العقوبات الدولية تحاصر قادة السودان.. البرهان وحميدتي والبراء بن مالك في مرمى الضغوط الغربية
من واشنطن إلى كانبيرا.. جبهة العقوبات تتسع ضد أطراف الحرب السودانية
تدخل العقوبات الدولية المفروضة على أطراف الحرب السودانية مرحلة جديدة من التصعيد، مع انتقال الضغوط الغربية من استهداف الشركات وشبكات التمويل والإمداد العسكري إلى إدراج القيادات العليا في طرفي الصراع، بما في ذلك قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إلى جانب شخصيات عسكرية وكيانات مسلحة متحالفة معهما. ويعكس هذا التوسع تحولاً في طبيعة التعامل الدولي مع الأزمة السودانية، إذ لم تعد الإجراءات تستهدف فقط الجهات التي يشتبه في مساهمتها في تمويل الحرب أو توفير الأسلحة، بل أصبحت تطال مراكز القرار العسكري والسياسي التي تقود المواجهة وتتحمل مسؤولية استمرارها، وفق التقييمات التي تستند إليها الدول المصدرة للعقوبات.
وجاء أحدث هذه التحركات من أستراليا، التي أعلنت في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 فرض عقوبات مستهدفة على أربعة أفراد سودانيين، بينهم البرهان وحميدتي، إضافة إلى التيجاني الطاهر كرشوم، الذي وصفته الوثيقة الأسترالية بأنه الحاكم الفعلي لولاية غرب دارفور، وحسين برشم، الذي صنفته قائداً ميدانياً في قوات الدعم السريع. كما أدرجت كانبيرا كتيبة «البراء بن مالك» ضمن قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات المالية، ووصفتها بأنها قوة شبه عسكرية متحالفة مع القوات المسلحة السودانية.
وتكتسب الخطوة الأسترالية أهمية تتجاوز عدد الأسماء المدرجة، لأنها تجمع في قرار واحد قيادات أعلى هرم السلطة العسكرية في طرفي الحرب، وشخصيات مرتبطة بالعمليات الميدانية، وتشكيل مسلحاً متحالفاً مع الجيش. وبذلك، توجه كانبيرا رسالة سياسية مفادها أن المسؤولية عن الانتهاكات لا ينبغي أن تتوقف عند المنفذين المباشرين، وأن مواقع القيادة والنفوذ لا تمنح أصحابها حماية من الإجراءات الدولية.
ولا تأتي هذه الخطوة بمعزل عن تحركات أمريكية وأوروبية وبريطانية سبقتها، إذ فرضت واشنطن عقوبات على حميدتي في يناير/كانون الثاني 2025، ثم استهدفت البرهان بعده بأيام، بينما أدرج الاتحاد الأوروبي سبعة أفراد في يناير/كانون الثاني 2026، وفرضت بريطانيا إجراءات جديدة على ستة أشخاص في فبراير/شباط من العام نفسه.
ويكشف تزامن هذه التحركات، رغم اختلاف أنظمتها القانونية ومبرراتها، عن اتجاه دولي متزايد نحو توسيع دائرة الضغط على أطراف الحرب، وإضعاف قدرتها على الاستفادة من الشبكات المالية والاقتصادية الموجودة خارج السودان، فضلاً عن تقليص فرص تحرك القيادات المستهدفة في الدول التي تفرض هذه الإجراءات.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد العقوبات أو الأسماء التي أضيفت إلى القوائم، وإنما بمدى قدرتها على تغيير حسابات القادة العسكريين، ودفعهم إلى مراجعة خيار استمرار الحرب، خصوصاً أن الإجراءات السابقة لم تنجح حتى الآن في فرض وقف دائم لإطلاق النار، أو إجبار الطرفين على الدخول في مفاوضات تنتهي بتسوية سياسية.
فبينما تراهن العواصم الغربية على أن تضييق الخناق المالي والسياسي سيجعل استمرار الحرب أكثر تكلفة، لا تزال القيادات العسكرية السودانية تتعامل مع الصراع باعتباره معركة وجود ونفوذ، وترفض تقديم تنازلات ترى أنها قد تهدد مستقبلها السياسي والعسكري.
أستراليا ترفع مستوى الضغط.. لماذا استهدفت البرهان وحميدتي معاً؟
يمثل القرار الأسترالي تطوراً لافتاً في مسار العقوبات المتعلقة بالسودان، ليس فقط لأنه يستهدف قائد الجيش وقائد الدعم السريع في الوقت نفسه، وإنما لأنه يأتي ضمن نظام عقوبات مستقل يركز على المسؤولية عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.
ففي بيانها الصادر في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، قالت وزارة الخارجية الأسترالية إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكبتا انتهاكات جسيمة، شملت استهداف المدنيين والتعذيب والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي والقتل خارج نطاق القضاء، مؤكدة أن المسؤولين عن هذه الانتهاكات يجب أن يخضعوا للمحاسبة.
وبموجب القرار، أدرجت أستراليا أربعة أفراد في نظام العقوبات المالية المستهدفة وحظر السفر، إلى جانب فرض عقوبات مالية على كتيبة البراء بن مالك. وشملت القائمة عبد الفتاح البرهان، ومحمد حمدان دقلو، والتيجاني الطاهر كرشوم، وحسين برشم.
وتكمن الدلالة السياسية في أن العقوبات لم تقتصر على طرف واحد، أو تتعامل مع الأزمة باعتبار أن المسؤولية تقع حصراً على جهة دون أخرى، بل شملت قيادة الجيش والدعم السريع، إلى جانب شخصيات مرتبطة بالبنية العسكرية والميدانية لكل طرف.
وهذا التوازن في الاستهداف لا يعني بالضرورة أن الدول الغربية تعتبر حجم الانتهاكات أو طبيعتها متساوياً في جميع الحالات، وإنما يعكس توجهاً نحو إخضاع المسؤولين من مختلف الأطراف للمساءلة، وفق المعلومات والتقييمات التي تستند إليها كل دولة عند اتخاذ قرار الإدراج.
كما أن استهداف البرهان، بصفته القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، يحمل دلالة تتعلق بالانتقال من الضغط على المؤسسات والشركات التابعة للمنظومة العسكرية إلى الضغط على قمة القيادة نفسها. فالبرهان ليس مجرد قائد ميداني، وإنما الشخصية التي تتمحور حولها السلطة العسكرية والسياسية في مناطق سيطرة الجيش.
أما إدراج حميدتي، فيأتي امتداداً للعقوبات الأمريكية والأوروبية التي استهدفت قيادات وشبكات مرتبطة بقوات الدعم السريع، ويعكس استمرار الاهتمام الدولي بالبنية القيادية والمالية التي تساعد القوات على مواصلة عملياتها العسكرية.
وتشير الخارجية الأسترالية إلى أن الإجراءات الجديدة تستكمل عقوبات سابقة شملت 13 شخصاً بموجب نظام العقوبات الخاص بالسودان التابع لمجلس الأمن الدولي. ومن الضروري هنا التمييز بين العقوبات الأممية والعقوبات الأسترالية المستقلة؛ فالإجراءات الجديدة صدرت بموجب نظام العقوبات الأسترالي المستقل المرتبط بانتهاكات حقوق الإنسان، وليست مجرد إضافة إلى قائمة مجلس الأمن.
كما أكدت كانبيرا أن أكثر من 14 مليون شخص نزحوا منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، وأن ما يقرب من 34 مليون سوداني، أي أكثر من 70 في المئة من السكان، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.
وتعهدت أستراليا بمواصلة دعم المتضررين، مشيرة إلى أنها قدمت أكثر من 67 مليون دولار أسترالي من المساعدات الإنسانية للمنظمات العاملة في السودان، بما يشمل الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية والحماية.
وفي الوقت نفسه، دعت جميع أطراف الصراع إلى التوصل إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وضمان حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وتسهيل وصول المساعدات بصورة آمنة وسريعة ومن دون عوائق.
وتكشف هذه المواقف أن أستراليا تحاول الجمع بين مسارين متوازيين: الضغط على القيادات والكيانات المتهمة بالمسؤولية عن الانتهاكات، والحفاظ على قنوات الدعم الإنساني للسكان الذين يدفعون ثمن الحرب.
كتيبة البراء بن مالك.. انتقال الاستهداف من الأفراد إلى التشكيلات المسلحة
من أبرز جوانب القرار الأسترالي إدراج كتيبة «البراء بن مالك» ضمن الكيانات الخاضعة للعقوبات المالية، وهي خطوة تحمل دلالات تتجاوز استهداف شخصيات عسكرية منفردة، لأنها تضع أحد التشكيلات المسلحة المتحالفة مع الجيش في دائرة الإجراءات الدولية المباشرة.
وتوصف الكتيبة بأنها تشكيل ذو توجه إسلامي يقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية، وقد برز حضورها خلال الحرب بوصفها واحدة من القوى المساندة للجيش في عدد من جبهات القتال.
ويثير إدراجها أهمية خاصة بسبب الجدل المتعلق بطبيعة التشكيلات المسلحة التي تعمل خارج البنية التقليدية للقوات النظامية، ومدى ارتباطها بالشبكات السياسية والتنظيمية التي نشطت خلال حكم الرئيس السابق عمر البشير.
فالحرب السودانية لم تقتصر على المواجهة بين الجيش والدعم السريع، وإنما شهدت مشاركة تشكيلات مسلحة ومجموعات متحالفة مع الطرفين، ما جعل المشهد العسكري أكثر تعقيداً، وفتح الباب أمام تساؤلات بشأن تعدد مراكز القوة والقرار، ومدى قدرة القيادة العسكرية على ضبط جميع القوى المشاركة في العمليات.
وفي حالة كتيبة البراء بن مالك، فإن إدراجها في قائمة العقوبات الأسترالية يعني أن السلطات في كانبيرا تعتبرها كياناً يستوجب تقييد التعامل المالي معه بموجب نظامها القانوني. ولا يقتصر أثر هذا القرار على أعضاء الكتيبة، بل يمكن أن يمتد إلى الجهات المالية والأفراد والشركات التي تتعامل معها أو توفر لها أصولاً أو موارد خاضعة للولاية الأسترالية.
كما أن هذه الخطوة تكتسب أهمية إضافية عند مقارنتها بقرار الاتحاد الأوروبي الصادر في 29 يناير/كانون الثاني 2026، الذي شمل أبا زيد طلحة المصباح، قائد كتيبة البراء بن مالك، ضمن قائمة سبعة أفراد خضعوا للعقوبات الأوروبية.
وبذلك، لا تبدو العقوبات المفروضة على الكتيبة أو قيادتها تحركاً منفرداً من أستراليا، وإنما تأتي ضمن مسار غربي أوسع يتجه إلى استهداف التشكيلات المسلحة المتحالفة مع أطراف الحرب، وليس القيادات الرسمية وحدها.
ومن الناحية السياسية، يمثل ذلك ضغطاً على صورة الجيش باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، خصوصاً أن مشاركة مجموعات مسلحة ذات مرجعيات سياسية أو أيديولوجية تثير أسئلة حول مستقبل احتكار الدولة للسلاح، وشكل المؤسسة العسكرية التي يمكن أن تنشأ بعد انتهاء الحرب.
فأي تسوية سياسية مستقبلية ستواجه تحدياً يتعلق بمصير هذه التشكيلات، ومدى إمكانية دمج بعضها في مؤسسات الدولة أو تفكيكها، وضمان عدم تحولها إلى قوى مستقلة تنافس الجيش على القرار العسكري والأمني.
كما أن استمرار وجود مجموعات مسلحة متعددة الولاءات قد يجعل تنفيذ أي اتفاق لوقف إطلاق النار أكثر صعوبة، خصوصاً إذا لم تكن هناك قيادة موحدة قادرة على إلزام جميع التشكيلات بوقف العمليات العسكرية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين العقوبات المفروضة على الكتيبة بوصفها كياناً، وبين المسؤولية الجنائية الفردية لأعضائها، إذ لا تعني القائمة أن كل من ينتسب إليها مدان قضائياً بارتكاب جريمة، وإنما تعني أن الكيان أصبح خاضعاً لقيود مالية محددة بموجب القانون الأسترالي.
واشنطن سبقت الجميع.. البرهان وحميدتي تحت العقوبات الأمريكية منذ 2025
لم تكن أستراليا أول دولة غربية تستهدف القائدين العسكريين الرئيسيين في السودان، إذ سبق للولايات المتحدة أن اتخذت خطوة مماثلة في يناير/كانون الثاني 2025، عندما أعلنت وزارة الخزانة فرض عقوبات على حميدتي في 7 يناير، ثم على البرهان في 16 يناير من العام نفسه.
وجاء إدراج حميدتي ضمن الإجراءات الأمريكية في سياق اتهامات تتعلق بدور قوات الدعم السريع في استمرار الحرب، والفظائع المرتكبة خلال العمليات العسكرية، إلى جانب استهداف شبكات مالية وتجارية قالت واشنطن إنها ساعدت القوات على الحصول على الأموال والمعدات العسكرية.
ولم تستهدف العقوبات قائد الدعم السريع وحده، بل شملت شركات وأفراداً قالت وزارة الخزانة إنهم مرتبطون بعمليات التمويل والتسليح، ومن بينهم شركات تعمل خارج السودان، ما يعكس اهتمام واشنطن بتفكيك البنية الاقتصادية التي تسمح باستمرار العمليات العسكرية.
وبعد عشرة أيام، انتقلت واشنطن إلى استهداف قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، متهمة إياه بزعزعة الاستقرار وتقويض فرص الانتقال الديمقراطي، وباستمرار الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الجيش تحت قيادته، وفق البيان الأمريكي.
كما شملت الإجراءات فرداً وشركة مرتبطين بعمليات شراء الأسلحة لصالح منظومة الصناعات الدفاعية التابعة للقوات المسلحة السودانية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأنها أظهرت أن الإدارة الأمريكية لا تنوي حصر العقوبات في قوات الدعم السريع، رغم حجم الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات التي ارتكبتها خلال الحرب، وإنما تتعامل مع قيادة الجيش أيضاً باعتبارها طرفاً يتحمل مسؤوليات عن استمرار الصراع والانتهاكات المنسوبة إلى قواته.
وقد حملت العقوبات رسالة سياسية واضحة مفادها أن واشنطن لن تمنح أي طرف حصانة لمجرد أنه يمثل مؤسسة عسكرية رسمية أو يرفع شعار الدفاع عن الدولة، كما أنها لن تتعامل مع قوات الدعم السريع باعتبارها الطرف الوحيد المسؤول عن الكارثة السودانية.
لكن استهداف القائدين لم يؤدِ إلى تغيير فوري في مسار الحرب، إذ واصل الطرفان العمليات العسكرية، واستمرت شبكات التمويل والتسليح في العمل بطرق مختلفة، بينما بقيت الجهود الدبلوماسية عاجزة عن فرض تسوية نهائية.
ويكشف ذلك عن حدود تأثير العقوبات عندما لا تكون مصحوبة بآليات رقابة دولية فعالة، أو عندما تستطيع الجهات المستهدفة الاعتماد على مصادر تمويل بديلة وشبكات اقتصادية خارج نطاق الدول التي تفرض الإجراءات.
كما أن العقوبات الأمريكية لا تستهدف بالضرورة كل الأصول التي يملكها الأشخاص المدرجون في جميع أنحاء العالم، وإنما الأصول والمصالح التي تخضع للولاية الأمريكية، إلى جانب منع الأشخاص الأمريكيين والمؤسسات الخاضعة للقانون الأمريكي من إجراء معاملات محظورة معهم.
وهذا يعني أن فعاليتها تتوقف جزئياً على حجم ارتباط الشخص المستهدف بالنظام المالي الأمريكي، وعلى مدى تعاون المؤسسات المالية الدولية في تطبيق إجراءات الامتثال وتجنب التعامل مع الأموال المشمولة بالعقوبات.
ورغم هذه القيود، فإن الإدراج الأمريكي يظل ذا أثر سياسي ومالي، لأنه يرفع مخاطر التعامل مع الأشخاص والشركات المرتبطة بهم، وقد يدفع المؤسسات المالية وشركاء الأعمال إلى مراجعة علاقاتهم معهم تجنباً للمخالفات والعقوبات الثانوية أو المخاطر التنظيمية.
كما أن تتابع العقوبات الأمريكية والأسترالية والأوروبية والبريطانية يوسع نطاق القيود الجغرافية، ويجعل التحرك المالي والاقتصادي للقيادات المستهدفة أكثر تعقيداً من الاعتماد على قرار دولة واحدة.
الاتحاد الأوروبي يوسع القائمة.. سبعة أفراد من طرفي الحرب
في 29 يناير/كانون الثاني 2026، أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على سبعة أفراد سودانيين، خمسة منهم مرتبطون بقوات الدعم السريع، واثنان بالقوات المسلحة السودانية أو التشكيلات المتحالفة معها.
وجاء القرار في سياق تصاعد العنف في السودان، خصوصاً في دارفور، واستمرار الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
وضمت قائمة الأسماء التي استهدفها الاتحاد الأوروبي القيادي بالدعم السريع القوني حمدان دقلو موسى، إلى جانب عدد من القادة العسكريين والميدانيين المرتبطين بالقوات، كما شملت أبا زيد طلحة المصباح، قائد كتيبة البراء بن مالك، والطيب الإمام جودة، المرتبط بقيادة مجتمعية في منطقة الكواهلة.
وتكتسب هذه القائمة أهميتها من أنها لم تقتصر على القيادات العسكرية الرسمية، بل امتدت إلى شخصيات مرتبطة بتشكيلات مسلحة ومكونات اجتماعية ساهمت في تعبئة المقاتلين أو دعم العمليات العسكرية، وفق مبررات الإدراج الأوروبية.
وأكد مجلس الاتحاد الأوروبي أن المسؤولية عن استمرار الحرب تقع على عاتق القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إضافة إلى المليشيات المتحالفة معهما.
وتضمنت العقوبات تجميد الأصول، ومنع توفير الأموال أو الموارد الاقتصادية للأشخاص المدرجين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فضلاً عن حظر سفر الأفراد المعنيين إلى دول الاتحاد الأوروبي.
وبهذا القرار، ارتفع عدد الأفراد الخاضعين لنظام العقوبات الأوروبي الخاص بالسودان إلى 18 شخصاً، إلى جانب ثمانية كيانات.
وتكمن أهمية الموقف الأوروبي في أن الاتحاد يمتلك سوقاً اقتصادياً ومالياً واسعاً، وتطبيقه العقوبات بصورة جماعية يمنحها نطاقاً يتجاوز الإجراءات الوطنية التي تتخذها دولة منفردة.
كما أن استهداف قائد كتيبة البراء بن مالك قبل القرار الأسترالي يوضح أن الكتيبة كانت بالفعل ضمن دائرة الاهتمام الغربي، وأن العقوبات الجديدة لا تنطلق من فراغ، بل تبني على قرارات سابقة تتعلق بالتشكيلات التي تقاتل إلى جانب الجيش.
ومن الناحية السياسية، يحاول الاتحاد الأوروبي توظيف العقوبات باعتبارها أداة ضغط على الأطراف المسلحة، وفي الوقت نفسه التأكيد أن أي تسوية مستقبلية ينبغي أن تتضمن احترام القانون الدولي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
لكن الاتحاد يواجه بدوره تحدياً يتمثل في تحويل العقوبات إلى وسيلة لتغيير السلوك، خصوصاً أن الأشخاص والكيانات المستهدفة قد لا يمتلكون أصولاً كبيرة داخل أوروبا، أو قد يعتمدون على شبكات مالية وتجارية في مناطق أخرى.
كما أن استمرار الحرب رغم جولات العقوبات المتعددة يطرح تساؤلات بشأن الحاجة إلى إجراءات أكثر تنسيقاً، تشمل تتبع مصادر التمويل والتسليح، والضغط على الوسطاء والشبكات التي تساعد الأطراف على الالتفاف على القيود الدولية.
بريطانيا تستهدف ستة أفراد.. تضييق الخناق على شبكات الحرب
في 5 فبراير/شباط 2026، أعلنت الحكومة البريطانية فرض عقوبات جديدة على ستة أفراد قالت إنهم يساهمون في تغذية الحرب السودانية، سواء من خلال الاشتباه في التورط في ارتكاب فظائع أو عبر توفير المقاتلين والمعدات العسكرية.
وجاء القرار عقب زيارة وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إلى الحدود السودانية التشادية، حيث اطلعت على جانب من الأزمة الإنسانية، في وقت كانت فيه لندن تسعى إلى تكثيف الضغط الدولي لإنهاء الحرب وتأمين وصول المساعدات.
وشملت القائمة أبو عاقلة كيكل، قائد قوات درع السودان، الذي سبق أن ارتبط بالقوات المسلحة السودانية وكان قد انشق عنها وانضم إلى قوات الدعم السريع قبل أن يعود إلى معسكر الجيش، إلى جانب أسماء أخرى مرتبطة بشبكات توفير المعدات العسكرية والمقاتلين.
ومن بين الأسماء الواردة في القائمة أيضاً حسين برشم ومصطفى إبراهيم عبد النبي محمد، إضافة إلى شخصيات وشركات مرتبطة بإمدادات الحرب.
وتضمنت الإجراءات تجميد الأصول وقيود السفر، إلى جانب تدابير أخرى تتعلق ببعض الأنشطة التجارية والمناصب الإدارية بحسب حالة كل شخص.
وتعكس الخطوة البريطانية اهتماماً متزايداً بالبنية التي تسمح باستمرار الحرب، وليس فقط بالقيادات التي تظهر في التصريحات السياسية أو على جبهات القتال.
فالحروب الطويلة تحتاج إلى شبكات من التمويل والتسليح والنقل والتجنيد والإمداد، وهذه الشبكات قد تكون في بعض الأحيان أكثر قدرة على الاستمرار من التشكيلات العسكرية نفسها، لأنها تعمل عبر شركات ووسطاء ومؤسسات تجارية خارج مناطق الاشتباك.
ومن هنا، تسعى لندن إلى استهداف الأشخاص الذين ترى أنهم يوفرون الموارد الضرورية لاستمرار العمليات، بما يرفع تكلفة الحرب ويحد من قدرة الأطراف على تجديد مخزونها العسكري أو توسيع عمليات التجنيد.
كما أن توقيت العقوبات تزامن مع تحركات دبلوماسية بريطانية في مجلس الأمن، ما يعكس رغبة لندن في الجمع بين الضغط الاقتصادي والسياسي، ومحاولة إعادة تنشيط الجهود الدولية لوقف الحرب.
لكن العقوبات البريطانية، مثل نظيراتها الأوروبية والأمريكية، تواجه مشكلة تتعلق بمدى قدرة الأفراد المستهدفين على نقل أنشطتهم إلى شبكات أخرى، أو الاستفادة من مناطق لا تطبق القيود نفسها.
ولهذا فإن نجاح هذه الإجراءات يتطلب تنسيقاً مستمراً بين الدول الغربية، وتبادل المعلومات بشأن الشركات والوسطاء والأصول، وضمان عدم تحول اختلاف القوانين الوطنية إلى ثغرات تسمح بالالتفاف على العقوبات.
ماذا تعني العقوبات عملياً؟.. تجميد الأموال ومحاصرة الحركة المالية
رغم أن العقوبات الدولية تبدو في ظاهرها قرارات سياسية تصدرها الحكومات، فإن آثارها العملية قد تمتد إلى تفاصيل كثيرة في حياة الأشخاص والكيانات المدرجة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقيادات العسكرية التي تمتلك مصالح اقتصادية أو شبكات تجارية أو علاقات مالية خارج بلدانها.
وتختلف طبيعة هذه الإجراءات بحسب النظام القانوني الذي تصدر بموجبه، لكنها تتضمن عادة ثلاثة مستويات رئيسية: تجميد الأصول المالية، ومنع توفير الأموال والموارد الاقتصادية للأشخاص والكيانات المستهدفة، وفرض قيود على السفر والتنقل.
وفي الحالة الأسترالية، تعني العقوبات المالية أن الأصول التي يملكها الأشخاص المدرجون أو يسيطرون عليها، والخاضعة للقانون الأسترالي، لا يمكن استخدامها أو التصرف فيها دون تصريح رسمي. كما يصبح توفير الأموال أو الموارد الاقتصادية لهم أو لمصلحتهم أمراً محظوراً وفق الأحكام المعمول بها.
أما حظر السفر، فيمنع الأفراد المدرجين من دخول أستراليا أو البقاء فيها، وهو ما يضيف قيداً دبلوماسياً وشخصياً إلى القيود المالية.
ولا يعني ذلك أن جميع الأموال التي يملكها البرهان أو حميدتي في أي دولة حول العالم تجمد تلقائياً بمجرد صدور القرار الأسترالي، وإنما يشمل الإجراء الأصول والمعاملات التي تقع ضمن نطاق الولاية القانونية لأستراليا. وينطبق المبدأ نفسه، مع اختلاف التفاصيل، على العقوبات الأمريكية والبريطانية والأوروبية.
وتزداد خطورة هذه الإجراءات عندما تتبناها عدة دول في وقت متقارب، لأن الشخص المستهدف قد يجد نفسه أمام قيود متزامنة في أكثر من نظام مالي وقانوني، ما يجعل إدارة المصالح التجارية أو إجراء التحويلات أو التعامل مع المؤسسات المالية أكثر تعقيداً.
كما أن المؤسسات المالية الدولية غالباً ما تتعامل بحذر مع الأشخاص المدرجين على قوائم العقوبات، حتى عندما لا تكون جميع معاملاتهم محظورة بصورة مباشرة، خوفاً من مخالفة القوانين أو التعرض لمخاطر تنظيمية وسمعة مؤسسية.
وهذا قد يؤدي إلى آثار غير مباشرة، مثل رفض بعض البنوك فتح حسابات أو تنفيذ معاملات، وتشديد إجراءات التدقيق على الشركات المرتبطة بالأشخاص المستهدفين، ومراجعة العلاقات التجارية التي قد تتضمن مخاطر تتعلق بملكية الأصول أو السيطرة عليها.
لكن العقوبات ليست وسيلة سحرية لوقف الحرب، كما أنها لا تعني بالضرورة أن القيادات المستهدفة ستفقد قدرتها على إدارة العمليات العسكرية فوراً. فالتأثير الحقيقي يتوقف على حجم الأصول الخارجية، وطبيعة الشبكات الاقتصادية، ومدى قدرة الأطراف على إيجاد بدائل مالية وتجارية.
ومن هنا، فإن إدراج الأشخاص على القوائم يمثل بداية عملية تضييق، وليس نهاية الطريق. فالتطبيق الفعلي يتطلب متابعة التحويلات، ورصد الشركات الوسيطة، وتبادل المعلومات بين السلطات المختصة، والتحقق من عدم نقل الأصول إلى أسماء أخرى أو استخدام واجهات تجارية لإخفاء المستفيد الحقيقي.
وتحاول أستراليا في الوقت نفسه تفادي أن تؤدي العقوبات إلى تعطيل المساعدات الإنسانية، إذ أعلنت إصدار تصريح إنساني جماعي يسمح بتنفيذ أنشطة محددة لتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان، حتى عندما تتداخل هذه الأنشطة مع بعض القيود التي تفرضها العقوبات.
وهذا التفصيل مهم، لأن معاقبة القيادات والكيانات المتهمة بالانتهاكات لا ينبغي أن تتحول إلى عقاب جماعي للسودانيين، الذين يواجهون أصلاً نقص الغذاء والمياه والدواء وانهيار الخدمات الأساسية.
العقوبات المتزامنة.. هل تتشكل جبهة غربية موحدة ضد أطراف الحرب؟
تكشف مقارنة القرارات الأمريكية والأوروبية والبريطانية والأسترالية عن تقاطع واضح في المواقف بشأن ضرورة تحميل القيادات العسكرية مسؤولية استمرار الحرب والانتهاكات المرتبطة بها، لكنها تكشف أيضاً عن اختلاف في أولويات كل دولة وأدواتها القانونية.
فالولايات المتحدة ركزت منذ يناير/كانون الثاني 2025 على استهداف القيادات وشبكات التسليح والتمويل، بينما اتجه الاتحاد الأوروبي إلى إدراج شخصيات عسكرية وميدانية وتشكيلات مسلحة متحالفة مع طرفي الحرب. أما بريطانيا، فقد وسعت نطاق إجراءاتها ليشمل أفراداً يُشتبه في مساهمتهم في توفير المقاتلين والمعدات العسكرية.
وجاءت أستراليا لتضيف مستوى جديداً من الضغط باستهداف البرهان وحميدتي معاً، وإدراج كتيبة البراء بن مالك ككيان خاضع للعقوبات المالية.
وهذا التقارب لا يعني وجود تحالف قانوني موحد يفرض العقوبات نفسها على جميع الأطراف، إذ تحتفظ كل دولة بسلطتها في تحديد الأسماء والأسباب والآليات التي تستند إليها. لكنه يعكس وجود اتجاه سياسي غربي مشترك يرى أن استمرار الحرب لا يمكن فصله عن مسؤولية القيادات والشبكات التي تديرها وتوفر لها الموارد.
وتكمن أهمية هذا الاتجاه في أن تعدد العقوبات يرفع التكلفة السياسية للتعامل مع أطراف الحرب، ويجعل من الصعب على القيادات المستهدفة تقديم نفسها أمام المجتمع الدولي باعتبارها أطرافاً يمكن التعامل معها دون مساءلة.
كما أن إدراج قادة الجيش والدعم السريع معاً يضعف قدرة أي طرف على استخدام العقوبات المفروضة على خصمه باعتبارها دليلاً على أنه وحده المسؤول عن الأزمة.
وفي المقابل، فإن هذا التقارب الغربي لا يعني أن جميع الدول تتبنى تصوراً واحداً بشأن مستقبل السودان، أو أنها متفقة على شكل السلطة التي ينبغي أن تحكم البلاد بعد انتهاء الحرب.
فبعض العواصم تركز على وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، بينما تعطي عواصم أخرى أولوية لاستقرار مؤسسات الدولة ومنع انهيارها، فيما تنظر أطراف دولية إلى الأزمة من زاوية التوازنات الإقليمية والأمنية ومصالحها الاستراتيجية.
ويجعل هذا التباين من العقوبات أداة ضغط مهمة، لكنها غير كافية بمفردها لإنتاج تسوية سياسية، ما لم تترافق مع رؤية مشتركة لمستقبل المؤسسة العسكرية، وطبيعة السلطة المدنية، ومصير التشكيلات المسلحة، وضمانات عدم تجدد الحرب.
كما أن استمرار الانقسامات الدولية قد يحد من فاعلية الإجراءات، خصوصاً إذا وجدت الأطراف السودانية قنوات اقتصادية وسياسية بديلة في دول لا تتبنى العقوبات نفسها.
ومن هنا، فإن التحدي أمام الدول الغربية لا يتمثل فقط في إصدار قوائم جديدة، وإنما في ضمان عدم تحول العقوبات إلى إجراءات رمزية لا تؤثر في الموارد الفعلية التي تسمح باستمرار الحرب.
البرهان ورفض التفاوض.. هل يراهن الجيش على الحسم العسكري؟
في مقابل اتساع دائرة العقوبات الدولية، لا تزال مواقف قيادة الجيش السوداني بشأن التفاوض تعكس تمسكاً واضحاً بالخيار العسكري، ورفضاً للدخول في مفاوضات مع قوات الدعم السريع من دون تنفيذ شروط مسبقة تتعلق بمستقبل القوة المسلحة وانسحابها من المناطق التي تسيطر عليها.
وقد ظهر هذا الموقف في أكثر من مناسبة خلال عام 2026، خصوصاً مع استمرار جهود الوساطة الأمريكية والدولية لإعادة إطلاق مسار سياسي يوقف القتال.
ففي 26 يونيو/حزيران 2026، أعلن البرهان رفضه الدخول في مفاوضات سلام مع قوات الدعم السريع ما لم تقم بتسليم أسلحتها وتفكيك قواتها، معتبراً أن أي تسوية لا تتضمن هذه الشروط لن تكون مقبولة بالنسبة إلى الجيش.
ويعكس هذا الموقف رؤية قيادة الجيش للصراع باعتباره مواجهة مع قوة مسلحة متمردة على الدولة، وليس نزاعاً بين طرفين متساويين يمكن حسمه من خلال تقاسم السلطة أو التفاوض على ترتيبات انتقالية.
وتتمسك قيادة الجيش بأن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء وجود قوات الدعم السريع كقوة عسكرية مستقلة يجب أن يسبقا أي حديث عن التسوية السياسية، وهو ما يجعل التفاوض مشروطاً بنتائج عسكرية مسبقة.
وتجدد هذا التوجه في يوليو/تموز 2026، عندما اشترط الجيش انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ 11 مايو/أيار 2023، قبل القبول الواسع بالمقترح الأمريكي لوقف الحرب.
وبحسب وثائق اطلعت عليها وكالة «رويترز»، اعترض الجيش على الاكتفاء بانسحابات محدودة من بعض المناطق، وطالب بانسحاب شامل من المدن والمواقع التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
وكان المقترح الأمريكي يتضمن هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، تتيح توسيع وصول المساعدات الإنسانية، تمهيداً للدخول في مفاوضات بشأن وقف دائم لإطلاق النار، إلى جانب ترتيبات سياسية تتعلق بمرحلة الانتقال المدني ومستقبل القوات المسلحة.
كما تضمن المقترح آلية مدعومة من الأمم المتحدة لتنفيذ انسحابات محدودة لقوات الدعم السريع من مناطق في شمال دارفور وشمال كردفان، مع العمل على تهيئة الظروف لعملية سياسية بقيادة مدنية.
لكن الخلاف بشأن نطاق الانسحاب وترتيبات تنفيذه كشف عن فجوة كبيرة بين رؤية الوسطاء الدوليين وموقف القيادة العسكرية السودانية، التي ترى أن أي هدنة لا تضمن انسحاباً شاملاً قد تمنح الدعم السريع فرصة لإعادة تنظيم قواته وتعزيز مواقعه.
وفي المقابل، فإن اشتراط تنفيذ جميع المطالب العسكرية قبل بدء التفاوض يجعل التوصل إلى اتفاق أكثر صعوبة، لأن قوات الدعم السريع لا ترى في التخلي عن المناطق التي تسيطر عليها وتسليم أسلحتها قبل التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية شاملة أمراً يمكن قبوله بسهولة.
وهكذا، يجد المسار التفاوضي نفسه أمام معضلة أساسية: الجيش يريد أن يكون الانسحاب ونزع السلاح مدخلاً للتفاوض، بينما تحتاج قوات الدعم السريع إلى ضمانات سياسية وأمنية قبل تقديم تنازلات ميدانية واسعة.
وتزداد هذه المعضلة مع غياب الثقة بين الطرفين، واستمرار الاتهامات المتبادلة بارتكاب انتهاكات، والخشية من استخدام أي هدنة لإعادة بناء القدرات العسكرية والاستعداد لجولة جديدة من القتال.
أكتوبر 2026.. البرهان يغلق باب التفاوض ويؤكد استمرار الحرب
بلغت حدة المواقف العسكرية ذروتها في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عندما أعلن البرهان رفضه التفاوض مع قوات الدعم السريع، مؤكداً أن الجيش سيواصل العمليات العسكرية حتى هزيمة القوات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
وجاءت تصريحاته خلال تجمع جماهيري في منطقة أمـري بالولاية الشمالية، حيث أكد أن المؤسسة العسكرية ستواصل خيار الانتصار العسكري، وأنها لا تنوي الدخول في مفاوضات مع ما تصفه بالتمرد.
وبحسب ما نقلته صحيفة «سودان تريبيون»، شدد البرهان على أن الجيش ماضٍ في استعادة المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وأنه لا توجد مفاوضات مع الطرف الآخر في المرحلة الحالية.
وتعكس هذه التصريحات تمسك قيادة الجيش باستراتيجية الحسم العسكري، رغم الضغوط الدولية المتزايدة لإيقاف القتال، كما تكشف عن استمرار الفجوة بين المواقف المعلنة للقيادة السودانية والجهود الأمريكية والدولية الرامية إلى إطلاق هدنة إنسانية.
ولا تقتصر أهمية هذه التصريحات على رفض التفاوض في حد ذاته، بل تتعلق أيضاً بتوقيتها، إذ جاءت بعد سلسلة من التحركات الدولية التي استهدفت قيادات طرفي الحرب، وفي وقت كانت فيه واشنطن تحاول إعادة إحياء مقترح وقف إطلاق النار.
ومن منظور قيادة الجيش، فإن التفاوض في ظل استمرار سيطرة الدعم السريع على مناطق واسعة قد يمنح القوات شرعية سياسية لا ترغب المؤسسة العسكرية في منحها، كما قد يضعف موقفها في معركة استعادة الأراضي والمؤسسات.
لكن من منظور الوساطة الدولية، فإن الإصرار على الحسم العسكري يجعل الوصول إلى وقف إطلاق النار أكثر تعقيداً، خصوصاً أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة، وأثبتت أن السيطرة على المدن والمناطق لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء الخصم بصورة نهائية.
كما أن استمرار القتال في مناطق واسعة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق يرفع احتمالات اتساع الأزمة الإنسانية، ويزيد من أعداد النازحين، ويعرض المدنيين لمخاطر إضافية، في وقت تعاني فيه المؤسسات الصحية والإغاثية نقصاً حاداً في الموارد.
ويضع هذا الموقف المجتمع الدولي أمام سؤال يتعلق بمدى قدرة العقوبات على تغيير حسابات قيادة الجيش، خصوصاً إذا استمرت في اعتبار أن تحقيق الانتصار العسكري هو الطريق الوحيد لإنهاء الحرب.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن قوات الدعم السريع نفسها مطالبة بتقديم تنازلات حقيقية، ووقف الانتهاكات، والانخراط في ترتيبات تضمن حماية المدنيين وإنهاء تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة.
فوقف الحرب لا يمكن أن يتحقق عبر الضغط على طرف واحد، كما لا يمكن أن يقوم على استمرار العمليات العسكرية من الطرفين وانتظار انهيار أحدهما.
مبادرة الرباعية الدولية.. لماذا تعثرت جهود الوساطة؟
تأتي العقوبات الجديدة في سياق فشل متكرر للمبادرات الدولية التي حاولت وقف الحرب السودانية، وفي مقدمتها جهود الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.
وقد حاولت الرباعية بناء مسار سياسي يجمع بين وقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وفتح الطريق أمام عملية سياسية تفضي إلى حكم مدني، مع معالجة مستقبل التشكيلات العسكرية وترتيبات الأمن.
لكن المبادرة واجهت صعوبات كبيرة بسبب تباين مواقف الأطراف السودانية، فضلاً عن الخلافات الإقليمية بشأن طبيعة الحل السياسي ودور كل طرف في المرحلة المقبلة.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، رفض البرهان مبادرة الرباعية بصيغتها المطروحة آنذاك، معتبراً أن بعض عناصرها لا تعكس موقف الجيش من مستقبل قوات الدعم السريع، وأنها تتضمن ترتيبات لا يمكن القبول بها من دون معالجة مسألة السلاح والوجود العسكري للقوات.
ومنذ ذلك الحين، ظلت الخلافات بشأن شروط وقف إطلاق النار قائمة، رغم تجدد التحركات الأمريكية في عام 2026.
وتكشف الأزمة أن مشكلة الوساطة لا تتعلق فقط بصياغة اتفاق لوقف القتال، وإنما بطبيعة الترتيبات التي ستلي الاتفاق، ومن سيشرف على تنفيذها، وكيفية التعامل مع القوات المسلحة والتشكيلات الموازية، ومن يملك سلطة اتخاذ القرار خلال المرحلة الانتقالية.
كما أن انعدام الثقة بين الجيش والدعم السريع يجعل كل طرف ينظر إلى التنازلات التي يقدمها باعتبارها مخاطرة قد يستغلها الطرف الآخر لتعزيز موقعه العسكري.
وتواجه الرباعية أيضاً تحدياً يتعلق بمدى قدرتها على الحفاظ على موقف متماسك، في ظل اختلاف مصالح الدول الأعضاء وتباين علاقاتها مع أطراف الصراع.
ولهذا، فإن أي مبادرة جديدة تحتاج إلى ضمانات عملية لتنفيذ وقف إطلاق النار، وآلية مراقبة مستقلة، وتحديد واضح لمسؤوليات الأطراف، وعدم ترك الاتفاق رهينة للتصريحات السياسية أو التفاهمات غير الملزمة.
كما أن إشراك القوى المدنية السودانية في أي عملية سياسية يمثل عنصراً أساسياً لتجنب إعادة إنتاج الأزمة نفسها، لأن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى اتفاق بين القيادات العسكرية وحدها يعيد توزيع السلطة والنفوذ بعيداً عن تطلعات السودانيين.
العقوبات والحسم العسكري.. تناقض يهدد فرص السلام
تتضح المفارقة في المشهد السوداني عندما تتزايد العقوبات الدولية في الوقت الذي تستمر فيه قيادة الجيش في التأكيد على خيار الحسم العسكري، بينما تتمسك قوات الدعم السريع بمواقعها وترفض التنازل عن أوراق القوة التي تمتلكها من دون ضمانات.
فمن جهة، تسعى الدول الغربية إلى رفع تكلفة الحرب على القيادات العسكرية، والضغط عليها للقبول بوقف إطلاق النار. ومن جهة أخرى، لا تزال حسابات الطرفين ترتبط بنتائج الميدان، وليس فقط بحجم الضغوط الدبلوماسية أو العقوبات الاقتصادية.
وتكمن المشكلة في أن العقوبات قد ترفع تكلفة استمرار الحرب، لكنها لا تقدم وحدها حلاً للخلافات المتعلقة بمستقبل السلطة والسلاح والمؤسسات العسكرية.
فحتى لو نجحت الدول الغربية في تجميد أصول عدد من القادة أو تقييد سفرهم، فإن ذلك لا يضمن تلقائياً موافقتهم على وقف إطلاق النار، خصوصاً إذا اعتقدوا أن ميزان القوى العسكري لا يزال يمنحهم فرصة لتحقيق مكاسب أكبر.
كما أن استمرار الحرب قد يدفع بعض الأطراف إلى البحث عن مصادر تمويل وتسليح بديلة، أو توسيع علاقاتها مع شبكات خارج نطاق العقوبات الغربية، وهو ما يقلل من الأثر المباشر للإجراءات.
لكن ذلك لا يعني أن العقوبات بلا فائدة، بل إن تأثيرها قد يكون تراكمياً، خصوصاً عندما تستهدف القيادات والشركات والكيانات المرتبطة بها في عدة دول، وترافقها إجراءات لمراقبة التحويلات المالية والحد من تدفق الأسلحة.
ومن هنا، فإن العقوبات تصبح أكثر فاعلية عندما ترتبط بخطة سياسية واضحة، تتيح للأطراف مخرجاً من الحرب، وتحدد الالتزامات التي ينبغي تنفيذها مقابل وقف العمليات العسكرية والانخراط في التسوية.
كما ينبغي أن تترافق مع مسار للمحاسبة لا يسمح بتحويل وقف الحرب إلى صفقة تمنح الحصانة للمتورطين في الانتهاكات، لأن أي اتفاق يتجاهل حقوق الضحايا قد يزرع بذور صراع جديد.
وفي المقابل، فإن استخدام العقوبات باعتبارها أداة للعقاب فقط، من دون توفير مسار سياسي قابل للتنفيذ، قد يدفع الأطراف إلى مزيد من التشدد، خصوصاً إذا اعتبرت أن التنازل سيعرضها لخسارة نفوذها أو يضع قياداتها أمام مخاطر قانونية.
ولذلك، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الجمع بين الضغط والمفاوضات: ضغط اقتصادي وسياسي على القيادات التي تعرقل السلام، ومسار تفاوضي يضمن وقف القتال، ويحمي المدنيين، ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية ومهنية.
ماذا ينتظر السودان؟.. ثلاثة سيناريوهات أمام التصعيد الدولي
في ظل استمرار الحرب واتساع العقوبات الدولية، يمكن قراءة مستقبل الأزمة السودانية من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: استمرار الحرب رغم العقوبات.
ويقوم هذا الاحتمال على استمرار تمسك الجيش بخيار الحسم العسكري، مقابل استمرار قوات الدعم السريع في القتال والدفاع عن مناطق نفوذها. وفي هذه الحالة، ستبقى العقوبات أداة ضغط خارجية لا تستطيع بمفردها تغيير مسار العمليات العسكرية، وقد تتواصل المعارك مع ارتفاع الأعباء الإنسانية والاقتصادية.
ويزداد احتمال هذا السيناريو إذا استمرت الخلافات حول شروط الهدنة، ولم تنجح الوساطات في تقديم ضمانات مقبولة للطرفين، أو إذا اعتقدت القيادات العسكرية أن تحقيق مكاسب ميدانية جديدة سيمنحها موقعاً تفاوضياً أقوى.
السيناريو الثاني: تصعيد العقوبات وتوسيع دائرة الاستهداف.
إذا استمرت الانتهاكات ورفضت الأطراف الاستجابة للضغوط الدولية، فقد تتجه الولايات المتحدة والدول الأوروبية وأستراليا وبريطانيا إلى توسيع القوائم لتشمل مزيداً من الشخصيات والشركات والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحرب.
وقد يمتد هذا المسار إلى تتبع مصادر التمويل والإمداد العسكري، ومراقبة الأصول الموجودة في الخارج، وفرض قيود على الوسطاء الذين يساعدون الأطراف على الالتفاف على العقوبات.
لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب تنسيقاً دولياً واسعاً، لأن تعدد الأنظمة القانونية واختلاف المصالح قد يسمحان لبعض الشبكات بمواصلة نشاطها خارج نطاق القيود المفروضة.
السيناريو الثالث: تحويل الضغوط إلى اتفاق سياسي.
وهو السيناريو الذي تراهن عليه الدول الداعية إلى وقف الحرب، من خلال الجمع بين العقوبات والوساطة والضمانات الدولية، بما يدفع الأطراف إلى القبول بهدنة إنسانية، ثم وقف دائم لإطلاق النار، وصولاً إلى عملية سياسية شاملة.
ويحتاج هذا المسار إلى معالجة القضايا الأساسية التي أدت إلى تعثر المفاوضات، وفي مقدمتها انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق المدنية، والترتيبات الأمنية، ومستقبل القوات المسلحة، وضمان عدم عودة التشكيلات الموازية، إلى جانب مشاركة القوى المدنية في رسم مستقبل الحكم.
كما يحتاج إلى ضمانات تمنع استغلال الهدنة لإعادة التسلح أو التحضير لجولة جديدة من الحرب، وتوفر آلية مراقبة مستقلة تستطيع رصد الخروقات ومحاسبة المسؤولين عنها.
ويظل هذا السيناريو الأكثر فائدة للسودانيين، لكنه يحتاج إلى تنازلات متبادلة وإرادة سياسية لا تزال غائبة حتى الآن.
الخلاصة.. العقوبات تحاصر القيادات لكن السلام يحتاج إلى قرار سياسي
تكشف العقوبات الأسترالية الجديدة عن مرحلة أكثر تشدداً في التعامل الدولي مع الحرب السودانية، بعدما أصبحت القيادات العليا في الجيش والدعم السريع، إلى جانب التشكيلات المسلحة المتحالفة معهما، ضمن دائرة الاستهداف المالي والسياسي.
فإدراج البرهان وحميدتي في القائمة الأسترالية، وإدراج كتيبة البراء بن مالك، يعكس اتجاهاً نحو تحميل القيادات ومراكز القوة المسلحة مسؤولية استمرار الحرب والانتهاكات، وعدم الاكتفاء بملاحقة الشركات أو الأفراد الذين يوفرون الأسلحة والتمويل.
كما أن تزامن هذا القرار مع العقوبات الأمريكية والأوروبية والبريطانية يؤكد أن الأزمة السودانية أصبحت حاضرة بصورة أكبر في حسابات العواصم الغربية، وأن استمرار الصراع لم يعد يمر من دون تكلفة سياسية واقتصادية على الأطراف التي تقوده.
لكن هذه الإجراءات تضع المجتمع الدولي أمام اختبار أكثر تعقيداً من مجرد إضافة أسماء إلى قوائم العقوبات: هل تستطيع هذه الضغوط إجبار القيادات على مراجعة حساباتها العسكرية؟ وهل يمكن تحويل القيود المالية والسفرية إلى مدخل لتسوية سياسية تنهي الحرب؟
حتى الآن، لا تشير مواقف البرهان الأخيرة إلى استعداد واضح للتراجع عن خيار الحسم العسكري، كما أن قوات الدعم السريع لم تقدم تنازلات تتيح إنهاء المواجهة بصورة شاملة. وبين الموقفين، تتعثر المبادرات الدولية، ويستمر المدنيون في دفع ثمن الحرب من أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم.
إن العقوبات قد تحاصر الأموال وتضيق الحركة الدولية وتضعف الشبكات المرتبطة بالحرب، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة أو توحيد مؤسسة عسكرية أو إنتاج توافق سياسي بين الأطراف السودانية.
وما يحتاجه السودان اليوم ليس جولة جديدة من تبادل الاتهامات أو توسيع قوائم العقوبات فحسب، بل مساراً دولياً واضحاً يربط بين وقف إطلاق النار والمحاسبة وإعادة بناء المؤسسات وإنهاء تعدد الجيوش، مع ضمان ألا تتحول التسوية إلى إعادة إنتاج للسلطة العسكرية نفسها التي قادت البلاد إلى هذا الانهيار.
فكلما اتسعت دائرة العقوبات، ازدادت الأسئلة بشأن قدرة المجتمع الدولي على تحويل الضغط إلى سلام. أما استمرار الحرب، رغم تجميد الأموال وحظر السفر وإدراج القيادات، فيكشف أن معركة إنهاء الصراع السوداني لا تزال أبعد من مجرد قرارات تصدر من العواصم الغربية، وأن الاختبار الحقيقي سيبقى في إجبار أطراف الحرب على التخلي عن رهانات الحسم العسكري والقبول بمستقبل سياسي لا يكون فيه السلاح هو صاحب القرار.




