ملفات

الكيماوي يلاحق الجيش السوداني.. أدلة دولية تتراكم ومخاوف من كارثة بيئية وصحية ومساءلة مؤجلة

من ساحة المعركة إلى تهديد طويل الأمد.. هل يتحول الكيماوي إلى جرح مفتوح في السودان؟


لم تعد الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية مجرد روايات متبادلة بين أطراف الصراع، أو تقارير إعلامية تستند إلى شهادات يصعب التحقق منها، بل باتت قضية أمنية وإنسانية ودولية تتسع دائرتها مع ظهور وثائق وصور ومقاطع فيديو ومراسلات عسكرية، إلى جانب تقييمات صادرة عن مؤسسات بحثية دولية متخصصة في قضايا الدفاع والأمن والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل. وفي الوقت الذي تتواصل فيه الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تتزايد الأسئلة بشأن طبيعة الأسلحة التي استخدمت خلالها، ومدى انتقال المواجهة من وسائل القتال التقليدية إلى توظيف مواد سامة محظورة دولياً، وما إذا كان السودان يواجه اليوم ملفاً كيميائياً قد تتجاوز تبعاته حدود المعارك ومواقع الاشتباكات.

وتكمن خطورة هذا الملف في أن الأسلحة الكيميائية لا تخضع للمنطق العسكري المعتاد الذي تُقاس فيه نتائج الهجمات بعدد القتلى والجرحى أو بحجم المواقع التي جرى الاستيلاء عليها، وإنما تفتح الباب أمام نوع مختلف من المخاطر، يرتبط بتعرض الإنسان لمواد سامة، واحتمالات تلوث الهواء والمياه، وتعطيل الخدمات الأساسية، وإثارة الذعر بين السكان، فضلاً عن الصعوبات التي تواجه عمليات التحقق وجمع الأدلة بعد وقوع الهجمات. كما أن استخدام هذه الأسلحة، إذا ثبت بصورة قاطعة، لا يمثل مجرد انتهاك إضافي في حرب تعج بالانتهاكات، بل يشكل خرقاً لاتفاقية دولية تحظر تطويرها وإنتاجها وتخزينها ونقلها واستخدامها، ويضع المسؤولين عن إصدار الأوامر أو تنفيذ الهجمات أمام تبعات قانونية قد تتجاوز حدود السودان.

وفي أحدث تطور يعيد القضية إلى واجهة الاهتمام الدولي، نشر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية «IISS»، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، تحليلاً تناول فيه استمرار الاتهامات المتعلقة بامتلاك القوات المسلحة السودانية برنامجاً للأسلحة الكيميائية واستخدام ذخائر تعتمد على الكلور خلال الحرب. وخلص التحليل إلى أن المعلومات المتراكمة، بما فيها التحقيقات الصحفية والوثائق والصور والمواد التي خضعت لعمليات تحقق مستقلة، تجعل الادعاءات أكثر مصداقية من الاتهامات السابقة، رغم أن التحقق الدولي الميداني النهائي من الوقائع لم يكتمل بعد.

ويكتسب هذا التقييم أهميته من طبيعة المؤسسة التي أصدرته، باعتبارها مركزاً بحثياً بريطانياً متخصصاً في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، ومن الطريقة التي تناول بها الأدلة، إذ لم يكتفِ بإعادة سرد الاتهامات، بل ربطها بمسار تطور البرنامج المزعوم، ومصادر الحصول على الكلور، وعمليات تصنيع الذخائر، والاختبارات التي قيل إنها أجريت في مناطق صحراوية، فضلاً عن الهجمات التي ارتبطت بمواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية شمال العاصمة الخرطوم.

وبذلك، لم يعد السؤال المطروح أمام المجتمع الدولي مقتصراً على ما إذا كانت هناك أدلة تشير إلى استخدام الكلور في الحرب السودانية، بل أصبح يشمل مصير الذخائر التي قيل إنها أنتجت، والجهات التي أشرفت على البرنامج، والكيفية التي جرى بها تأمين المواد الكيميائية، ومدى معرفة المستويات القيادية بطبيعة المشروع، وما إذا كانت العقوبات الدولية قد نجحت بالفعل في وقف أنشطته أم أنها دفعت القائمين عليه إلى إخفاء آثاره وإعادة ترتيب شبكاته.

أدلة تتجاوز الاتهامات.. ماذا كشف المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية؟

يستند جانب أساسي من الاهتمام المتجدد بالملف إلى التحقيقات التي نشرتها صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» في 5 سبتمبر/أيلول 2026، بعد حصولهما على مجموعة كبيرة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والاتصالات التي قيل إنها مرتبطة ببرنامج عسكري سري لإنتاج ذخائر تعتمد على غاز الكلور.

وقدمت المواد المنشورة تصوراً أكثر تفصيلاً عن طبيعة النشاط المزعوم، إذ تحدثت عن مشروع بدأ في يوليو/تموز 2024، واستهدف تطوير ذخائر يمكن إسقاطها من الطائرات، بحيث تجمع بين شحنة متفجرة وحمولة من الكلور، في تصميم يهدف إلى إحداث أضرار انفجارية ونشر مادة خانقة في الوقت نفسه. كما أشارت الوثائق إلى وجود منشآت لتجميع الذخائر، وعمليات اختبار في مناطق صحراوية، ومراسلات بين أشخاص نسبت إليهم أدوار في إدارة المشروع والإشراف على مراحله المختلفة.

وتبرز أهمية هذه المعلومات في أنها لا تتحدث عن حادثة منفردة أو استخدام عارض لمادة كيميائية، وإنما ترسم، إذا صحت، صورة مشروع يتضمن سلسلة من الأنشطة المتكاملة، تبدأ بتوفير المواد الخام، وتمر بعمليات التصنيع والتجميع والاختبار، وتنتهي بتخزين الذخائر وتجهيزها للاستخدام العسكري. وهذا الفارق جوهري في التقييم القانوني والسياسي، لأن امتلاك برنامج منظم لتطوير ذخائر كيميائية يثير أسئلة تتجاوز مسؤولية منفذي هجوم بعينه، لتصل إلى المسؤولية عن التخطيط والإنتاج والتخزين والإشراف.

وبحسب ما نشرته «واشنطن بوست»، فإن الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة تضمنت إشارات إلى مخزون قد يصل إلى نحو 290 ذخيرة كيميائية، بينما تحدثت تقارير أخرى عن تصنيع قرابة 300 ذخيرة بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2024. كما وردت معلومات عن استيراد 20 أسطوانة من الكلور من مصر، قيل إنها تكفي لإنتاج نحو 1100 قنبلة، إلى جانب الحصول على كميات إضافية من مصادر محلية.

أما «نيويورك تايمز»، فقد عرضت مواد قالت إنها تتضمن مخططات لذخائر، ومراسلات صوتية ونصية، وصوراً لمكونات عسكرية، إضافة إلى مقاطع فيديو لاختبارات في الصحراء ظهرت خلالها سحب صفراء مائلة إلى الأخضر، وهي ألوان وصفها خبراء استشارتهم الصحيفة بأنها تتوافق مع خصائص غاز الكلور في ظروف معينة.

ولا تعني هذه المواد، بمفردها، أن كل تفصيل ورد فيها أصبح حقيقة قضائية نهائية، لكنها ترفع مستوى خطورة الاتهامات، خصوصاً أن التحقيقات لم تعتمد على نشر صور مجردة، بل تضمنت محاولات لفحص المواد الرقمية ومقارنتها بالمعلومات المتاحة عن المواقع والأشخاص والأحداث.

وفي المقابل، أشار خبراء إلى أن الصور وحدها لا تكفي لإثبات طبيعة كل ذخيرة أو تحديد المادة الموجودة داخلها بصورة قاطعة، وأن الوصول إلى نتيجة نهائية يتطلب فحصاً ميدانياً للمواقع والعبوات المشتبه فيها، وتحليل بقايا المواد الكيميائية، ومقابلة الشهود، ومراجعة السجلات العسكرية وسلاسل الإمداد.

وهنا تحديداً تتضح أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إذ إن التقارير الإعلامية، مهما بلغت درجة توثيقها، لا تستطيع أن تحل محل التحقيق الفني الذي تجريه جهة دولية مختصة وفق قواعد وإجراءات تسمح بتحديد طبيعة المادة المستخدمة، وكيفية وصولها إلى الموقع، والظروف التي تعرض فيها الأشخاص لها.

وقد نقلت «واشنطن بوست» عن خبراء ومسؤولين سابقين في مجال حظر الأسلحة الكيميائية أن المواد المنشورة تتضمن مؤشرات مثيرة للقلق ومتسقة مع وجود برنامج كيميائي، لكنهم شددوا في الوقت نفسه على أن الحسم النهائي يتطلب الوصول إلى المواقع والأدلة والشهود.

الكلور.. مادة مدنية تتحول إلى سلاح محظور

يمثل غاز الكلور أحد أكثر عناصر الملف إثارة للقلق، ليس فقط بسبب خصائصه السامة، وإنما أيضاً لأنه مادة ذات استخدامات مدنية وصناعية واسعة، خصوصاً في معالجة مياه الشرب وتعقيم المنشآت والمرافق الصحية. وهذه الازدواجية تجعل مراقبة تداوله أكثر تعقيداً مقارنة ببعض المواد الكيميائية التي لا توجد لها استخدامات مدنية واسعة.

فالكلور عنصر أساسي في العديد من أنظمة تنقية المياه، وتستخدمه المؤسسات الإنسانية والصحية للحد من انتشار البكتيريا والأمراض المنقولة عبر المياه، خصوصاً في البيئات التي تعاني انهيار البنية التحتية وتراجع خدمات الصرف الصحي. لكن هذه المادة نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة قتل وإصابة عندما تستخدم في ظروف تسمح بانتشار الغاز السام واستنشاقه بتركيزات خطرة.

وتكمن خطورة استنشاق الكلور في تأثيره المباشر على الجهاز التنفسي، إذ يتفاعل مع الرطوبة الموجودة في الأغشية المخاطية، مسبباً تهيجاً والتهابات قد تصيب الأنف والحلق والقصبات الهوائية والرئتين. وقد تظهر الأعراض في صورة سعال شديد، وضيق في التنفس، وألم في الصدر، وتهيج في العينين، وفي الحالات الشديدة قد يتطور الأمر إلى إصابات رئوية حادة أو وذمة رئوية قد تهدد الحياة.

ولا تتوقف الخطورة عند الأشخاص الذين يتعرضون للغاز لحظة الهجوم، إذ يمكن أن يعاني بعض المصابين من مضاعفات تنفسية تستمر بعد انتهاء التعرض، تبعاً لتركيز الغاز ومدته والظروف الصحية للشخص المصاب. كما أن الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضاً تنفسية قد يكونون أكثر عرضة للمضاعفات.

وتزداد خطورة استخدام الكلور في المناطق المأهولة أو بالقرب من المنشآت الحيوية، لأن الغاز يمكن أن ينتشر وفق اتجاه الرياح والظروف الجوية وطبيعة المكان، ما يجعل تحديد دائرة الخطر أمراً بالغ الصعوبة في غياب أجهزة الرصد والإنذار وفرق الاستجابة المتخصصة.

ومن الناحية العسكرية، لا يحتاج استخدام الكلور إلى تقنيات معقدة بالضرورة مقارنة بمواد كيميائية أخرى أكثر تطوراً، وهو ما يفسر استمرار المخاوف الدولية من إمكانية توظيفه في النزاعات المسلحة. غير أن بساطة المادة نسبياً لا تقلل من خطورة استخدامها، ولا تمنح أي طرف الحق في تحويلها إلى وسيلة للقتال.

وتزداد حساسية ما ورد في التحقيقات الصحفية بشأن احتمال الحصول على بعض أسطوانات الكلور من منشآت مخصصة لتنقية المياه، لأن تحويل مادة مخصصة لحماية الصحة العامة إلى أداة عسكرية يخلق تهديداً مزدوجاً: تهديداً مباشراً للأشخاص الذين يتعرضون للغاز، وتهديداً غير مباشر للسكان الذين يعتمدون على تلك المنشآت للحصول على مياه آمنة.

ووفقاً لما نشرته «نيويورك تايمز»، تضمنت المراسلات المنسوبة إلى مسؤولين في البرنامج المزعوم إشارات إلى أسطوانات كلور موجودة في منشأة المنارة لمعالجة المياه بأم درمان، بينما أكدت جهات إنسانية أنها قدمت إمدادات من الكلور لأغراض معالجة المياه خلال سنوات الحرب. وأوضحت اليونيسف أنها لا تملك سجلات تثبت تحويل أي من إمداداتها إلى استخدامات عسكرية، مشددة على أن الغرض من تلك الإمدادات هو جعل المياه صالحة للشرب.

وهذا التفصيل يفتح باباً بالغ الخطورة بشأن حماية المساعدات الإنسانية وسلاسل الإمداد المدني، إذ إن استغلال مواد تدخل ضمن برامج مكافحة الأوبئة والأمراض في أغراض عسكرية، إذا ثبت، من شأنه تقويض الثقة في عمليات الإغاثة وتعريض المجتمعات التي تعتمد عليها لمخاطر إضافية.

مصفاة الجيلي.. الموقع الذي أعاد الملف إلى الواجهة

تحتل مصفاة الجيلي النفطية، الواقعة شمال الخرطوم، موقعاً محورياً في الاتهامات المتعلقة باستخدام الكلور خلال الحرب السودانية، بالنظر إلى المعلومات التي ربطت بينها وبين حوادث وقعت في سبتمبر/أيلول 2024، عندما كانت المنشأة ومحيطها مسرحاً لمواجهات عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وتكمن أهمية الموقع في أنه لم يكن مجرد منطقة اشتباك عسكرية، بل منشأة استراتيجية ذات قيمة اقتصادية كبيرة، ترتبط بقطاع الطاقة والإمدادات النفطية، كما تقع في محيط جغرافي يضم مناطق سكنية ومرافق وطرقاً حيوية. وبالتالي فإن أي استخدام لمواد سامة في تلك المنطقة لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثاً عسكرياً محدوداً، خصوصاً إذا كانت هناك احتمالات لامتداد آثار التعرض إلى العاملين والسكان والمرافق المجاورة.

وبحسب التحقيقات المنشورة، شهد سبتمبر/أيلول 2024 حادثتين مشتبه فيهما في استخدام الكلور بمحيط المصفاة، فيما تحدثت تقارير عن تعرض أشخاص لأعراض شملت صعوبات في التنفس وتهيجاً في العينين، مع تداول صور لأسطوانات متضررة ومشاهد لأشخاص يستخدمون وسائل حماية تنفسية.

كما أوردت المعلومات أن قوات الدعم السريع اتهمت الجيش باستخدام مواد سامة في محيط المصفاة، في وقت أشارت فيه تحقيقات صحفية لاحقة إلى وجود مؤشرات تتعلق بأسطوانات كلور ظهرت في مواقع مرتبطة بالهجمات.

لكن ما يزيد الملف تعقيداً أن طبيعة بعض العبوات التي ظهرت في الصور أثارت تساؤلات فنية حول ما إذا كانت ذخائر مصنعة خصيصاً للاستخدام الكيميائي أم أسطوانات غاز تعرضت للسقوط والانفجار أثناء العمليات العسكرية. وقد أشارت تقارير إلى أن هذه الأسطوانات بدت مختلفة عن بعض الذخائر التي تحدثت عنها الوثائق المتعلقة بالبرنامج المزعوم.

وهذا الاختلاف لا ينبغي تجاهله، لأنه يوضح ضرورة التمييز بين الأدلة التي تشير إلى وجود مشروع لتصنيع ذخائر كيميائية، والأدلة التي تثبت أن ذخيرة بعينها استخدمت في هجوم محدد. فإثبات أحد الأمرين لا يعني تلقائياً ثبوت الآخر، كما أن وجود مخزون من الذخائر لا يحدد وحده عدد الهجمات التي نفذت أو طبيعة الأهداف التي استهدفت.

وتبرز هنا أهمية التحقيق الميداني المستقل، الذي يستطيع تحديد نوع الأسطوانات والعبوات، وفحص بقايا المواد الكيميائية، ومطابقة آثار الانفجار مع طبيعة الذخائر المحتملة، فضلاً عن مراجعة السجلات الطبية وشهادات العاملين والسكان الذين كانوا موجودين في المنطقة وقت وقوع الحوادث.

إن مصفاة الجيلي تمثل اختباراً عملياً لقدرة المجتمع الدولي على تحويل المعلومات المتداولة إلى أدلة فنية وقانونية قابلة للاعتماد، بعيداً عن الروايات العسكرية المتضاربة، وبما يسمح بتحديد ما إذا كان ما وقع في سبتمبر/أيلول 2024 مجرد استخدام غير مشروع لمادة كيميائية، أم جزءاً من برنامج عسكري أوسع.

كما أن عدم حسم هذه الوقائع حتى الآن يترك العاملين والسكان في حالة من القلق، ويجعل المطالبة بالتحقيق أكثر إلحاحاً، خصوصاً أن المنشآت النفطية والصناعية قد تضم مواد كيميائية متعددة، ويحتاج تقييم المخاطر فيها إلى خبراء في السموم والبيئة والصحة المهنية، وليس إلى تقديرات سياسية أو عسكرية فقط.

من الخسائر البشرية إلى تلوث البيئة.. الخطر الذي لا ينتهي بانتهاء المعركة

إذا كانت الآثار المباشرة لاستخدام الأسلحة الكيميائية تظهر في إصابات الجهاز التنفسي والجلد والعينين، فإن الجانب الأكثر تعقيداً في الحالة السودانية يرتبط بالتداعيات المحتملة على البيئة والموارد الطبيعية، خصوصاً في بلد يعتمد قطاع واسع من سكانه على الزراعة والرعي والموارد المائية في تأمين احتياجاتهم اليومية ومصادر دخلهم.

ويحذر مختصون من أن استخدام المواد الكيميائية السامة في مناطق النزاع قد يخلق مخاطر تتجاوز نطاق الهجوم نفسه، لا سيما عندما تقع الحوادث بالقرب من مصادر المياه أو المنشآت الزراعية أو المناطق التي تعتمد على الآبار والموارد الطبيعية. ففي بيئة تعاني أصلاً تراجع الخدمات الأساسية وتضرر البنية التحتية، قد يؤدي أي تلوث كيميائي إلى مضاعفة الأعباء الصحية والاقتصادية على السكان.

ويعيد هذا الاحتمال إلى الواجهة تحذيرات المحلل السياسي والكاتب الصحفي السوداني كمبال عبدالواحد، الذي يرى أن خطورة استخدام الأسلحة الكيميائية لا تتوقف عند الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى تهديد التوازن البيئي عبر احتمالات تسرب المواد السامة إلى التربة ومصادر المياه، بما ينعكس على الأنشطة الزراعية والرعوية وسبل عيش المجتمعات المحلية.

ويربط عبدالواحد هذه المخاطر بما وصفه بسياسة «الأرض المحروقة»، مستحضراً التجارب التي عاشتها مناطق دارفور خلال العقود الماضية، حيث أدت الحرب والتهجير وتدمير الموارد إلى إضعاف قدرة السكان على العودة إلى مناطقهم واستعادة أنشطتهم الاقتصادية.

غير أن تقييم الأثر البيئي للكلور يحتاج إلى قدر من الدقة العلمية، إذ لا يعني كل استخدام للغاز بالضرورة أن التربة والمياه ستظل ملوثة لعقود. فالكلور مادة شديدة التفاعل، ويمكن أن يتبدد أو يتحول كيميائياً تبعاً للظروف البيئية وتركيز المادة وطبيعة الوسط الذي تعرض لها. لكن ذلك لا يلغي المخاطر، بل يجعل فحص المواقع المتضررة ضرورياً لتحديد ما إذا كانت هناك بقايا كيميائية أو ملوثات أخرى مصاحبة للذخائر أو ناتجة عن الانفجارات.

وتتضاعف أهمية هذه الفحوص عندما يتعلق الأمر بمناطق زراعية أو مصادر مياه يعتمد عليها السكان بصورة مباشرة، لأن أي تلوث مؤكد قد يفرض قيوداً على استخدام بعض الموارد، ويحتاج إلى إجراءات للمعالجة والمراقبة الصحية والبيئية. كما أن غياب المعلومات الموثوقة قد يؤدي إلى حالة من الخوف الجماعي، تدفع السكان إلى تجنب أراضٍ أو آبار حتى قبل تحديد مستوى الخطر الفعلي.

وفي السودان، لا يمكن فصل هذه المخاطر عن طبيعة الاقتصاد المحلي، حيث تشكل الزراعة والرعي مصدر دخل رئيسياً لملايين الأشخاص، كما ترتبط حياة المجتمعات الريفية ارتباطاً وثيقاً بالمياه والغطاء النباتي والمراعي الطبيعية. وإذا ثبت تلوث مورد مائي أو منطقة زراعية، فإن الخسارة لن تكون بيئية فقط، بل قد تتحول إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تدفع الأسر إلى فقدان مصادر دخلها والبحث عن مناطق أكثر أمناً.

وتظهر خطورة هذه المعادلة بصورة أكبر في المناطق التي تعاني أصلاً النزوح وانعدام الأمن الغذائي، إذ إن فقدان الأراضي أو تعذر الوصول إلى مصادر المياه قد يضعف قدرة الأسر على الاستقرار، ويجعلها أكثر اعتماداً على المساعدات الإنسانية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإغاثية صعوبات كبيرة في الوصول إلى ملايين المحتاجين.

كما أن الضرر المحتمل لا يقتصر على المزارعين والرعاة، بل يمكن أن يمتد إلى الأسواق المحلية وسلاسل إنتاج الغذاء، إذ إن الشكوك بشأن سلامة المياه أو المنتجات الزراعية قد تؤثر في حركة التجارة وتضعف ثقة المستهلكين، حتى قبل صدور نتائج علمية تثبت وجود تلوث.

ومن هنا، فإن أي تحقيق دولي جاد في الاتهامات الكيميائية ينبغي ألا يقتصر على تحديد المسؤولية العسكرية، وإنما يجب أن يتضمن مسحاً بيئياً للمواقع المشتبه فيها، وفحصاً لمصادر المياه والتربة، وتقييماً للأضرار الصحية المحتملة، ووضع آليات لمراقبة طويلة الأمد إذا أظهرت النتائج وجود تلوث يستدعي ذلك.

ويؤكد كمبال عبدالواحد أن تجاهل هذا الجانب قد يحول آثار الحرب إلى تهديد ممتد للأجيال المقبلة، خصوصاً في ظل تراجع قدرة المؤسسات السودانية على تقديم الخدمات الصحية والبيئية، مشيراً إلى أن حماية المدنيين لا تكتمل بمجرد وقف الهجمات، وإنما تتطلب معالجة الآثار التي تتركها الأسلحة والمواد السامة على حياة السكان ومصادر رزقهم.

وتتجاوز المسألة، في هذا السياق، حدود إثبات استخدام الكلور من عدمه، لتصل إلى مسؤولية الجهات المعنية عن توفير المعلومات للسكان، وتحديد المناطق التي قد تحتاج إلى فحص، وضمان عدم تعرض المجتمعات لمخاطر إضافية نتيجة غياب الشفافية أو عدم توفر الإمكانات الفنية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا الملف هو أن تتحول المناطق التي شهدت هجمات مشتبه فيها إلى مساحات مجهولة المخاطر، لا يعرف السكان فيها ما إذا كانت المياه آمنة أو التربة صالحة للزراعة، بينما تغيب عمليات الرصد والفحص المستقل. ففي هذه الحالة، يصبح الخوف نفسه عاملاً إضافياً في تفكيك المجتمعات المحلية ودفعها إلى النزوح، حتى عندما لا يكون التلوث قد ثبت علمياً.

دارفور تعود إلى الذاكرة.. تاريخ الاتهامات الكيميائية في السودان

لا يمكن قراءة الاتهامات الحالية بمعزل عن التاريخ الطويل الذي ارتبط فيه اسم السودان بمزاعم امتلاك قدرات كيميائية أو استخدام مواد محظورة في النزاعات الداخلية. فالقضية لم تظهر للمرة الأولى مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، بل تعود جذورها إلى عقود سابقة، شهدت خلالها البلاد اتهامات متكررة بشأن أنشطة كيميائية محتملة، وإن اختلفت طبيعة الأدلة والظروف السياسية والعسكرية من مرحلة إلى أخرى.

ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الحديث عن قدرات كيميائية سودانية بدأ منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتجدد الاتهامات عام 1998، عندما ظهرت تقارير أمريكية تحدثت عن حصول السودان على خبرات ومساعدات إقليمية مرتبطة بهذا المجال.

وقد ارتبطت تلك الاتهامات في ذلك الوقت بالسياق الأمني والسياسي الذي عاشته البلاد، وبالعلاقات التي أقامتها حكومة الرئيس السابق عمر البشير مع أطراف إقليمية ودولية كانت محل اهتمام أجهزة الاستخبارات الغربية. كما تزامنت مع تصاعد الشكوك الأمريكية بشأن الأنشطة العسكرية والأمنية السودانية، في ظل التوترات التي طبعت علاقات الخرطوم بواشنطن خلال تسعينيات القرن الماضي.

ومع مرور السنوات، لم تختفِ المخاوف المرتبطة بهذا الملف، بل عادت بصورة أكثر حدة خلال الحرب في دارفور، عندما أصدرت منظمة العفو الدولية عام 2016 تقريراً اتهمت فيه القوات السودانية باستخدام أسلحة كيميائية في منطقة جبل مرة.

واستند التقرير إلى توثيق 32 هجوماً مشتبهاً في استخدام مواد كيميائية أو حارقة للجلد، وتحدث عن شهادات وصور ومعلومات تتعلق بإصابات خطيرة ظهرت على أشخاص، بينهم أطفال، في أعقاب هجمات نسبت إلى القوات الحكومية.

وكانت تلك الاتهامات قد أثارت مطالبات بإجراء تحقيق دولي مستقل، خصوصاً أن منطقة جبل مرة كانت آنذاك مسرحاً لعمليات عسكرية واسعة، شهدت نزوحاً سكانياً وتدميراً للمنازل والمرافق المدنية، وسط صعوبات كبيرة في وصول المنظمات الإنسانية والجهات المستقلة إلى مناطق المواجهات.

ومع ذلك، لم تتحول تلك الاتهامات إلى مسار تحقيق دولي شامل ينتهي بإعلان نتائج نهائية حاسمة بشأن جميع الوقائع المزعومة، وهو ما ترك أسئلة كثيرة معلقة بشأن طبيعة المواد المستخدمة والمسؤوليات العسكرية والسياسية المرتبطة بها.

وتكتسب هذه الخلفية أهمية إضافية اليوم، لأنها تكشف أن الاتهامات الكيميائية ليست تطوراً منفصلاً عن تاريخ النزاعات السودانية، بل قضية عادت إلى الواجهة مع كل مرحلة من مراحل التصعيد العسكري، من دون أن تنجح المؤسسات الدولية في إغلاق الملف بصورة تضع حداً للشكوك.

لكن المقارنة بين اتهامات دارفور عام 2016 والاتهامات الحالية تقتضي عدم التعامل مع جميع الوقائع باعتبارها متطابقة، إذ إن لكل مرحلة أدلتها وسياقها، كما أن طبيعة المواد التي يجري الحديث عنها ودرجة التوثيق المتاحة تختلف من حالة إلى أخرى.

ومع ذلك، فإن تكرار ظهور هذه الاتهامات يطرح سؤالاً جوهرياً بشأن قدرة المؤسسات الدولية على منع تكرار استخدام الأسلحة المحظورة، ومدى فاعلية الرقابة المفروضة على الأنشطة العسكرية الكيميائية، خصوصاً في الدول التي تشهد نزاعات مسلحة وتراجعاً في مؤسسات الرقابة والمحاسبة.

ومن هنا، فإن التحقيق في الوقائع الحالية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره استجابة مؤقتة لتقارير صحفية جديدة، بل باعتباره فرصة لإعادة فتح ملف أوسع يتعلق بمستقبل الالتزامات السودانية في مجال حظر الأسلحة الكيميائية، وكشف حقيقة الأنشطة السابقة والحالية، ومنع الإفلات من المساءلة.

العقوبات الأمريكية.. أول اعتراف دولي رسمي بخطورة الاتهامات

شكل قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات مرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان خلال مايو/أيار 2025 نقطة تحول مهمة في مسار القضية، إذ انتقلت الاتهامات من دائرة التقارير الحقوقية والإعلامية إلى مستوى الإجراءات الحكومية الرسمية.

وأعلنت واشنطن آنذاك أنها توصلت إلى تقييم يفيد بأن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال العام السابق، أي في 2024، وهو ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات عقابية بموجب القوانين الأمريكية ذات الصلة بالأسلحة الكيميائية.

وتكمن أهمية هذا القرار في أنه لم يكن مجرد تعبير عن القلق السياسي، وإنما استند إلى تقييم استخباراتي أمريكي اعتبر أن هناك أساساً كافياً لاتخاذ إجراءات ضد السودان. ورغم أن واشنطن لم تكشف في ذلك الوقت عن جميع تفاصيل الأدلة التي استندت إليها، فإن العقوبات شكلت مؤشراً على أن الاتهامات أصبحت جزءاً من حسابات الأمن القومي الأمريكي والسياسة الخارجية تجاه الخرطوم.

كما أعادت هذه الخطوة طرح تساؤلات بشأن طبيعة المواد الكيميائية التي استخدمت، والجهات التي وفرتها، والمسؤولين الذين أشرفوا على تطوير الذخائر أو استخدامها، خصوصاً أن العقوبات جاءت في وقت كانت فيه الحرب السودانية تشهد تصعيداً واسعاً، وسط اتهامات متبادلة بارتكاب انتهاكات خطيرة ضد المدنيين.

ولم تتوقف التداعيات عند القرار الأول، إذ استمرت الإجراءات الأمريكية المرتبطة بشبكات التوريد والشخصيات التي اعتبرتها واشنطن ذات صلة بالأنشطة العسكرية محل التحقيق. وفي يونيو/حزيران 2026، شملت إجراءات أمريكية مسؤولاً عسكرياً ورد اسمه في التحقيقات الصحفية بشأن البرنامج الكيميائي المزعوم، بسبب دوره في أنشطة المشتريات العسكرية واستيراد مواد متفجرة ومكونات مرتبطة بالتصنيع.

وتشير هذه التطورات إلى أن واشنطن لا تنظر إلى القضية باعتبارها واقعة انتهت بمجرد فرض العقوبات الأولى، بل باعتبارها ملفاً يتضمن شبكات وأشخاصاً ومصادر إمداد تحتاج إلى متابعة وتدقيق.

لكن العقوبات، رغم أهميتها، لا تستطيع وحدها تقديم إجابات عن جميع الأسئلة المتعلقة بالبرنامج المزعوم، فهي قد ترفع تكلفة استمرار الأنشطة وتدفع الجهات المعنية إلى وقفها، لكنها لا تكشف بالضرورة مصير الذخائر التي قيل إنها أنتجت، ولا تحدد بصورة قضائية المسؤوليات الفردية عن الهجمات المحتملة.

ويشير تقييم المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن العقوبات الأمريكية التي فرضت في مايو/أيار 2025 ربما أسهمت في ردع استخدام جديد لهذه الأسلحة، مع ورود معلومات تفيد بأن البرنامج المزعوم توقف بعد الجولة الأولى من العقوبات.

غير أن توقف النشاط لا يعني انتهاء المخاطر، خصوصاً أن الأسئلة المتعلقة بمصير المخزون المحتمل لا تزال قائمة. فإذا كانت المعلومات بشأن إنتاج مئات الذخائر صحيحة، فأين ذهبت هذه الذخائر؟ وهل جرى تدميرها؟ وهل لا تزال مخزنة في مواقع عسكرية؟ وهل تم نقلها إلى مناطق أخرى؟ ومن يملك سلطة التصرف فيها؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلية أو ثانوية، بل تمثل جوهر أي عملية تحقق دولية حقيقية، لأن خطر الأسلحة الكيميائية لا يرتبط فقط بقرار استخدامها، وإنما أيضاً بإمكانية وصولها إلى جهات أخرى أو بقائها في مستودعات غير خاضعة للرقابة.

كما أن غياب المعلومات بشأن مصير المخزون المحتمل قد يخلق مخاطر أمنية إضافية في بلد يعاني تفكك المؤسسات وتعدد مراكز القوة العسكرية، ويشهد استمرار المواجهات وتغير السيطرة على المواقع والمنشآت.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن تتجاوز العقوبات هدف الضغط السياسي إلى مسار أكثر شمولاً، يضمن الكشف عن أماكن التخزين، والتحقق من مصير المواد الكيميائية، وتحديد الجهات التي كانت مسؤولة عن إدارتها، وتقديم ضمانات دولية بشأن عدم تكرار استخدامها.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.. اختبار المصداقية أمام العالم

تتجه الأنظار بصورة متزايدة إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية «OPCW»، باعتبارها المؤسسة الدولية الأكثر اختصاصاً بالتعامل مع الاتهامات المتعلقة باستخدام هذه الأسلحة، والتحقق من طبيعة المواد الكيميائية المشتبه فيها، ومراقبة التزام الدول الأطراف بالاتفاقية الدولية.

وتنبع أهمية المنظمة من أن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لا تكتفي بمنع استخدام هذه الأسلحة في الحروب، بل تحظر أيضاً تطويرها وإنتاجها وامتلاكها وتخزينها ونقلها، وتضع إطاراً دولياً للرقابة على الأنشطة الكيميائية ذات الصلة.

وقد انضم السودان إلى الاتفاقية عام 1999، وأصبح ملزماً بأحكامها، بما في ذلك الالتزامات المتعلقة بالإعلان عن الأنشطة والمنشآت ذات الصلة، والتعاون مع المنظمة، وتقديم المعلومات المطلوبة بشأن المواد الكيميائية الخاضعة للرقابة.

وتزداد حساسية الملف لأن السودان يشغل مقعداً في المجلس التنفيذي للمنظمة حتى مايو/أيار 2027، وهو ما يثير تساؤلات سياسية ومؤسسية بشأن وجود دولة تواجه اتهامات جدية بتطوير أسلحة كيميائية واستخدامها داخل هيئة تشارك في إدارة النظام الدولي المسؤول عن حظر هذه الأسلحة.

ولا يعني وجود السودان في المجلس التنفيذي أن الاتهامات ثبتت قانونياً، أو أن العضوية تمنحه حصانة من التحقيق، لكن استمرار القضية من دون مسار واضح للتحقق يضع مصداقية نظام حظر الأسلحة الكيميائية أمام اختبار حقيقي.

فمن الصعب إقناع المجتمع الدولي بفاعلية الاتفاقيات الدولية إذا بقيت الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة محظورة معلقة، من دون تمكين المؤسسات المختصة من الوصول إلى المواقع وجمع الأدلة ومراجعة الوثائق ذات الصلة.

وتتيح الاتفاقية آليات متعددة للتعامل مع حالات الاشتباه، من بينها عمليات التفتيش والتحقق، وإجراءات التحقيق في الادعاءات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، وفق القواعد المنصوص عليها في الاتفاقية وبما يضمن سلامة الإجراءات الفنية والقانونية.

ومن الناحية العملية، يحتاج أي تحقيق في السودان إلى فرق متخصصة تستطيع التعامل مع المواقع التي يشتبه في تعرضها لهجمات كيميائية، وجمع العينات من دون تلويثها، وتحليل بقايا المواد، وفحص العبوات والأسطوانات، ومقارنة النتائج بالمعلومات التي وردت في الوثائق والصور المنشورة.

كما يتطلب التحقيق مراجعة السجلات المتعلقة باستيراد الكلور وتخزينه وتوزيعه، والتدقيق في المنشآت التي كانت تتعامل مع هذه المواد، ومقارنة الكميات المستوردة بالاستخدامات المدنية المعلنة، وصولاً إلى تحديد ما إذا كانت هناك تحويلات غير مشروعة للمواد إلى أغراض عسكرية.

ولا يقل الجانب المتعلق بالشهود أهمية عن الفحوص المخبرية، إذ إن شهادات العاملين في المواقع المستهدفة والسكان والأطقم الطبية قد تساعد على تحديد توقيت الهجمات، وطبيعة الأعراض التي ظهرت، والظروف الجوية والمكانية التي رافقت الحوادث.

لكن تنفيذ هذه الإجراءات يصطدم بتحديات كبيرة، أبرزها استمرار الحرب، وتدهور الوضع الأمني، وصعوبة الوصول إلى المواقع التي شهدت الهجمات، فضلاً عن احتمال تعرض الأدلة للتلف أو التغيير مع مرور الوقت.

كما أن التحقيقات الكيميائية تتطلب ضمانات بشأن سلامة الفرق الفنية واستقلاليتها، حتى لا تتحول إلى جزء من الصراع السياسي بين الأطراف المتحاربة، أو تتعرض نتائجها للتشكيك بسبب غياب الشفافية.

ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن السودان رفض الاتهامات مجدداً في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، خلال اجتماع للجنة الأولى التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكداً التزامه باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وهذا الموقف يضع الخرطوم أمام مسؤولية تقديم أدلة عملية تدعم نفيها، وليس الاكتفاء بالتصريحات السياسية، خصوصاً أن الحكومة السودانية سبق أن أعلنت رفضها للاتهامات، وأكدت استعدادها لإظهار التزامها بالاتفاقية.

وفي المقابل، فإن على المجتمع الدولي ألا يتعامل مع الاتهامات باعتبارها أحكاماً نهائية قبل اكتمال التحقيق، بل عليه توفير آلية مستقلة وشفافة تسمح بفحص جميع الأدلة، بما فيها المواد التي تقدمها السلطات السودانية، والوثائق التي نشرتها المؤسسات الصحفية، والمعلومات التي توفرها الجهات الدولية.

إن نجاح المنظمة في التعامل مع الملف سيحدد إلى حد كبير مدى قدرة النظام الدولي على فرض احترام اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدولة تعيش حرباً داخلية وتواجه اتهامات باستخدام مواد محظورة ضد خصومها.

بريطانيا والأمم المتحدة.. ضغوط سياسية تبحث عن ترجمة عملية

على المستوى الأوروبي، برز الموقف البريطاني باعتباره أحد المؤشرات المهمة على استمرار الاهتمام الدولي بالملف، خصوصاً بعد الرد الرسمي الذي قدمته الحكومة البريطانية أمام مجلس اللوردات في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وجاء الرد في سياق سؤال يتعلق بالتقارير التي تحدثت عن وجود أدلة على استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، وما إذا كانت لندن تعتزم إثارة القضية أمام مجلس الأمن الدولي.

وأكدت الحكومة البريطانية أنها تتابع التقارير الإعلامية المتعلقة بالاتهامات بعناية، وأنها تتعامل بجدية بالغة مع أي انتهاك محتمل لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، مشددة على أن السودان دولة طرف في الاتفاقية، وأن جميع الأطراف مطالبة بالالتزام بحظر تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وامتلاكها ونقلها واستخدامها.

والأكثر أهمية في الرد البريطاني أنه لم يقتصر على إبداء القلق، بل أشار إلى أن المسؤولين البريطانيين أثاروا هذه التقارير مع ممثلين عن القوات المسلحة السودانية، ودعوا السودان إلى استكمال تحقيقه بشأن الاتهامات وإبلاغ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بنتائجه.

ويكشف ذلك أن الضغوط الدولية بدأت تنتقل إلى مستوى المطالبة بتوضيحات رسمية، وأن القضية لم تعد محصورة في التراشق الإعلامي بين الأطراف السودانية، بل أصبحت موضوعاً للنقاش داخل المؤسسات الحكومية والبرلمانية الغربية.

وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول، أعادت الحكومة البريطانية تأكيد موقفها رداً على سؤال آخر بشأن الهجمات المشتبه فيها في مصفاة الجيلي، مشيرة إلى موقفها السابق من ضرورة التعامل الجاد مع الاتهامات والالتزام بأحكام الاتفاقية.

لكن هذه المواقف تطرح سؤالاً بشأن الخطوة التالية: هل ستتحول المطالبات السياسية إلى تحرك دولي يسمح بإجراء تحقيق مستقل، أم ستظل محصورة في التصريحات والاتصالات الدبلوماسية؟

فالمطالبة باستكمال التحقيق السوداني لا تكفي وحدها لتبديد المخاوف، خصوصاً أن المعلومات المنشورة في سبتمبر/أيلول 2026 أشارت إلى وجود وثائق تتعلق بلجنة تحقيق داخلية، وأن أحد الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في ملف البرنامج المزعوم كان له دور استشاري في التحقيق نفسه.

وتثير هذه المعلومة تساؤلات حول مدى استقلالية أي تحقيق داخلي، وضرورة إخضاع نتائجه للمراجعة الدولية، حتى لا تصبح المؤسسة التي يفترض أن تكشف الحقيقة جزءاً من دائرة الاتهامات نفسها.

أما الأمم المتحدة، فقد أصبحت أمام مسؤولية سياسية وإنسانية تتعلق بضرورة توفير الظروف التي تسمح بالتحقق من الوقائع، خصوصاً أن الحرب السودانية خلفت أزمة إنسانية واسعة النطاق، وتسببت في نزوح ملايين الأشخاص وتدمير قطاعات أساسية من البنية التحتية.

وإذا كانت الاتهامات الكيميائية تمثل جانباً من الأزمة، فإن خطورتها تكمن في أنها تضيف نوعاً جديداً من التهديد إلى بيئة إنسانية منهكة أصلاً، حيث يعاني السكان نقص الخدمات الطبية والغذاء والمياه، وتواجه المنظمات الإنسانية صعوبات في الوصول إلى المتضررين.

ومن هنا، لا ينبغي أن يكون التحرك الدولي مشروطاً فقط بحسابات التنافس السياسي أو توازنات النفوذ داخل مجلس الأمن، بل يجب أن يستند إلى ضرورة حماية المدنيين ومنع استخدام الأسلحة المحظورة، وضمان ألا تتحول الحرب إلى مساحة مفتوحة لتجاوز القواعد الدولية.

وتكشف المواقف البريطانية عن وجود مساحة للتحرك الدبلوماسي، لكنها تظل بحاجة إلى خطوات عملية، تشمل الضغط من أجل تمكين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من أداء دورها، وتوفير ضمانات لحماية الشهود، ومتابعة التحقيقات، وتقديم نتائجها إلى الهيئات الدولية المعنية. 

النفي السوداني.. بين المطالبة بالأدلة وضرورة التحقيق المستقل

في مواجهة الاتهامات المتصاعدة، تمسكت السلطات السودانية بنفي استخدام الأسلحة الكيميائية، مؤكدة التزامها بأحكام اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ورافضة ما وصفته بالادعاءات غير الصحيحة.

وقد نقلت «واشنطن بوست» عن رد رسمي سوداني أن مخزونات الكلور الموجودة في البلاد مخصصة حصرياً لمعالجة المياه والاستخدامات الصناعية والمدنية والطاقة، وأن الحكومة مستعدة لإثبات ذلك أمام أي جهة دولية مختصة.

كما أشار الرد إلى أن السودان عرض السماح لجهات أمريكية بإرسال فريق فني لزيارة البلاد والتحقق من الاتهامات، مؤكداً استعداده لتقديم المعلومات المتعلقة بمخزونات الكلور.

وتضمنت المواقف السودانية أيضاً اتهامات لجهات إقليمية بالوقوف وراء المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها بعض التحقيقات الصحفية، في محاولة، بحسب الرواية الرسمية، لصرف الانتباه عن مسؤوليات أطراف أخرى في الحرب.

ومن الناحية السياسية، لا يمكن تجاهل أن السودان أصبح ساحة لصراع إقليمي ودولي تتداخل فيه مصالح قوى متعددة، وأن المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالحرب قد تكون جزءاً من التنافس بين هذه الأطراف. لكن وجود صراع إقليمي لا يعني بالضرورة أن الأدلة المنشورة غير صحيحة، كما أن وجود وثائق وصور لا يعفي الجهات التي نشرتها من ضرورة إخضاعها للتحقق المستقل.

فالمعيار الحقيقي في هذه القضية لا ينبغي أن يكون هوية الجهة التي قدمت المعلومات أو موقفها السياسي من الجيش السوداني، وإنما مدى إمكانية التحقق من صحتها ومطابقتها للوقائع الميدانية.

وفي المقابل، فإن نفي السلطات السودانية لا يمكن اعتباره دليلاً كافياً على عدم وقوع الاستخدام، مثلما لا يمكن اعتبار العقوبات الأمريكية أو التحقيقات الصحفية وحدها حكماً قضائياً نهائياً على المسؤولية.

والمخرج الوحيد من هذا التضارب هو فتح المجال أمام تحقيق دولي مستقل، يتمتع بصلاحيات الوصول إلى المواقع والأدلة والسجلات، ويستطيع فحص الرواية الحكومية ومقارنتها بالمعلومات التي قدمتها المؤسسات الصحفية والجهات الاستخباراتية والخبراء.

كما أن التحقيق المستقل من شأنه أن يمنح السلطات السودانية فرصة لإثبات موقفها إذا كانت تنفي الاتهامات، بدلاً من الاكتفاء بالمواقف السياسية التي لا تحسم الجدل.

إن رفض التحقيق أو تعطيله، أياً كان الطرف المسؤول عنه، سيزيد الشكوك ويضعف الثقة الدولية، بينما يمكن للتعاون مع المؤسسات المختصة أن يشكل خطوة مهمة نحو كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فالسودان الذي يؤكد التزامه بالاتفاقية الدولية يمتلك مصلحة مباشرة في التعاون مع المنظمة المختصة، لأن الوصول إلى نتائج فنية مستقلة قد ينهي الاتهامات إذا لم تثبت، أو يحدد المسؤولين عنها إذا ثبتت، وفي الحالتين يكون التحقيق أكثر فائدة من استمرار حالة الإنكار والتشكيك المتبادل.

هل يمكن محاسبة المسؤولين؟.. القانون الدولي يضع السودان أمام اختبار جديد

لا تتوقف خطورة الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية عند الأبعاد العسكرية أو السياسية، بل تمتد إلى المسؤولية القانونية للأفراد والجهات التي قد تكون شاركت في التخطيط أو التصنيع أو إصدار الأوامر أو تنفيذ الهجمات. فالقانون الدولي لا يتعامل مع استخدام هذه الأسلحة باعتباره مجرد مخالفة لقواعد الاشتباك، وإنما باعتباره انتهاكاً بالغ الخطورة لقواعد تحظر وسائل قتال معينة لما تسببه من معاناة لا يمكن السيطرة على آثارها.

ويشكل انضمام السودان إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 1999 التزاماً قانونياً واضحاً بعدم تطوير هذه الأسلحة أو إنتاجها أو امتلاكها أو استخدامها. كما أن الاتفاقية تفرض على الدول الأطراف التعاون مع المنظمة الدولية، وتقديم المعلومات المطلوبة بشأن أنشطتها الكيميائية، والخضوع لآليات التحقق التي تهدف إلى منع انتشار الأسلحة المحظورة.

ولا تتعلق المسؤولية المحتملة بالشخص الذي ضغط على زر إطلاق الذخيرة أو نفذ الهجوم فقط، بل يمكن أن تشمل المستويات المختلفة التي شاركت في إعداد البرنامج وإدارته وتوفير مواده وإصدار الأوامر المرتبطة به، وفق الأدلة والقواعد القانونية المنطبقة على كل حالة.

وفي حال ثبوت أن هناك برنامجاً عسكرياً منظماً لإنتاج ذخائر كيميائية، فإن التحقيق يجب أن يحدد طبيعة التسلسل القيادي، والجهات التي تولت الإشراف على عمليات التصنيع والتخزين، ومصادر التمويل والإمداد، ومدى علم القيادات العسكرية والسياسية بطبيعة المشروع.

كما ينبغي تحديد ما إذا كانت هناك أوامر مباشرة باستخدام هذه الأسلحة، وما إذا كانت الهجمات قد استهدفت مواقع عسكرية فقط أم امتدت آثارها إلى المدنيين، وما إذا كان المسؤولون قد اتخذوا إجراءات لإخفاء الأدلة أو تعطيل عمليات التحقق.

وهذه التفاصيل ضرورية لأن المسؤولية القانونية لا تقوم على الموقع الوظيفي أو الرتبة العسكرية وحدهما، وإنما تتطلب إثبات عناصر المسؤولية الفردية، بما فيها طبيعة الدور الذي أداه الشخص، ومدى علمه بالوقائع، وعلاقته بالأوامر أو الأفعال محل التحقيق.

ومن المهم أيضاً التمييز بين انتهاك اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وبين الجرائم التي قد تنشأ عن استخدام هذه الأسلحة في ظروف معينة. فقد يشكل استخدام المواد الكيميائية المحظورة في نزاع مسلح جريمة حرب، إذا توافرت عناصرها القانونية، بينما قد تترتب مسؤولية أخرى إذا ثبت ارتباط الأفعال بهجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين وتوافرت شروط الجرائم ضد الإنسانية.

أما الوصول إلى توصيف قانوني أشد، مثل جريمة الإبادة الجماعية، فيحتاج إلى إثبات عناصر خاصة، بينها القصد المحدد الذي يتطلبه القانون الدولي، ولا يمكن استنتاجه تلقائياً من مجرد وقوع هجوم كيميائي.

وتكمن أهمية هذه التفرقة في أنها تمنع الخلط بين خطورة الانتهاك وبين الشروط القانونية اللازمة لإدانة الأشخاص أمام المحاكم المختصة.

وفي الحالة السودانية، يواجه أي مسار للمحاسبة تحديات معقدة، أبرزها استمرار الحرب، وتعدد الأطراف المسلحة، وصعوبة الوصول إلى الشهود، وتراجع مؤسسات العدالة، فضلاً عن احتمال إتلاف الأدلة أو نقل الذخائر والمعدات من المواقع التي شهدت الأنشطة المشتبه فيها.

لكن هذه الصعوبات لا تعني استحالة المساءلة، إذ يمكن البدء بتوثيق الأدلة الرقمية والوثائق والمراسلات، وجمع شهادات المتضررين، وتحديد المواقع، ومراجعة السجلات المتعلقة بالمواد الكيميائية، تمهيداً لإجراء التحقيقات الفنية والقانونية اللازمة.

كما يمكن للدول التي تمتلك معلومات ذات صلة أن تقدمها إلى المؤسسات الدولية المختصة، شريطة إخضاعها لإجراءات التحقق وحماية المصادر، وعدم تحويلها إلى أدوات للتوظيف السياسي.

إن القضية الأساسية هنا هي منع تحول مرور الوقت إلى وسيلة لإسقاط المسؤولية، لأن الجرائم الخطيرة لا ينبغي أن تختفي من ذاكرة المؤسسات الدولية لمجرد أن الحرب لا تزال مستمرة أو لأن الأطراف المتورطة المحتملة تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً.

السودان في قلب الحسابات الإقليمية.. لماذا يصعب الوصول إلى موقف دولي موحد؟

لا يمكن فصل تعثر المساءلة عن طبيعة الصراع الإقليمي والدولي المحيط بالحرب السودانية، إذ تحولت البلاد منذ اندلاع المواجهات إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح دول متعددة، لكل منها حساباتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

وقد أدى هذا التشابك إلى تعقيد المواقف الدولية، خصوصاً أن الأطراف الخارجية ليست متفقة على كيفية التعامل مع الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، كما تختلف تقديراتها بشأن مستقبل السلطة وترتيبات إنهاء الحرب.

وفي ظل هذه البيئة، يصبح الملف الكيميائي أكثر حساسية، لأنه يضع الدول التي تربطها علاقات سياسية أو أمنية بأطراف النزاع أمام اختبار صعب بين مصالحها الاستراتيجية والتزاماتها الدولية.

فإذا ثبت استخدام الأسلحة الكيميائية، فإن أي محاولة لتخفيف الضغط على المسؤولين أو تعطيل التحقيق قد تفسر باعتبارها تغليباً للحسابات السياسية على القواعد الإنسانية والقانونية.

كما أن غياب موقف دولي موحد يمنح الأطراف المتهمة مساحة للمناورة، ويجعل فرض إجراءات مشتركة أكثر صعوبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات مجلس الأمن أو توفير الدعم السياسي واللوجستي لعمليات التحقيق.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع استمرار الحرب، لأن القوى الدولية قد تعطي الأولوية لملفات أخرى، مثل وقف إطلاق النار، وتأمين الممرات الإنسانية، ومنع توسع النزاع، وتجنب انتقال المواجهات إلى دول الجوار.

لكن هذه الأولويات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتأجيل ملف الأسلحة الكيميائية، لأن التساهل مع استخدام وسائل القتال المحظورة قد يخلق سابقة خطيرة، ليس في السودان وحده، وإنما في النزاعات المسلحة الأخرى.

ومن جهة أخرى، فإن التركيز على الملف الكيميائي يجب ألا يؤدي إلى تجاهل الجرائم والانتهاكات الأخرى التي شهدتها الحرب السودانية، أو إلى التعامل مع استخدام هذه الأسلحة باعتباره القضية الإنسانية الوحيدة في البلاد.

فالسودان يواجه أزمة متعددة الأبعاد تشمل القتل والنزوح والعنف الجنسي والتجويع وتدمير البنية التحتية وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وهي انتهاكات تحتاج بدورها إلى التحقيق والمحاسبة.

غير أن خطورة الأسلحة الكيميائية تكمن في أنها تضيف بعداً جديداً إلى هذه الكارثة، إذ قد تترك آثاراً صحية وبيئية تحتاج إلى تدخلات متخصصة، وقد تؤدي إلى فقدان السكان الثقة في سلامة المناطق التي يعيشون فيها أو يعتمدون عليها في الحصول على المياه والغذاء.

ولهذا فإن التعامل مع القضية يتطلب مقاربة دولية شاملة، لا تكتفي بالعقوبات أو الإدانات، وإنما تجمع بين التحقيق الفني والمحاسبة القانونية والإجراءات الوقائية والإنسانية.

مصير الذخائر والمخزون السري.. السؤال الذي لا تستطيع العقوبات الإجابة عنه

من بين أكثر الجوانب إثارة للقلق في التحقيقات المتعلقة بالبرنامج الكيميائي المزعوم، مسألة مصير الذخائر التي قيل إنها أنتجت خلال عام 2024.

فإذا كانت المعلومات التي نشرتها الصحف الدولية بشأن تصنيع نحو 300 ذخيرة بحلول أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام صحيحة، فإن تحديد مصير هذه الكميات يصبح أولوية لا تقل أهمية عن التحقيق في الهجمات التي يشتبه في وقوعها.

وهناك عدة أسئلة تفرض نفسها في هذا السياق: هل جرى استخدام جميع الذخائر التي أنتجت؟ هل بقي جزء منها في مستودعات عسكرية؟ هل نقلت إلى قواعد جوية أخرى؟ هل تم تفكيكها بعد فرض العقوبات الأمريكية؟ وهل جرى التخلص من المواد الكيميائية المتبقية وفق المعايير الدولية؟

ولا يمكن اعتبار توقف البرنامج المزعوم، إذا تأكد، نهاية للمشكلة، لأن الأسلحة الكيميائية قد تبقى خطراً حتى عندما تتوقف الجهة التي صنعتها عن تطويرها أو استخدامها.

كما أن وجود مخزون غير معلن، في حال ثبوته، يطرح تحديات تتعلق بأمن المنشآت العسكرية وسلامة العاملين فيها، وإمكانية تسرب المواد أو وقوعها في أيدي جهات أخرى في ظل استمرار النزاع.

وتزداد هذه المخاوف في بلد يشهد تغيرات مستمرة في السيطرة على المناطق العسكرية، وتضرر بعض المنشآت، وانقسام المؤسسات، وتعدد القوى المسلحة.

ومن هنا، فإن أي اتفاق مستقبلي بشأن وقف إطلاق النار أو ترتيبات الانتقال السياسي ينبغي ألا يتجاهل مسألة الأسلحة الكيميائية، بل يجب أن يتضمن آليات للتحقق من المخزونات والمواد ذات الصلة، وضمان عدم استخدامها أو نقلها بصورة غير مشروعة.

كما ينبغي أن تكون هناك خطة واضحة للتعامل مع المواقع المشتبه في احتوائها على ذخائر أو مواد كيميائية، تحت إشراف خبراء مختصين، بما يحمي العاملين والسكان ويمنع وقوع حوادث إضافية.

ولا يمكن أن يقتصر هذا المسار على تصريحات عامة بشأن وقف البرنامج، بل يجب أن يستند إلى بيانات دقيقة، وجرد للمواد والمعدات، وسجلات يمكن مراجعتها دولياً، وإجراءات للتحقق من التخلص الآمن من أي مخزون محظور.

إن غياب الإجابات بشأن مصير هذه الذخائر قد يحول القضية من ملف يتعلق بانتهاكات وقعت خلال مرحلة سابقة من الحرب إلى تهديد مستمر يمكن أن يظهر في أي مرحلة لاحقة.

المدنيون الحلقة الأضعف.. من يتحمل كلفة استخدام الأسلحة المحظورة؟

وسط الجدل السياسي والعسكري بشأن المسؤولية عن استخدام الأسلحة الكيميائية، يبقى المدنيون الأكثر عرضة لدفع ثمن أي تصعيد جديد أو أي محاولة لإخفاء آثار الهجمات.

فالسكان الذين يعيشون بالقرب من المواقع العسكرية والمنشآت الصناعية لا يملكون في الغالب وسائل معرفة طبيعة المواد المستخدمة أثناء القصف، كما أن انهيار الخدمات الصحية يجعل الاستجابة للإصابات الكيميائية أكثر صعوبة.

وفي المناطق التي تعاني نقص الأطباء والأدوية والمعدات الطبية، قد يؤدي التعرض لمواد سامة إلى مضاعفة مخاطر الإصابة، خصوصاً عندما يتأخر وصول المصابين إلى المستشفيات أو لا تتوفر وسائل التشخيص والعلاج المناسبة.

كما أن الخوف من التعرض للمواد الكيميائية قد يدفع العائلات إلى مغادرة منازلها ومزارعها، حتى في غياب معلومات مؤكدة عن استمرار التلوث، الأمر الذي يضيف موجات نزوح جديدة إلى أزمة سكانية تعد من الأكبر عالمياً.

ولا يمكن إغفال الأثر النفسي لهذه الاتهامات، إذ إن احتمال استخدام أسلحة كيميائية يخلق شعوراً مختلفاً بالخطر لدى السكان، لأن التهديد لا يكون مرئياً دائماً، وقد لا يعرف الشخص ما إذا كان الهواء الذي يتنفسه أو المكان الذي يقيم فيه آمناً.

وتصبح هذه المخاوف أكثر حدة عندما تغيب المعلومات الرسمية والبيانات الطبية والبيئية الموثوقة، أو عندما تتضارب التصريحات بشأن طبيعة الهجمات والمواد المستخدمة.

ولذلك فإن مسؤولية حماية المدنيين تتطلب إجراءات تتجاوز التحقيقات السياسية، من بينها توفير خدمات طبية متخصصة، ودعم المستشفيات القريبة من المواقع المشتبه فيها، وتدريب الفرق الصحية على التعامل مع حالات التعرض للمواد الكيميائية، وإجراء فحوص بيئية للمناطق التي تستدعي ذلك.

كما ينبغي أن تكون هناك آلية لإبلاغ السكان بالمخاطر المؤكدة، من دون إثارة الذعر أو تقديم معلومات غير مثبتة، مع ضمان حق المتضررين في الحصول على العلاج والتعويض وجبر الضرر إذا ثبتت مسؤولية الجهات المعنية.

وتحتاج المنظمات الإنسانية أيضاً إلى ضمانات تسمح لها بمواصلة توفير مواد تنقية المياه والمستلزمات الصحية، مع وضع آليات رقابة تمنع تحويل الإمدادات المدنية إلى استخدامات عسكرية.

إن حماية المدنيين في هذه القضية ليست مجرد التزام أخلاقي، بل مسؤولية قانونية تقع على عاتق الأطراف المعنية والمجتمع الدولي، ولا ينبغي أن تكون رهينة للمفاوضات السياسية أو نتائج الصراع على السلطة.

ما المطلوب دولياً؟.. خمس خطوات لكشف الحقيقة ومنع تكرار الانتهاكات

أمام تراكم التقارير والمعلومات، لم يعد الاكتفاء بالإدانات الدبلوماسية كافياً للتعامل مع الملف الكيميائي السوداني. فالتحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من مرحلة تبادل الاتهامات إلى مرحلة الإجراءات القابلة للقياس والتحقق.

أولاً، ينبغي دعم تحقيق مستقل تقوده منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بالتنسيق مع الجهات الدولية ذات الصلة، على أن يتمتع التحقيق بإمكانية الوصول إلى المواقع المشتبه فيها وفحص الذخائر والوثائق والمواد الكيميائية، وفق المعايير الفنية المعتمدة.

ثانياً، يتعين مطالبة السلطات السودانية بتقديم معلومات واضحة بشأن مخزونات الكلور، ومصادر استيراده، والمنشآت التي استخدمته، والسجلات المتعلقة بتوزيعه، إضافة إلى تقديم نتائج التحقيقات المحلية إلى المنظمة الدولية، بما يسمح بمراجعتها وتقييم مدى استقلاليتها.

ثالثاً، يجب تحديد مصير الذخائر التي تحدثت عنها التحقيقات الصحفية، والتحقق من الكميات التي أنتجت أو استخدمت أو خزنت، والعمل على ضمان التخلص الآمن من أي أسلحة كيميائية محظورة قد تكون موجودة.

رابعاً، ينبغي إنشاء مسار موازٍ لتقييم الآثار الصحية والبيئية للهجمات المشتبه فيها، من خلال فحص المواقع ومصادر المياه والتربة، ومراجعة السجلات الطبية، وتوفير الدعم اللازم للمتضررين، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى الخدمات الصحية.

خامساً، يجب العمل على تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، وضمان عدم إفلات المتورطين من المحاسبة إذا ثبتت الاتهامات، مع حماية الشهود والخبراء وكل من يقدم معلومات يمكن أن تساعد في كشف الحقيقة.

ولا ينبغي أن تتوقف هذه الخطوات عند الجانب المتعلق بالقوات المسلحة السودانية، بل يجب أن تنطبق قواعد التحقيق والمساءلة على جميع الأطراف التي يثبت تورطها في انتهاكات للقانون الدولي، لأن حماية المدنيين لا يمكن أن تكون انتقائية أو خاضعة للانتماءات السياسية والعسكرية.

كما يتعين على الدول المؤثرة في الملف السوداني ممارسة ضغط متوازن لضمان التعاون مع المؤسسات الدولية، وتجنب استخدام القضية كورقة تفاوضية مرتبطة بمصالحها الإقليمية.

إن نجاح هذه الإجراءات لن يقاس بعدد البيانات الصادرة أو العقوبات المعلنة، بل بمدى القدرة على الوصول إلى الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار الانتهاكات، وضمان حصول المتضررين على حقوقهم.

الخلاصة.. اختبار لا يتعلق بالسودان وحده

تكشف التطورات الأخيرة المتعلقة بالاتهامات الكيميائية في السودان أن الحرب تجاوزت، في بعض جوانبها، حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بمستقبل الالتزامات الدولية الخاصة بحظر أسلحة الدمار الشامل.

فمنذ العقوبات الأمريكية في مايو/أيار 2025، مروراً بالتحقيقات التي نشرتها «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» في سبتمبر/أيلول 2026، وصولاً إلى تقييم المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، أصبحت الاتهامات مدعومة بمجموعة أوسع من المعلومات والمواد التي تستدعي تحقيقاً مستقلاً وحاسماً.

ومع ذلك، فإن تراكم الأدلة لا يلغي الحاجة إلى استكمال التحقق الفني والقانوني، كما أن خطورة الاتهامات لا تبرر تجاوز المعايير التي تضمن سلامة التحقيق ونزاهته. فالمطلوب ليس إصدار أحكام سياسية مسبقة، وإنما الوصول إلى حقيقة يمكن إثباتها أمام المؤسسات الدولية والمحاكم المختصة.

وفي المقابل، لا يمكن السماح بأن يتحول غياب التحقيق إلى غطاء لاستمرار الشكوك أو تعطيل المساءلة، خصوصاً أن القضية تتعلق بأسلحة تحظرها اتفاقية دولية انضم إليها السودان، وأن أي استخدام مثبت لها ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الحرب الحالية.

إن التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي اليوم لا يتعلق فقط بإثبات ما إذا كان الكلور قد استخدم في هجمات عام 2024، بل بكشف طبيعة البرنامج المزعوم، وتحديد مصير الذخائر، ومعرفة الجهات التي أشرفت على تطويرها، والتحقق من وجود أي أنشطة لاحقة، فضلاً عن تقييم الأضرار التي قد تكون لحقت بالمدنيين والبيئة.

كما أن استمرار الحرب لا ينبغي أن يمنح أي طرف حصانة من المساءلة، ولا أن يحول ملف الأسلحة الكيميائية إلى قضية مؤجلة تنتظر نهاية الصراع، لأن تأخير التحقيق قد يؤدي إلى ضياع الأدلة، وتراجع فرص الوصول إلى الشهود، وتعقيد تحديد المسؤوليات.

وبالنسبة للسودانيين، فإن القضية تتجاوز الحسابات السياسية المتنافسة، لأنها ترتبط بحقهم في العيش في بيئة آمنة، والحصول على مياه صالحة للشرب، والعودة إلى أراضيهم ومنازلهم دون خوف من مخاطر مجهولة، فضلاً عن حقهم في معرفة الحقيقة بشأن ما حدث خلال الحرب.

أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن الاختبار يتعلق بمدى قدرته على تطبيق القواعد التي وضعها بنفسه لحظر الأسلحة الكيميائية، من دون استثناءات سياسية أو حسابات انتقائية.

فإذا ثبت استخدام هذه الأسلحة، فإن الصمت أو الاكتفاء بالعقوبات لن يكون كافياً، وإذا لم تثبت الاتهامات بعد تحقيق مستقل، فإن ذلك أيضاً يجب أن يعلن بوضوح وشفافية.

وفي الحالتين، يبقى المطلوب هو إنهاء حالة الغموض التي تحيط بالملف، لأن الأسلحة الكيميائية ليست مجرد وسيلة إضافية في ترسانة عسكرية، وإنما تهديد للقواعد الإنسانية التي يفترض أن تحكم الحروب، وضمانة أساسية لحماية المدنيين من أكثر وسائل القتال وحشية.

وفي بلد أنهكته الحرب والانقسام والنزوح، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الأسلحة الكيميائية من اتهام ينتظر التحقيق إلى حقيقة لا تجد من يحاسب عليها، وأن تصبح العدالة الدولية مجرد بيانات تصدر بينما تتراكم الأدلة وتضيع حقوق الضحايا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى