تسريبات

كاظم السراج والعطا.. لماذا تثير صورة واحدة كل هذا الجدل؟


أحياناً لا تحتاج الصورة إلى أكثر من ثوانٍ حتى تفتح ملفاً سياسياً عمره سنوات.هذا ما حدث مع الصورة التي أثارت نقاشاً حول ظهور كاظم زين العابدين السراج إلى جانب الفريق ياسر العطا خلال زيارة في تركيا، وفق المادة المتداولة.

الصورة في حد ذاتها لا تقول الكثير.رجل يقف بجوار رجل آخر.لكن في السودان، حيث تتداخل السياسة والأمن والعسكر والاقتصاد بصورة شديدة التعقيد، يصبح السؤال الطبيعي: من هو هذا الرجل؟ ولماذا كان هناك؟ وما طبيعة علاقته بمن يظهر معه؟

هذه الأسئلة مشروعة.لكن الإجابة عنها تحتاج إلى أكثر من التخمين.المادة التي بين أيدينا تقدم السراج باعتباره شخصية ذات خلفية تقنية وأمنية، وتربط مسيرته بجهاز الأمن والاتصالات ومشروعات تجارية وتقنية.

لكن من المهم التعامل مع هذه المعلومات على مستويين.

المستوى الأول: المعلومات التي يمكن التحقق منها، مثل الدراسة والعمل والملكية التجارية والمشاركة في الشركات.

والمستوى الثاني: الاتهامات السياسية والأمنية، وهي تحتاج إلى وثائق مستقلة.

الفارق بين الاثنين مهم جداً.فمثلاً، إذا ثبت أن شخصاً أسس شركة اتصالات، فهذا خبر.إذا ثبت أنه حصل على عقد حكومي، فهذا خبر.إذا ثبت أن العقد مُنح بطريقة مخالفة للقانون، فهذا اتهام يمكن التحقيق فيه.

لكن القول إنه يدير أموالاً لمسؤولين أو يعمل في تنظيم سري يحتاج إلى أدلة أقوى.ولذلك فإن أفضل طريقة لقراءة صورة العطا والسراج ليست أن نسأل فوراً: «ماذا تثبت الصورة؟».

بل أن نسأل: ماذا يجب أن نتحقق منه بسبب الصورة؟

أول سؤال: أين التُقطت؟

ثاني سؤال: متى؟

ثالث سؤال: ما المناسبة؟

رابع سؤال: ما صفة الشخص الذي ظهر إلى جانب العطا؟

خامس سؤال: هل كان ضمن الوفد الرسمي؟

سادس سؤال: هل كان يعمل في مهمة تقنية؟

سابع سؤال: هل توجد علاقة تجارية أو عسكرية بينه وبين المؤسسة التي ظهر أمامها؟

ثامن سؤال: هل توجد شركات مرتبطة به تعمل مع القوات المسلحة؟

هذه الأسئلة كافية لبدء تحقيق كامل.لكن المادة تذهب أبعد من ذلك، حين تربط السراج بجهاز الأمن السابق وبمشروعات اتصالات.وهنا يظهر موضوع مهم: القطاع التقني كمنطقة التقاء بين الأمن والاقتصاد.

الاتصالات ليست قطاعاً عادياً.فمن يملك بنية الاتصالات أو يستطيع إدارتها يمتلك قدرة على الوصول إلى معلومات واتصالات وبيانات استراتيجية.

وفي الدول التي عاشت فترات طويلة من الحكم الأمني، يمكن أن تنشأ علاقات خاصة بين الأجهزة الأمنية وبعض الشركات التقنية.لكن إثبات هذه العلاقة يحتاج إلى أدلة.

ولهذا، فإن أي تحقيق جاد يجب أن يبحث في السجل التجاري للشركات، وملكية الأسهم، وأسماء أعضاء مجالس الإدارة، ومصادر التمويل، والعقود الحكومية، والتحويلات المالية.

هذه الوثائق أهم بكثير من عشرات المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما وصف الشخص بأنه «إسلامي» أو «جهادي»، فيجب أيضاً التفريق فيه بين النشاط السياسي والانتماء التنظيمي وبين الجريمة.

الانتماء السياسي، في حد ذاته، ليس جريمة.أما المشاركة في تنظيم مسلح أو ممارسة العنف أو التحريض عليه، فهي مسألة مختلفة تماماً، ويجب أن تثبت بالأدلة.وفي حالة السراج، فإن المادة المقدمة تنسب إليه أدواراً عديدة خلال سنوات النظام السابق، من بينها المشاركة في مشروعات مرتبطة بالأمن الإلكتروني والاتصالات.إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فهي تستحق تحقيقاً.

وإذا كانت غير صحيحة، فإن الشخص المعني يملك حق الرد والتوضيح.وهنا تكمن أهمية الصحافة المهنية.فالصحافة ليست محكمة.ولا يجوز لها أن تصدر حكماً نهائياً بناء على صورة.لكن الصحافة أيضاً ليست مطالبة بالصمت أمام الأسئلة المشروعة.بل وظيفتها أن تطرح الأسئلة.

ومن أبرز الأسئلة التي تستحق التحقيق أيضاً علاقات رجال التكنولوجيا بالمؤسسات العسكرية خارج السودان.فالمادة تشير إلى نشاطات في تركيا وماليزيا ومناطق أخرى.

مرة أخرى، هذه معلومات تحتاج إلى توثيق.لكنها تطرح قضية أوسع: كيف تتحرك شبكات الأعمال المرتبطة بمؤسسات الدولة السودانية خارج البلاد؟

هل توجد شركات؟هل توجد حسابات؟هل توجد عقود؟هل توجد استثمارات؟هل توجد صفقات؟ومن يديرها؟هذه الأسئلة أكثر أهمية من سؤال الصورة.فالصورة قد تختفي من وسائل التواصل بعد أيام.أما شبكة المصالح، إن وجدت، فقد تبقى سنوات.ومن هنا يمكن فهم سبب الحساسية التي أثارتها الصورة.

فهي لم تُنتج الشك من الصفر.بل لامست سؤالاً قائماً أصلاً حول مصير شبكات النظام السابق.لكن الطريق إلى الحقيقة لا يمر عبر التخوين.يمر عبر الوثائق.فإذا كانت علاقة السراج بالعطا مهنية، فليكن ذلك واضحاً.وإذا كانت سياسية، فليكن ذلك معروفاً.وإذا كانت اقتصادية، فالعقود قادرة على كشفها.وإذا كانت أمنية، فإن الوثائق الرسمية والتحقيقات المستقلة قادرة على إثباتها.وفي كل الأحوال، يبقى الدرس الأهم: الصورة ليست دليلاً كاملاً، لكنها قد تكون خيطاً مهماً في تحقيق أكبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى