من «الجهاد الإلكتروني» إلى الاقتصاد الرقمي.. هل تغيّرت الأدوات أم تغيرت الأسماء؟
أحد أكثر الأسئلة إثارة في السودان اليوم يتعلق بمصير الأدوات التي استخدمها النظام السابق للسيطرة على المجال العام.فإذا كانت الأنظمة القديمة تعتمد على الأمن التقليدي، والاعتقال، والرقابة، والإعلام الرسمي، فإن عصر الإنترنت أضاف أدوات جديدة: الحسابات الإلكترونية، جمع البيانات، مراقبة الاتصالات، الحملات الرقمية، والتأثير على الرأي العام.
ولهذا فإن الحديث عن ما تسميه المادة المقدمة «وحدات الجهاد الإلكتروني» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره ملفاً تاريخياً فقط.إنه سؤال عن حاضر السودان ومستقبله.
وتقول المادة إن كاظم زين العابدين السراج شارك في تأسيس أو إدارة نشاط إلكتروني مرتبط بجهاز الأمن في عهد النظام السابق، وأنه استقطب خريجين وضباطاً من التخصصات التقنية.هذه اتهامات خطيرة، وتحتاج إلى وثائق مستقلة للتحقق منها.لكن حتى من دون إصدار حكم على الشخص، يمكن النظر إلى الفكرة نفسها.كيف استخدمت الأنظمة السياسية التكنولوجيا؟
لقد أصبح الفضاء الإلكتروني خلال العقد الأخير ساحة سياسية حقيقية.الحرب يمكن أن تخاض عبر البيانات.والدعاية يمكن أن تنتشر خلال دقائق.والشائعة يمكن أن تصل إلى ملايين الأشخاص.والحسابات الوهمية يمكن أن تؤثر في النقاش العام.وهذا يجعل امتلاك الخبرة الرقمية جزءاً من القوة السياسية.
وفي السودان، حيث انقسم المجتمع بين قوى سياسية وعسكرية ومدنية ومسلحة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من المعركة.لكن السؤال الأهم هو: هل توجد شبكات قديمة انتقلت من العمل الأمني التقليدي إلى المجال الرقمي؟لا يمكن الإجابة من خلال الاتهامات وحدها.لكن يمكن البحث عن المؤشرات.أسماء الشركات.الموظفون.المشاريع.العقود.الحسابات.البنية التقنية.مصادر التمويل.
العلاقات الحكومية.ومن هنا تظهر أهمية انتقال بعض الشخصيات من الأمن إلى التكنولوجيا.فالخبير التقني يستطيع العمل في أكثر من بيئة.وقد يعمل في شركة اتصالات.وقد يقدم خدمات للحكومة.قد يعمل مع مؤسسة مالية.
وقد يعمل مع الجيش.وقد يؤسس شركة خاصة.وهذا أمر طبيعي إذا كانت العلاقات معلنة والقواعد واضحة.لكن يصبح الأمر مختلفاً إذا كان الشخص يستفيد من موقع سابق للحصول على امتيازات لا يحصل عليها المنافسون.ولهذا فإن القضية ليست «التكنولوجيا».
القضية هي النفوذ.كيف يتحول النفوذ السياسي إلى رأس مال اقتصادي؟وكيف يتحول رأس المال الاقتصادي إلى نفوذ سياسي؟وكيف تتحول المعرفة التقنية إلى قوة أمنية؟هذه الدائرة هي التي تستحق الدراسة.والسودان ليس حالة منفردة في هذا المجال.ففي دول كثيرة، نشأت علاقات وثيقة بين أجهزة الأمن وشركات التكنولوجيا.
لكن الدول الديمقراطية التي نجحت في إدارة هذه المسألة وضعت قواعد للفصل بين السلطة والقطاع الخاص.السجلات التجارية مفتوحة.العقود الحكومية تخضع للرقابة.
البرلمان يستطيع التحقيق.والقضاء يستطيع مراجعة القرارات.أما عندما تكون المؤسسات ضعيفة، فإن العلاقات الشخصية تصبح أقوى من القواعد.وهنا تبدأ المشكلة.
وفي حالة السودان، الحرب زادت ضعف المؤسسات.فقد أصبحت الحاجة إلى التكنولوجيا أكبر، بينما تراجعت قدرة الدولة على الرقابة.وهذا يفتح المجال أمام شبكات جديدة وقديمة.لذلك فإن أي تحقيق في تاريخ الشخصيات المرتبطة بالاتصالات والأمن يجب ألا يكتفي بالماضي.يجب أن يسأل عن الحاضر.
من يعمل الآن؟ما الشركات التي يديرها؟من هم شركاؤه؟ما المشاريع التي يحصل عليها؟هل توجد علاقات مع الجيش؟هل توجد علاقات مع الأجهزة الأمنية؟هل توجد أعمال في قطاع المدفوعات؟هل توجد أنشطة خارج السودان؟وهنا تأتي قضية العسجد باعتبارها مثالاً على حساسية الاقتصاد الرقمي.
فالشركة ظهرت في مشروع محول المعاملات المصرفية، وهو مجال حساس للغاية، ثم أصبحت الرخصة نفسها موضع جدل وإلغاء وفق تقارير منشورة.
وبغض النظر عن الجدل حول الشركة، فإن الحدث يوضح شيئاً مهماً: الاقتصاد الرقمي أصبح جزءاً من الأمن الوطني.
من يملك محول المدفوعاتمن يحمي البيانات؟من يدير البنية؟من يستطيع الوصول إلى الأنظمة؟من يراقبها؟
هذه أسئلة أمن قومي بقدر ما هي أسئلة اقتصادية.ولهذا فإن السودان بحاجة إلى قانون واضح لحماية البيانات.وبحاجة إلى معايير شفافة للترخيص.وبحاجة إلى رقابة مستقلة.وبحاجة إلى منع تضارب المصالح.وبحاجة إلى معرفة المستفيد الحقيقي من الشركات التي تدخل القطاعات الاستراتيجية.أما وصف الأشخاص بأنهم «تكفيريون» أو «جهاديون» أو «إرهابيون»، فيجب أن يخضع للمعايير القانونية والأدلة، لا للاتهامات السياسية.
لأن الخطأ في هذا المجال خطير في الاتجاهين.اتهام بريء بجريمة خطيرة ظلم.والتغاضي عن شخص ثبت تورطه جريمة أكبر.ولهذا، فإن السؤال الصحيح ليس: هل نصدق المادة أم نرفضها؟بل: ما الذي يمكن إثباته منها؟هذه هي وظيفة الصحافة.أن تأخذ الادعاء وتحوله إلى سؤال.ثم تحول السؤال إلى وثيقة.ثم تحول الوثيقة إلى تحقيق.ثم تترك الحكم للقانون.




