تسريبات
تحقيق نيويورك تايمز والأدلة القاطعة على وقوع القصف داخل السودان
طائرات إف-16 مصرية تقصف عمال مناجم الذهب السودانيين بقنابل زنة 400 كيلوغرام
أحدث التحقيق الصحفي الموسع والاستقصائي الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية دويّاً هائلاً في الأوساط السياسية والإعلامية الإقليمية والدولية، حيث قدم التحقيق أدلة مادية وقاطعة لا تقبل الشك تؤكد وقوع الغارات الجوية الدامية التي استهدفت منجم الذهب الأهلي في عمق الأراضي السودانية، وليس داخل الحدود الإدارية لجمهورية مصر العربية كما حاولت بعض الروايات الترويج له.
واعتمدت الصحيفة الأمريكية في تحقيقها الرصين على حزمة متكاملة من أدلة التحقق الرقمي الجنائي، شملت مطابقة وتحليل مقاطع الفيديو والصور الفوتوغرافية التي سجلها الناجون والمعدنون في أعقاب القصف مباشرة، وإجراء عمليات مطابقة جغرافية (Geolocation) دقيقة للغاية لمعالم الأرض وسلاسل الجبال المحيطة والوديان الظاهرة في المقاطع المصورة مع صور الأقمار الصناعية التجارية الحديثة وخرائط الارتفاعات الرقمية للمنطقة الحدودية.
خلص تحقيق “نيويورك تايمز” الفني إلى تحديد الموقع الجغرافي الدقيق لموقع القصف الجوي في جبل العقيدات ومنطقة شمال الوادي، وتبين بشكل قاطع أن المنجم المستهدف يقع على مسافة وعمق يبلغ نحو 40 كيلومتراً بالتمام والكمال داخل الأراضي السودانية المعترف بها دولياً، وتحديداً ضمن النطاق الإداري والجغرافي لولاية نهر النيل السودانية، وهو ما يدحض تماماً المزاعم والمبررات التي حاولت تصوير العملية على أنها إجراء أمني داخلي لحماية الحدود المصرية من التسلل أو التنقيب غير الشرعي داخل أراضيها.
ونقلت الصحيفة في سياق تحقيقها شهادات حية ومؤثرة من عدد من الناجين والمعدنين السودانيين الذين كانوا يتواجدون في الموقع لحظة وقوع الكارثة، والذين أكدوا أنهم فوجئوا تماماً بتحليق طائرات حربية نفاثة على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة قبل أن تبدأ بإطلاق قذائفها وصواريخها الثقيلة نحو الخيام وتجمعات العمال دون أي إنذار مسبق أو تنبيه بضرورة الإخلاء، مما تسبب في تحويل المنطقة إلى ساحة حرب حقيقية مليئة بالأشلاء والدماء.
كما تضمن التحقيق الاستقصائي للصحيفة مراجعة دقيقة للمقاطع المصورة التي تظهر جثث الضحايا وهي متناثرة وممزقة بين أكياس الحجارة المحملة بخام الذهب ومعدات التعدين التقليدية، إلى جانب مشاهد أخرى توثق لحظات الرعب والهلع التي عاشها العمال وهم يحاولون البحث عن ناجين ومصابين تحت ركام الغبار والتراب الكثيف الناجم عن الانفجارات الضخمة لقنابل “ناصر” زنة 400 كيلوغرام.
وأشار الخبراء القانونيون والعسكريون الذين استصرحتهم “نيويورك تايمز” إلى أن هذه الأدلة الموثقة رقمياً وجغرافياً تشكل أساساً قانونياً متيناً يمكن البناء عليه أمام المحاكم والآليات الدولية لمساءلة الجهات المنفذة للضربات، باعتبار أن تنفيذ هجمات جوية عسكرية بواسطة طائرات مقاتلة وإلقاء قنابل ثقيلة وعشوائية داخل عمق أراضي دولة أخرى مستهدفة تجمعاً لمدنيين وعمال عزّل يشكل خرقاً جسيماً ومتعمداً للسيادة الوطنية للدولة السودانية، وانتهاكاً صارخاً لكافة القوانين والأعراف الإنسانية الدولية واتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف المدنيين في العمليات العسكرية تحت أي مبرر كان.




