تسريبات

الغارات الجوية والقصف.. عندما تتحول المعارك إلى خطر دائم على المدنيين بسبب الجيش


منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم يعد المدنيون مجرد ضحايا عرضيين للمعارك الدائرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل وجد ملايين السودانيين أنفسهم في قلب حرب تستخدم فيها الأسلحة الثقيلة والطائرات والمدفعية والطائرات المسيّرة داخل أو بالقرب من المدن والأسواق والأحياء السكنية. وفي المناطق التي تحولت إلى ساحات مواجهة، أصبح مجرد البقاء في المنزل أو الذهاب إلى السوق أو المستشفى يحمل مخاطرة لا يمكن التنبؤ بها.

وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت القوة الجوية بصورة واسعة خلال الحرب، خصوصاً في المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع. لكن المشكلة لا تتعلق بمجرد استخدام الطائرات في الحرب، وإنما بطبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، ومدى اتخاذ التدابير اللازمة لحماية السكان المدنيين.

وفي تقرير صادر عن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن السودان، تم توثيق عشرات الضربات الجوية التي نفذتها القوات المسلحة السودانية في دارفور، حيث أشار التقرير إلى أن 140 غارة جوية تم التحقق منها خلال الفترة الممتدة من يناير إلى نوفمبر 2024، وطالت مناطق حضرية ومنازل وأحياء مكتظة ومخيمات للنازحين ومستشفيات وأسواقاً ومنشآت مدنية. وخلص التقرير إلى أن عدداً من هذه الضربات كان عشوائياً، بما قد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب.

هذه المعطيات تكشف جانباً مهماً من طبيعة الحرب السودانية: خطوط الجبهة ليست دائماً بعيدة عن التجمعات السكانية. ففي مدن مثل نيالا، التي كانت تضم قبل الحرب مئات الآلاف من السكان، تعرضت الأحياء السكنية والتجارية لضربات جوية متكررة. وفي يونيو 2025، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنها حققت في خمس ضربات جوية وقعت في مدينة نيالا في 3 فبراير 2025، وتحدثت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى بين المدنيين.

وبحسب المنظمة، استخدمت القوات المسلحة السودانية قنابل جوية غير موجهة في مناطق سكنية وتجارية مكتظة بالسكان، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير منازل وممتلكات. واعتمد التحقيق على مقابلات مع ناجين وشهود وعاملين طبيين، إضافة إلى تحليل صور الأقمار الصناعية والصور ومقاطع الفيديو وبقايا الذخائر.

وفي القانون الدولي الإنساني، لا يكفي أن تقول أي قوة عسكرية إنها تستهدف خصماً مسلحاً. هناك مبادئ أساسية يجب احترامها، أبرزها التمييز بين المقاتلين والمدنيين، والتناسب في استخدام القوة، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر بين المدنيين. ولهذا فإن القصف الذي لا يميز بصورة كافية بين الهدف العسكري والمناطق المدنية يمكن أن يتحول من عمل عسكري إلى انتهاك للقانون الدولي.

المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما تصل الضربات إلى الأسواق أو المستشفيات أو مخيمات النازحين. فهذه المواقع تضم أشخاصاً يعيشون أصلاً في ظروف استثنائية، وكثير منهم فروا من مناطق القتال السابقة، ولا يملكون القدرة على حماية أنفسهم أو الانتقال بسهولة إلى أماكن أكثر أمناً.

وفي سبتمبر 2025، قالت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان إن طرفي النزاع مسؤولان عن هجمات واسعة النطاق على المدنيين وعن تدمير البنية التحتية الضرورية للحياة، بما فيها المراكز الطبية والأسواق وشبكات الغذاء والمياه ومخيمات النزوح. وأكدت البعثة أن عدم اتخاذ إجراءات كافية لتقليل آثار القصف الجوي والمدفعي على المدنيين أدى إلى تدمير أو جعل مدن وقرى ومخيمات وأسواق ومستشفيات ومنازل غير صالحة للسكن.

لكن الحديث عن القصف لا ينفصل عن أزمة أوسع. فحين تدمر غارة جوية مستشفى، لا تقتصر الخسارة على الأشخاص الموجودين داخله في لحظة الهجوم. المستشفى نفسه يصبح خارج الخدمة، ويُحرم آلاف الأشخاص من العلاج في الأيام والأسابيع التالية. وحين تصاب محطة مياه أو سوق رئيسي، فإن آثار الضربة تمتد إلى السكان الذين يعتمدون على هذه المنشآت للبقاء.

وهنا تظهر إحدى أكثر نتائج الحرب قسوة: تدمير القدرة المدنية على الحياة.

فالسوداني الذي ينجو من القصف قد يواجه بعد ذلك انقطاع المياه أو الكهرباء، أو ارتفاع أسعار الغذاء، أو فقدان مركز صحي قريب، أو اضطراره إلى النزوح مرة أخرى. ولذلك فإن الأضرار التي تسببها الضربات الجوية لا يمكن قياسها فقط بعدد القتلى الذين يسقطون في لحظة الهجوم.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن عدد المدنيين الذين قتلوا خلال النصف الأول من عام 2025 بلغ، في الحالات التي تمكن مكتب حقوق الإنسان من توثيقها، 3384 شخصاً، مع التأكيد أن العدد الحقيقي يرجح أن يكون أعلى بكثير بسبب صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة وانقطاع الاتصالات. ووقعت غالبية الخسائر خلال العمليات القتالية التي استخدمت فيها المدفعية والغارات الجوية والطائرات المسيّرة.

ومن الأمثلة التي تثير أسئلة جدية أيضاً الغارات التي وقعت في إقليم كردفان. ففي ديسمبر 2025، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من تصاعد الانتهاكات في كردفان، مشيراً إلى أن مكتب حقوق الإنسان وثق مقتل ما لا يقل عن 269 مدنياً منذ 25 أكتوبر نتيجة الغارات الجوية والقصف المدفعي والإعدامات، مع احتمال أن يكون الرقم الحقيقي أعلى بسبب صعوبة التحقق من المعلومات.

وفي تقريرها السنوي عن السودان، أشارت هيومن رايتس ووتش كذلك إلى غارة نفذتها القوات المسلحة السودانية على مسجد في غرب كردفان في يونيو 2025، قالت إنها أسفرت عن مقتل 41 شخصاً وإصابة عشرات آخرين، كما أشارت إلى غارات في يوليو أدت، وفق تقارير، إلى مقتل ما لا يقل عن 23 مدنياً.

هذه الوقائع لا تعني أن كل ضربة جوية ينفذها الجيش السوداني تمثل تلقائياً جريمة حرب. تحديد المسؤولية القانونية عن كل حادثة يتطلب التحقيق في الهدف العسكري المحتمل، وطبيعة السلاح المستخدم، والمعلومات التي كانت متوفرة للقوة المهاجمة وقت الهجوم، ومدى إمكانية توقع الضرر الواقع على المدنيين. لكن تكرار الضربات التي تصيب مناطق مدنية مكتظة يثير، وفق المنظمات الدولية، أسئلة جدية بشأن الالتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني.

وفي المقابل، تنفي السلطات السودانية في حالات مختلفة الاتهامات الموجهة إلى قواتها، وتؤكد أن عملياتها العسكرية تستهدف قوات الدعم السريع وليس السكان المدنيين. وقد أبلغت الحكومة السودانية فريق الخبراء الأممي بأن عمليات القوات المسلحة السودانية تتم وفق مبادئ القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك التمييز والضرورة العسكرية والتناسب.

لكن الخلاف بين الرواية الرسمية وشهادات المنظمات الدولية لا يلغي حقيقة أخرى: المدنيون السودانيون يدفعون الثمن الأكبر من هذه الحرب.

فالأسرة التي تفقد منزلها بسبب غارة، والطفل الذي يفقد أحد والديه، والمريض الذي لا يجد مستشفى، والنازح الذي يهرب من منطقة إلى أخرى، جميعهم يعيشون نتائج الصراع حتى عندما لا يكونون طرفاً فيه.

والخطر الأكبر أن استمرار الحرب يجعل القصف جزءاً من الحياة اليومية، ويخلق نوعاً من التطبيع مع موت المدنيين. كل ضربة جديدة تصبح رقماً إضافياً، وكل منزل مدمر يتحول إلى صورة عابرة، بينما تتراكم الخسائر في مجتمع أنهكته سنوات الحرب والنزوح والجوع.

ولهذا فإن قضية الغارات الجوية لا تتعلق فقط بالسؤال عن الطرف الذي يسيطر على مدينة أو منطقة. السؤال الأهم هو: هل يمكن للقوة العسكرية أن تحقق أهدافها دون تحويل المدن والقرى إلى ساحات مفتوحة للخطر؟

في السودان، تقول التقارير الدولية إن الإجابة لا تزال مقلقة. فالضربات الجوية والمدفعية استمرت في مناطق مأهولة، بينما بقي المدنيون عالقين بين خطوط النار، من دون ضمانات كافية لحمايتهم.

وفي نهاية المطاف، فإن أي تحقيق جدي في الحرب السودانية لن يستطيع تجاهل هذا الملف. فالمساءلة لا تعني تحميل طرف واحد كل الجرائم، بل تعني التحقيق في كل حادثة على حدة، وتحديد المسؤولين عنها، ومحاسبة من يثبت تورطه، أياً كان موقعه أو رتبته أو الجهة التي ينتمي إليها.

ذلك أن حماية المدنيين ليست امتيازاً تمنحه الأطراف المتحاربة عندما تسمح ظروف المعركة، وإنما التزام قانوني لا يسقط حتى في أكثر مراحل الحرب قسوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى