أين الكيزان؟.. السؤال الذي عاد إلى واجهة المشهد السوداني
عندما يُطرح سؤال «أين الكيزان؟» في السودان، فإنه لا يحمل معنى واحداً.بالنسبة إلى البعض، هو سؤال سياسي عن مستقبل الحركة الإسلامية بعد سقوط نظام عمر البشير.وبالنسبة إلى آخرين، هو سؤال أمني عن الشبكات التي كانت مرتبطة بالنظام السابق.


أما بالنسبة إلى فريق ثالث، فهو سؤال عن رجال الأعمال والموظفين والخبراء الذين ظلوا يتحركون داخل الدولة والاقتصاد حتى بعد سقوط النظام.ولهذا، فإن الإجابة ليست سهلة.
الإسلاميون لم يكونوا فقط وزراء وولاة ومسؤولين سياسيين. كانت هناك طبقات مختلفة من الأشخاص الذين عملوا في المؤسسات الحكومية والأمنية والاقتصادية والتقنية.وبعد سقوط النظام، لم يكن من الواقعي أن تختفي كل هذه الشخصيات في يوم واحد.
بعضهم غادر البلاد.بعضهم اعتزل العمل العام.بعضهم واصل نشاطه الاقتصادي.بعضهم دخل في صراعات سياسية.وبعضهم، وفق اتهامات متداولة، حاول إعادة بناء نفوذه من خلال مؤسسات جديدة.وهنا يأتي اسم كاظم زين العابدين السراج في المادة التي قدمتها.
فالكاتب الأصلي للمادة يحاول تقديم الرجل باعتباره نموذجاً لما يسميه «الكوادر التي بقيت داخل المشهد». ويستند في ذلك إلى خلفيته في الاتصالات، وإلى علاقات يُقال إنها ربطته بأجهزة أمنية ومؤسسات عسكرية، وإلى نشاطات اقتصادية وتقنية مختلفة.
لكن المشكلة أن مثل هذه الروايات تحتاج إلى تمييز واضح بين المعلومات المثبتة والاتهامات.فإذا كانت الوثائق تثبت أن شخصاً كان موظفاً في جهاز أمني، فهذا أمر يمكن نشره.
وإذا ثبت أنه امتلك شركة معينة، فهذه معلومة قابلة للتحقق.أما القول إنه «تكفيري» أو «إرهابي» أو «يدير أموالاً» لمسؤولين في الخارج، فهو اتهام يحتاج إلى دليل مستقل، وليس مجرد وصف في منشور.
وهذه النقطة ضرورية، خصوصاً في بلد يعيش حرباً وانقساماً سياسياً حاداً.فالحرب لا تحتاج إلى معلومات ناقصة.بل تحتاج إلى صحافة أكثر دقة.ومع ذلك، فإن القضية السياسية التي تقف خلف المادة لا تختفي.
فالسؤال عن استمرار شبكات النظام السابق مشروع.والدليل على ذلك أن الفترة الانتقالية نفسها شهدت إنشاء مؤسسات لمحاربة الفساد وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو.

. 
وقد وصلت بعض إجراءات لجنة إزالة التمكين إلى شركات ومشاريع وأصول مرتبطة بشخصيات محسوبة على النظام السابق.المشكلة أن الانقلاب على المسار الانتقالي، ثم اندلاع الحرب، جعلا عملية التفكيك أكثر تعقيداً.وفي ظل الحرب، أصبحت الأولوية العسكرية والأمنية تتقدم على كثير من الملفات المدنية.
وهنا يمكن أن تعود شبكات قديمة إلى الظهور.لكن هل كل ظهور لشخصية من عهد البشير يعني عودة النظام السابق؟ليس بالضرورة.
الدولة تحتاج إلى المهندسين والأطباء والمصرفيين والخبراء والتقنيين، وكثير منهم عملوا في عهد النظام السابق بحكم وجودهم المهني.المعيار ليس: هل عملت في عهد البشير؟
بل: ماذا فعلت؟
هل استغلت موقعها؟هل كانت جزءاً من جهاز قمعي؟هل شاركت في فساد؟هل حصلت على عقود بسبب قربها السياسي؟هل واصلت إدارة شبكات نفوذ بعد سقوط النظام؟هذه هي الأسئلة التي ينبغي طرحها.
وفي المقابل، إذا كان هناك أشخاص يمتلكون خبرة تقنية كبيرة، فمن الطبيعي أن تستعين بهم مؤسسات الدولة حتى في مراحل التغيير.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن تفكيك الدولة بمجرد تغيير الأشخاص.لكن هناك فارقاً بين الاستفادة من الخبرة وبين إعادة إنتاج النفوذ.





الأولى ضرورة.والثانية خطر.من هنا، يصبح ظهور أسماء جديدة في ملفات الاتصالات والتكنولوجيا والقطاع المالي محل اهتمام.
فقد أظهرت قضية «العسجد» أن قطاع التكنولوجيا المالية أصبح جزءاً من الصراع حول مستقبل الدولة السودانية. الشركة ظهرت في يوليو 2026 في مناسبة رسمية لتدشين رخصة محول المعاملات المصرفية، ثم أصبح الترخيص نفسه موضوعاً للجدل والتقارير حول إلغائه.
الشركة، من جانبها، نفت أن يكون الترخيص امتيازاً حصرياً، وقالت إنه ترخيص تنظيمي يخضع لاشتراطات فنية ومالية وأمنية ورقابية.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تذكرنا بأن الصحافة لا ينبغي أن تكتفي بسؤال «من يقف خلف الشركة؟».بل يجب أن تسأل:كيف حصلت على الترخيص؟
من كان منافسها؟ما الشروط؟من راجع الملف؟من وقّع؟ما الذي تغير خلال أيام؟
ولماذا؟إذا كانت الإجراءات سليمة، ينبغي أن تكون الوثائق قادرة على إثبات ذلك.وإذا كانت هناك مخالفات، فإن الوثائق أيضاً قادرة على كشفها.
هكذا فقط يصبح سؤال «أين الكيزان؟» سؤالاً سياسياً قابلاً للتحقيق، وليس مجرد شعار.فقد يكون بعضهم في الخارج.
وقد يكون بعضهم في الأعمال.وقد يكون بعضهم داخل المؤسسات.وقد يكون بعضهم قد خرج نهائياً من المشهد.وقد يكون آخرون يحاولون استعادة نفوذهم.لكن لا يمكن معرفة ذلك بالصور وحدها.
الصورة تصلح لفتح التحقيق.ولا تصلح لإغلاقه.ولهذا، فإن ما يحتاجه السودان اليوم ليس قائمة اتهامات جديدة، بل خريطة نفوذ.
خريطة تكشف الشركات.والملكية.والعقود.والتمويل.والعلاقات.والتعيينات.والامتيازات.والحركة بين المؤسسة العسكرية والقطاع الخاص.حينها يمكن الإجابة عن السؤال القديم بطريقة جديدة:أين هم؟ومن يعمل باسمهم؟ومن قطع علاقته بهم؟ومن أعاد بناء شبكتهم؟ومن يستخدم الدولة لمصلحته؟وعندها فقط يصبح السؤال السياسي سؤالاً صحفياً قابلاً للإجابة.




