالتزامات السودان الدولية. ومن شأن أي تحقيق موثوق أن يحدد ما إذا كانت الوقائع تستدعي إجراءات إضافية، وأن يوفر أساساً لتقييم مدى الالتزام بأحكام الاتفاقية.
وتزداد حساسية الملف بسبب استمرار الحرب منذ أبريل 2023، وما رافقها من تقارير واتهامات بشأن انتهاكات خطيرة ضد المدنيين. فقد تناولت توصيات المنتدى القصف الجوي والمدفعي والهجمات بالطائرات المسيّرة، إلى جانب القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب والاختفاء القسري والعنف الجنسي والهجمات ذات الدوافع الإثنية.
لكن تعدد الانتهاكات المبلغ عنها لا يعفي من ضرورة إثبات كل اتهام على حدة. فإثبات استخدام سلاح محظور يحتاج إلى أدلة تتناسب مع طبيعة الادعاء، كما أن تحديد المسؤولية القانونية يتطلب فحص الوقائع وسلسلة الأوامر والقرائن المتاحة، بدلاً من افتراض المسؤولية مسبقاً.
منشآت تحت الشبهة في ظل حرب مفتوحة
تأتي المطالب بفتح المواقع المشتبه بها في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن سلامة المدنيين وتراجع القدرة على مراقبة العمليات العسكرية والتحقق من الانتهاكات بصورة مستقلة. ويؤدي استمرار القتال واتساع نطاقه الجغرافي إلى تعقيد عمليات الوصول إلى مواقع الأحداث وجمع الأدلة، ما يجعل التعاون المؤسسي عاملاً أساسياً في أي مسار للتحقيق.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يتحول ملف الأسلحة الكيميائية إلى أداة للمزايدات السياسية أو إلى قضية تُحسم عبر الحملات الإعلامية. فخطورة الاتهام تستوجب حماية الأدلة، وتمكين الخبراء من أداء عملهم، وضمان استقلالية التحقيق، وإتاحة النتائج الموثقة للجهات المعنية وفق الإجراءات القانونية المناسبة.
كما أن الكشف عن الحقيقة لا يخدم طرفاً سياسياً بعينه بالضرورة، بل يمثل ضرورة لحماية المدنيين ومنع تكرار الانتهاكات، وتعزيز الثقة في آليات المساءلة الدولية. وإذا أثبت التحقيق وقوع مخالفات، فإن نتائجه يمكن أن تشكل أساساً لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة؛ وإذا لم تثبت الاتهامات، فإن النتائج الفنية الموثوقة تتيح تصحيح الروايات غير المدعومة بالأدلة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التصريحات
أعادت توصيات داكار القضية إلى واجهة النقاش الحقوقي الإفريقي، لكن الحسم لن يتحقق بمجرد صدور المواقف أو تبادل الاتهامات. فالمرحلة المقبلة تتوقف على الاستجابة العملية للمطالب المتعلقة بالوصول إلى المواقع، والتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتوفير المعلومات اللازمة للتحقق.
وأمام السلطات السودانية فرصة للتعامل مع الملف عبر مسار واضح وشفاف، يضع الأدلة فوق الاعتبارات السياسية. وفي المقابل، تقع على عاتق المؤسسات الدولية والإفريقية مسؤولية ضمان أن يكون التحقيق مستقلاً ومتوازناً، وأن يستند إلى معايير فنية وقانونية موثوقة.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه هذا الملف هو بقاؤه معلقاً بين النفي والاتهام من دون تحقيق قادر على حسمه. فحين يتعلق الأمر بأسلحة محظورة واتهامات تمس حياة المدنيين، لا يكون السؤال من يملك الرواية الأقوى، بل من يقبل إخضاع روايته لاختبار الأدلة.




