من يحكم جيش البرهان؟ ياسر العطا يقود معركة النفوذ خلف كواليس بورتسودان
كشفت مصادر سودانية مطلعة عن تنامي نفوذ رئيس هيئة الأركان ياسر العطا داخل قوات بورتسودان، مؤكدة أنه بات أبرز الوجوه العسكرية المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين، مستندا إلى دعم الجناح الذي يقوده علي كرتي، وسط صراعات متصاعدة على السلطة والموارد بين الحركة الإسلامية والقوات المشتركة المتحالفة مع الجيش.
وقالت المصادر إن العطا نجح في تعزيز موقعه داخل المؤسسة العسكرية، مستفيدا من التغييرات التي طالت قيادتها العليا، بالتوازي مع اتساع نفوذه على كتائب مسلحة مرتبطة بالتيار الإسلامي، باتت تشكل، بحسب المصادر، إحدى أبرز أدواته في إدارة موازين القوى داخل المعسكر الموالي لعبدالفتاح البرهان.
وأوضحت أن نفوذ العطا لم يعد مقتصرا على إدارة العمليات العسكرية، بل امتد إلى التأثير في التعيينات القيادية والعلاقات مع التشكيلات المسلحة، معتبرة أن صعوده يعكس محاولة من جناح علي كرتي لإحكام قبضته على مراكز القرار العسكري، في ظل تراجع الثقة بين أجنحة السلطة المتحالفة في حرب السودان.
العطا.. ذراع الإخوان داخل القيادة العسكرية
وبحسب المصادر، فإن ياسر العطا يمثل أحد أبرز مراكز القوة داخل التنظيم الإسلامي، مشيرة إلى أن علاقته بعلي كرتي تمنحه ثقلا سياسيا يتجاوز صلاحيات منصبه العسكري.
ولفتت إلى أن البرهان حرص مرارا على نفي خضوع المؤسسة العسكرية لتنظيم الإخوان، في حين أثارت تصريحات سابقة منسوبة إلى العطا بشأن ارتباطه بالحركة الإسلامية ووجود كتائب تابعة لها تقاتل إلى جانب قوات بورتسودان جدلا واسعا في الأوساط السياسية السودانية.
وتعتبر المصادر أن هذه العلاقة تعكس تباينا داخل القيادة العسكرية في التعامل مع التنظيم، بين اتجاه يسعى إلى إبقاء الصلات مع الإسلاميين بعيدا عن الواجهة الرسمية، وآخر يرى في التشكيلات المسلحة المرتبطة بهم ركيزة أساسية لاستمرار العمليات العسكرية.
وتشير إلى أن العطا يحتفظ بعلاقات وثيقة مع كتائب إسلامية، أبرزها “البراء بن مالك” و”الزبير بن العوام” و”النصرة” و”الفرقان” و”البنيان المرصوص”، مؤكدة أن بعض هذه التشكيلات تتحرك ضمن دائرة نفوذه المباشر، رغم وجود هياكل قيادة عسكرية رسمية.
وتأتي هذه الاتهامات في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بدور التشكيلات الإسلامية في الحرب السودانية، خصوصا بعد العقوبات الأمريكية التي استهدفت كتائب مرتبطة بالحركة الإسلامية، وفي مقدمتها “البراء بن مالك”.
تغييرات الأركان تعزز نفوذ العطا
وشكل تعيين العطا رئيسا لهيئة الأركان في الثاني من أبريل 2026 محطة مفصلية في مسيرته العسكرية، بعد قرار البرهان إعفاء الفريق أول محمد عثمان الحسين من منصبه وإجراء تغييرات واسعة في القيادة.
وشملت القرارات تعيين أربعة نواب لرئيس هيئة الأركان لشؤون الإدارة والعمليات والتدريب والإمداد، إلى جانب تعيين رئيس جديد لهيئة الاستخبارات العسكرية.
وترى المصادر أن هذه التغييرات وفرت للعطا فرصة لتعزيز حضوره داخل مراكز القيادة، مشيرة إلى وجود روابط قبلية وشخصية بينه وبين عدد من الضباط الذين شملتهم التعيينات.
وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عسل أبو عسل، في تصريحات لـ”إرم نيوز”، إن صعود العطا إلى رئاسة هيئة الأركان يمثل امتدادا لنفوذ التيار الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية، معتبرا أن التغييرات القيادية الأخيرة عززت موقعه في إدارة العمليات والتنسيق مع التشكيلات المسلحة.
وأضاف أن شبكة العلاقات التي تربط العطا بقيادات عسكرية وأمنية سابقة تمنحه نفوذا يتجاوز التسلسل القيادي التقليدي، في وقت تتزايد فيه الخلافات داخل المعسكر الموالي للبرهان حول طبيعة التحالفات ومستقبل السلطة.
اتهامات خطيرة بشأن الأسلحة الكيميائية
وفتحت المصادر ملف الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية خلال الحرب السودانية، مؤكدة وجود صلات بين بعض الكتائب الإسلامية وعمليات حراسة وتخزين واستخدام مواد كيميائية لأغراض عسكرية.
وقال أبو عسل إن العطا سبق أن تحدث عن التحضير لعمليات واسعة في الخرطوم واستخدام قوة عسكرية مكثفة، معتبرا أن تلك التصريحات سبقت عمليات تم استخدام أسلحة كيميائية خلالها بمناطق وسط الخرطوم والمقرن والصالحة في أم درمان.
وتكتسب هذه الاتهامات حساسية خاصة بعدما أعلنت الولايات المتحدة في مايو 2025 توصلها إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على خلفية ذلك عقوبات.
كما استحضرت المصادر مسيرة العطا العسكرية خلال حرب جنوب السودان ووجوده في دارفور بين عامي 2003 و2007، متهمة إياه بالتورط في عمليات شهدت انتهاكات بحق المدنيين، وبالمساهمة في تجنيد مجموعات مسلحة محلية.
صراع داخل الحركة الإسلامية
من جانبه، قال الخبير السياسي عبدالمنعم الربيع، في تصريحات لـ”إرم نيوز”، إن العطا يمثل الجناح العسكري الأقوى داخل التيار المرتبط بعلي كرتي، مشيرا إلى أن نفوذه يستند إلى علاقاته مع الكتائب الإسلامية التي يرى أنها تتلقى توجيهاتها منه بصورة مباشرة.
وأضاف الربيع أن الحركة الإسلامية لا تثق بصورة كاملة بالبرهان ولا بشمس الدين كباشي، خصوصا بعد مشاركة الأخير في تفاهمات المنامة، معتبرا أن التنظيم ينظر إلى العطا باعتباره الشخصية الأكثر قدرة على حماية مصالحه داخل المؤسسة العسكرية.
وأوضح أن الحركة الإسلامية تواجه صراعا بين ثلاثة أجنحة على النفوذ ومراكز القرار، تتداخل فيه الخلافات السياسية والعسكرية مع التنافس على الموارد الاقتصادية.
وأشار إلى أن العلاقة بين التيار الإسلامي والقوات المشتركة، التي تضم حركات مسلحة من دارفور، تشهد توترات متزايدة، خصوصا مع بروز خلافات بشأن توزيع النفوذ والموارد ومشاركة بعض الحركات في إدارة الدولة.
وبحسب الربيع، فإن هذه التناقضات لم تصل بعد إلى مواجهة مفتوحة، لكنها باتت تشكل تهديدا للتماسك الداخلي بين القوى التي تقاتل إلى جانب قوات بورتسودان.
الذهب والمال يشعلان خلافات الحلفاء
ولا تنحصر الخلافات، وفق الربيع، في المواقع العسكرية والنفوذ السياسي، بل تمتد إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية، وفي مقدمتها الذهب والمناجم وعائدات القطاعات الحيوية.
وقال إن الحركة الإسلامية تسعى إلى الاحتفاظ بنفوذها على المؤسسات الاقتصادية والموارد المالية، ولا ترغب في تقاسمها مع الحركات المسلحة، بما فيها القوى المرتبطة بجبريل إبراهيم ومني أركو مناوي.
وأوضح أن التنافس على مناطق إنتاج الذهب، خصوصا في شمال السودان، بات أحد أبرز مصادر التوتر بين الحركة الإسلامية وحلفائها في قوات بورتسودان، في وقت زادت فيه التحولات الميدانية وخسارة بعض المناطق الغنية بالموارد من حدة الصراع.
وأشار إلى أن تقدم قوات الدعم السريع في مناطق ذات أهمية اقتصادية، ومنها قيسان، ضاعف الضغوط على الأطراف المتحالفة مع بورتسودان، ودفعها إلى التشبث بما تبقى من مصادر التمويل والنفوذ.




