تسريبات

غارات مصرية منقّبي الذهب في السودان تضع حماية المدنيين أمام اختبار جديد

طائرات إف-16 مصرية تقصف عمال مناجم الذهب السودانيين بقنابل زنة 400 كيلوغرام


 

تطرح الغارات الجوية التي استهدفت منقّبين تقليديين عن الذهب في منطقة حدودية بين السودان ومصر أسئلة قانونية وإنسانية تتجاوز التبريرات الأمنية التي قدمتها القاهرة، خصوصًا مع ورود تقارير عن سقوط عشرات القتلى واحتمال ارتفاع الحصيلة إلى أرقام أكبر. وتفيد المعلومات التي نشرتها شبكة «عاين» السودانية بأن العملية نُفذت باستخدام مقاتلات «إف-16» وقنابل غير موجّهة تزن الواحدة منها نحو 400 كيلوغرام، بينما كان المستهدفون، وفقًا لشهادات نقلها التقرير، يعملون في مواقع للتعدين التقليدي. ولا تسمح المعلومات المتاحة وحدها بإصدار حكم قانوني نهائي بشأن الهجوم، لكنها تفرض ضرورة التحقق من طبيعة الأهداف، والظروف التي نُفذت فيها الضربات، ومدى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال القتالية.

ويكتسب التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية أهمية مركزية في تقييم أي عملية عسكرية. فممارسة نشاط اقتصادي غير رسمي، بما في ذلك التعدين من دون ترخيص، لا تجعل الشخص الذي يمارسه هدفًا عسكريًا مشروعًا بصورة تلقائية. كما أن مخالفة القوانين المتعلقة بالحدود أو استخراج الموارد الطبيعية لا تعني، في حد ذاتها، أن صاحبها يشارك في أعمال قتالية أو يشكل خطرًا عسكريًا يبرر استهدافه بالقوة الجوية. ولذلك، فإن الإعلان عن حملة لمكافحة التعدين غير القانوني لا يجيب وحده عن السؤال الأساسي المتعلق بالأساس الذي استندت إليه القوات المنفذة في تحديد الأشخاص والمواقع التي استهدفتها، ولا يوضح ما إذا كانت هناك معلومات تفيد بوجود أهداف عسكرية محددة في المنطقة.

وتعتمد المسؤولية القانونية عن الهجمات على مجموعة من الوقائع التي ينبغي التحقق منها، من بينها طبيعة النزاع والسياق الذي جرى فيه استخدام القوة، والمعلومات التي كانت متاحة للجهة المنفذة قبل الضربة، والهدف الذي أرادت تحقيقه، والوسائل التي استخدمتها، والاحتياطات التي اتخذتها لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين أو تقليله. وعندما تنطبق قواعد القانون الدولي الإنساني، فإن مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط تفرض قيودًا واضحة على اختيار الأهداف ووسائل الهجوم. ولا يعني ذلك أن كل ضربة تسفر عن سقوط مدنيين تكون غير قانونية بالضرورة، لكنه يعني أن الخسائر البشرية لا يمكن تقييمها بمعزل عن المعلومات المتاحة وقت الهجوم وطبيعة الهدف العسكري المزعوم والإجراءات المتخذة لتقليل الأضرار.

ويثير استخدام القنابل غير الموجّهة، وفقًا لما أورده التقرير، أسئلة إضافية تتعلق بدقة الاستهداف وطبيعة المنطقة المقصوفة. فهذه الذخائر لا تعتمد على نظام توجيه نهائي لتصحيح مسارها نحو الهدف، وهو ما يجعل ظروف استخدامها عاملًا مهمًا في تقييم المخاطر التي قد يتعرض لها الأشخاص والممتلكات المحيطة. ولا يمكن الجزم بأن استخدام هذا النوع من القنابل يشكل انتهاكًا في جميع الظروف، إذ يعتمد التقييم على طبيعة الهدف والبيئة المحيطة وطريقة الاستخدام، لكن وجود تجمعات بشرية أو مواقع عمل مدنية في المنطقة يفرض على الجهة المنفذة تقدير المخاطر بدقة واتخاذ الاحتياطات الممكنة. ومن هنا تبرز أهمية الاطلاع على تفاصيل العملية، بما يشمل عدد الضربات، ومواقع سقوط الذخائر، والهدف الذي حُدد لكل ضربة، وأي معلومات متعلقة بوجود مدنيين بالقرب من المواقع المستهدفة.

وتشير التقارير عن مقتل عشرات المنقّبين إلى أن آثار العملية قد تكون واسعة على مستوى الأسر والمجتمعات المحلية. فالموت في مثل هذه الحوادث لا يقتصر على الضحايا المباشرين، بل يمتد إلى أفراد عائلات يعتمدون على دخلهم، وأشخاص كانوا يعملون معهم، ومجتمعات محلية قد تفقد مصدرًا أساسيًا للمعيشة. وقد أورد التقرير رسالة من شاب قُتل في الحادثة، تحدث فيها عن تسوية ديونه وطلب المسامحة من أسرته، وهي تفاصيل تقدم صورة إنسانية عن أشخاص كانوا يعيشون حياة يومية عادية قبل وقوع الضربات. وتبرز هذه الشهادات ضرورة ألا يُختزل النقاش في الأرقام أو التبريرات العسكرية، بل أن يشمل أيضًا مصير الضحايا وحقوق أسرهم في معرفة الحقيقة والحصول على الإنصاف.

وفي هذا السياق، يصبح التحقيق المستقل أداة أساسية لتحديد المسؤوليات، لا مجرد إجراء إداري يُعلن بعد وقوع الحادثة. ويحتاج التحقيق إلى جمع الشهادات بطريقة تحفظ سلامة أصحابها، وفحص مواقع القصف، وتحليل الصور والمقاطع المصوّرة، والتحقق من أنواع الذخائر المستخدمة، ومراجعة المعلومات المتعلقة بالأهداف التي جرى تحديدها قبل الهجوم. كما ينبغي أن يوضح ما إذا كانت هناك تحذيرات سابقة، وما إذا كان من الممكن استخدام وسائل أقل خطرًا على المدنيين، وما إذا كانت المعلومات المتاحة تسمح بتوقع حجم الأضرار التي يمكن أن تنتج عن القصف. ويجب أن تكون نتائج التحقيق مفصلة بما يكفي لتسمح بتقييمها، مع حماية المعلومات التي قد يؤدي نشرها إلى تعريض الشهود أو مصادر الأدلة للخطر.

وقد أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، وفقًا للتقرير، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الغارات. وتمثل هذه الخطوة بداية محتملة لمسار كشف الملابسات، لكنها لا تشكل دليلًا على أن المسؤوليات قد حُددت بالفعل، كما أن نجاحها سيعتمد على استقلال اللجنة وقدرتها على الوصول إلى المعلومات ذات الصلة. ويزيد من أهمية ذلك أن التقرير أشار إلى حادثة سابقة في يونيو الماضي، قال الجيش المصري إنها أدت إلى مقتل 23 منقّبًا، من دون أن تُنشر نتائج التحقيق الذي أُعلن بعد تلك الحادثة، بحسب التقرير. ويجعل هذا السياق من الضروري أن يكون التحقيق الجديد أكثر وضوحًا في منهجيته ونتائجه، وأن يقدم إجابات عن الأسئلة التي ظلت عالقة منذ الواقعة السابقة.

ولا ينبغي أن يؤدي التركيز على حماية المدنيين إلى تجاهل حق الدول في اتخاذ إجراءات قانونية لحماية حدودها ومكافحة التهريب أو الأنشطة غير المرخصة، لكنه يتطلب التمييز بين إنفاذ القانون وبين استخدام القوة العسكرية المميتة. فهناك وسائل متعددة للتعامل مع الأنشطة غير القانونية، وقد تختلف طبيعتها بحسب المكان والظروف ومدى وجود تهديد وشيك. ويظل السؤال هو ما إذا كانت الوسيلة المستخدمة متناسبة مع الهدف المشروع المعلن، وما إذا كان بالإمكان تحقيق ذلك الهدف بوسائل أقل خطرًا على الأرواح. ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة اعتمادًا على بيان رسمي مقتضب أو شهادات منفردة فقط، بل تتطلب مراجعة متأنية للأدلة من جهات قادرة على العمل باستقلال وشفافية.

وفي المحصلة، تضع الغارات المبلغ عنها حماية المدنيين أمام اختبار يتطلب إجابات عملية لا شعارات عامة. فالتأكيد على مكافحة التعدين غير القانوني لا ينهي النقاش بشأن مسؤولية حماية الأرواح، كما أن التقارير عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى تستدعي التحقق بدلًا من الاكتفاء بتبادل الاتهامات. وإذا أثبت التحقيق وقوع مخالفات، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تشمل تحديد المسؤولين واتخاذ الإجراءات المناسبة، إلى جانب تقديم معلومات موثوقة لأسر الضحايا. أما إذا كشفت النتائج عن وقائع مختلفة، فيجب نشر الأدلة التي تتيح فهم ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الشفافية والتحقيق المستقل الوسيلة الأهم للانتقال من الروايات المتعارضة إلى الوقائع المثبتة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى