تسريبات

«العسجد».. من رخصة مصرفية في بورتسودان إلى أسئلة الحوكمة والشفافية


لم تكن قصة شركة «العسجد للحلول الرقمية والذكية» مجرد خبر اقتصادي عابر.في يوليو 2026، ظهرت الشركة في بورتسودان خلال فعالية رسمية لتدشين رخصة محول المعاملات المصرفية الصادرة عن بنك السودان المركزي، بحضور مسؤولين وممثلين عن المصارف.وبعد أيام قليلة، تحول الحدث إلى موضوع واسع للجدل، مع تقارير تحدثت عن إلغاء الرخصة. شبكة عاين وصفت التطور بأنه تراجع عن الترخيص بعد ثلاثة أيام من الاحتفال به، وربطت أهمية الملف بحساسية محول المعاملات بالنسبة للبنية التحتية المالية.

هنا تبدأ القصة الحقيقية.ليس السؤال فقط: لماذا أُلغيت الرخصة؟بل: كيف مُنحت أصلاً؟

محول المعاملات المصرفية ليس تطبيقاً عادياً.إنه جزء من البنية التي تربط المؤسسات المالية وتسمح بمرور المعاملات بين الأنظمة المصرفية وشركات الدفع والمحافظ الإلكترونية.

ولهذا فإن أي جهة تحصل على حق تشغيل مثل هذه البنية يجب أن تكون خاضعة لأعلى معايير الأمن والحوكمة.شركة العسجد، من جانبها، قدمت تفسيراً واضحاً لطبيعة الترخيص. وقالت إن المحول المالي يمثل بنية تحتية وطنية لأنظمة المدفوعات، وإن الرخصة ليست امتيازاً حصرياً، بل ترخيص تنظيمي يمنحه البنك المركزي للشركات التي تستوفي الشروط الفنية والمالية والأمنية والرقابية.هذا الرد مهم لأنه يقدم رواية الشركة نفسها.لكن الرد لا ينهي الأسئلة.

بل ربما يبدأ منها.إذا كانت الشركة استوفت الشروط، فما هي هذه الشروط؟ومن قام بالمراجعة؟ومتى بدأت الشركة إجراءات الترخيص؟وما الخبرة السابقة التي امتلكتها؟وما هي البنية التقنية التي قدمتها؟ومن هو الشريك التقني؟

وما حجم رأس المال؟ومن هم المساهمون؟هذه ليست أسئلة عدائية.بل هي أسئلة طبيعية عندما يتعلق الأمر ببنية تحتية مالية وطنية.

وتزداد أهمية الأسئلة عندما يأتي الترخيص وسط ظروف استثنائية يعيشها السودان.الحرب دمرت أو عطلت جزءاً كبيراً من البنية المصرفية.وانتقلت مؤسسات مالية إلى بورتسودان.وأصبحت الخدمات الرقمية أكثر أهمية من أي وقت مضى.في مثل هذا الوضع، تصبح أنظمة الدفع الإلكترونية شرياناً للاقتصاد.

ولهذا فإن أي خطأ في اختيار مشغل البنية المالية يمكن أن تكون له آثار كبيرة.لكن من المهم أيضاً ألا تتحول المخاوف إلى اتهامات بلا دليل.فحداثة الشركة، مثلاً، لا تعني بالضرورة أنها غير مؤهلة.وقد تكون الشركة الحديثة قادرة على تنفيذ مشاريع ضخمة إذا كانت تمتلك الخبرات والشركاء والتمويل.كما أن وجود مسؤولين في حفل التدشين لا يثبت وجود محاباة.لكن هذه الوقائع تستحق التوثيق.

ومن هنا، فإن الحل هو الشفافية.لو نشرت الجهات المختصة معايير الترخيص، وأسماء الشركات التي تقدمت، وأسباب الاختيار، وتفاصيل التقييم الفني والمالي، فسوف ينتهي جزء كبير من الجدل.أما إذا بقيت المعلومات غامضة، فإن الشائعات ستملأ الفراغ.وهذا ما حدث بالفعل.فقد ظهرت تقارير مختلفة حول الشركة وملكيتها وصلاتها.

بل إن إحدى الصحف تحدثت عن معلومات غير مؤكدة حول شركة أخرى مرتبطة باسم كاظم زين العابدين، مع التأكيد على عدم وجود تأكيد رسمي للمعلومة.

وهنا يجب أن نتوقف.ربط شركة العسجد باسم كاظم السراج، كما تفعل المادة المقدمة، هو ادعاء يحتاج إلى إثبات.ولا ينبغي للصحافة أن تحوله إلى حقيقة لمجرد تكراره.المطلوب هو السجل التجاري.المساهمون.مجلس الإدارة.

المستفيد النهائي.العقود.الشركاء التقنيون.التمويل.الترخيص.والقرارات الرسمية.هذه هي الأدوات التي تكشف الحقيقة.أما السؤال الأكبر فهو: لماذا أصبح السودان أمام نموذج يسمح لشركات خاصة بالدخول إلى بنية مالية شديدة الحساسية؟

من حيث المبدأ، يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دوراً كبيراً في التكنولوجيا المالية، كما أوضحت الشركة نفسها في ردها على الانتقادات.لكن مشاركة القطاع الخاص تحتاج إلى رقابة قوية.فالبنك المركزي يجب أن يبقى صاحب السلطة التنظيمية.ويجب أن تكون البيانات محمية.

ويجب أن تكون الأنظمة قابلة للتدقيق.ويجب أن تكون هناك خطط لاستمرارية الأعمال.ويجب أن تكون الدولة قادرة على التدخل إذا فشل المشغل.وفي السودان، تزداد هذه المسألة حساسية بسبب الحرب.لذلك فإن قضية العسجد لا ينبغي أن تُختزل في «شركة مشبوهة» أو «شركة مظلومة».

بل يجب أن تتحول إلى اختبار للحوكمة.هل تستطيع الدولة أن تمنح ترخيصاً حساساً بصورة شفافة؟هل تستطيع أن تشرح للرأي العام لماذا منحته؟وإذا سحبته، هل تستطيع أن تشرح لماذا؟

وهل يمكن للمواطن أن يثق في النظام المالي إذا كانت القرارات المصيرية تظهر وتختفي دون تفسير كافٍ؟

هذه الأسئلة أهم من اسم الشركة.وأهم من أسماء الأشخاص.وأهم من المعارك السياسية.لأن السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء البنوك.إنه يحتاج إلى إعادة بناء الثقة.والثقة لا تبنى بالبيانات الرسمية وحدها.تبنى بالمعلومات.وبالشفافية.وبالقواعد الواضحة.وبالمحاسبة.وبحق الجمهور في معرفة من يدير بنيته المالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى