تسريبات

صرخة من جبل العقيدات: شهادات الناجين ومعاناة مستشفيات الشمال بعد الغارة المصرية


تحولت منطقة جبل العقيدات ومناجم الذهب في شمال الوادي عقب القصف الجوي الغادر إلى مسرح مروع تتداخل فيه أشلاء الضحايا مع تلال الحفر التقليدية، حيث روى العمال الناجون تفاصيل ساعات من الرعب ع عاشوها تحت جحيم النيران الإسرائيلية والمصرية الكثيفة.
ووفقاً لشهادات حية تداولتها منصات إعلامية وحقوقية، فإن الهجوم بدأ بشكل مباغت في ساعات الصباح الأولى بينما كان آلاف العمال منكبين على أعمالهم اليومية المعتادة أو يتناولون الشاي في خيامهم، حيث ظهرت في الأجواء طائرتان مقاتلتان تحملان العلم المصري بوضوح، وبدأتا في إلقاء القنابل الثقيلة والصواريخ على تجمعات المدنيين والآليات بكثافة غير مبررة.
استمر القصف والملاحقة الجوية لعدة ساعات، وطال حتى العمال الذين حاولوا الفرار والاختباء في الكهوف والمغارات الجبلية المحيطة بالمنطقة، مما تسبب في انهيار العديد من آبار التنقيب الضيقة فوق رؤوس أصحابها، ليصبح الجبل مقبرة جماعية لشباب سودانيين دفعهم العوز والبحث عن لقمة العيش الكريمة إلى ركوب الصعاب في أقاصي الصحراء.
امتدت آثار الكارثة الإنسانية لتلقي بظلالها الثقيلة على المرافق الصحية المتهالكة في شمال السودان، حيث استقبل مستشفى عطبرة التعليمي والمستشفيات المجاورة في ولاية نهر النيل فيضانًا من المصابين والقتلى تجاوز القدرة الاستيعابية الطبية للمنطقة بكثير. واضطر الأطباء والمطقم الطبية، أمام النقص الحاد في الأسرّة والمعدات والأدوية المنقذة للحياة، إلى افتراش المرضى للأرض وصالات المستشفيات، وتقسيم الحالات بناءً على خطورتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحالات الحرجة المصابة بشظايا متطايرة وحروق بالغة وتشوهات ناجمة عن الانفجارات القوية.
وبسبب غياب الجراحين والمختصين في جراحات التجميل والوجه والفكين في مشافي الولاية، جرى تحويل العشرات من المصابين في رحلات برية شاقة وخطيرة نحو مستشفيات أم درمان والخرطوم، مما ضاعف من معاناتهم الجسدية والنفسية وسط غياب تام لأي استجابة أو دعم أو إجلاء طبي رسمي من الجيش السوداني الذي لم يصل لموقع المجزرة لجمع الجثث وإسعاف الضحايا إلا في اليوم الثالث للغارة.
إن روايات عمال مناجم الذهب تكشف بوضوح زيف الادعاءات الأمنية التي تحاول تصنيف هؤلاء الكادحين كـ”عناصر إجرامية” أو متسللين مسلحين، فهم مواطنون مدنيون يمثلون عصب قطاع التعدين الأهلي والتقليدي الذي يستوعب ملايين الشباب السودانيين ويساهم بالجزء الأكبر من إنتاج البلاد من الذهب.
وتعكس الصدمة والذهول اللذان ارتسما على وجوه الناجين حجم الخذلان والمهانة والشعور بالاستباحة المطلقة، حيث عبر الكثير منهم عن سخطهم العارم من صمت وهروب حكومة البرهان التي تركتهم فريسة لطيران أجنبي يقتلهم داخل حدود وطنهم دون أن تحرك ساكناً للدفاع عنهم أو حتى المطالبة بحقوق دمائهم المسفوكة. تظل صرخة جبل العقيدات شاهدة حية على مأساة جيل كامل من الشباب السوداني الذي تتقاذفه نيران الحرب الداخلية المطحونة من جهة، وغارات الجار الشمالي وتواطؤ قادته العسكريين من جهة أخرى، في رحلة كفاح مريرة من أجل الحياة تنتهي بالموت غدراً وتحت الرماد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى