تسريبات

السودان بين الدولة والشبكات.. من يحكم عندما تختلط المؤسسة بالولاء؟


في السودان، لم يعد السؤال عن بقاء نفوذ الإسلاميين أو اختفائه مجرد جدل سياسي عابر، بل تحول إلى قضية مرتبطة بطبيعة الدولة نفسها، وبمدى قدرة مؤسساتها على التحرر من شبكات المصالح والولاءات التي تشكلت خلال عقود من الحكم. فبعد سقوط نظام عمر البشير، ظن كثيرون أن إسقاط رأس السلطة سيؤدي تلقائياً إلى تفكيك المنظومة التي حكمت البلاد لثلاثة عقود، لكن الواقع أثبت أن الأنظمة السياسية لا تختفي بكل مكوناتها بمجرد سقوطها، لأن الأشخاص والخبرات والعلاقات والمصالح الاقتصادية تستطيع أن تستمر داخل مساحات جديدة، وأن تعيد تقديم نفسها بأسماء وواجهات مختلفة.

      

ومن هنا تأتي أهمية الجدل الذي أثارته صورة ظهر فيها كاظم زين العابدين السراج إلى جانب الفريق ياسر العطا خلال وجوده في تركيا، وفق ما تداولته مصادر ومنشورات سودانية. فالصورة في حد ذاتها لا يمكن اعتبارها دليلاً على علاقة تنظيمية أو أمنية أو مالية، ولا يمكن بناء اتهامات جنائية على مجرد ظهور شخص إلى جوار مسؤول عسكري، لكنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل حاضراً منذ سقوط النظام السابق: أين ذهب رجال الشبكات التي كانت مرتبطة بالحكم الإسلامي؟ وهل انتهى نفوذهم فعلاً، أم أن بعضهم أعاد التموضع داخل قطاعات جديدة، خصوصاً الاتصالات والتكنولوجيا والأعمال؟

هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بشخصية تمتلك خلفية تقنية وتتحرك، وفق الروايات المتداولة، في مجالات ترتبط بالاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. فهذه القطاعات لم تعد في الدولة الحديثة مجرد مجالات تجارية، وإنما أصبحت جزءاً من البنية الاستراتيجية للدولة، خصوصاً مع التحول الرقمي واعتماد المؤسسات العسكرية والحكومية والمصرفية على شبكات الاتصالات والأنظمة الإلكترونية وقواعد البيانات. ولذلك فإن العلاقة بين أصحاب الخبرة التقنية ومؤسسات الدولة تحتاج دائماً إلى مستوى مرتفع من الشفافية، خصوصاً عندما يكون للشخص تاريخ سابق في العمل داخل مؤسسات أمنية أو سياسية.

المعلومات التي أثيرت حول كاظم السراج تقدم رواية تقول إنه بدأ حياته المهنية في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وإنه عمل في شركات اتصالات وساهم في تأسيس مشروعات خاصة، قبل أن يرتبط اسمه بمشروعات ذات صلة بالأمن والتكنولوجيا. كما تتحدث الرواية عن دوره في إنشاء وحدات إلكترونية خلال فترة النظام السابق، وعن علاقات امتدت إلى مؤسسات عسكرية ومشروعات اتصالات داخل السودان وخارجه. غير أن هذه المعلومات، مهما بدت متداولة على نطاق واسع، تحتاج إلى وثائق مستقلة حتى يمكن التعامل معها كوقائع ثابتة، خصوصاً أن بعض ما يرد بشأن الانتماءات التنظيمية أو الأنشطة الأمنية يمثل اتهامات بالغة الخطورة لا يجوز تحويلها إلى أحكام نهائية من دون أدلة.

لكن التحقق من التفاصيل لا يلغي أهمية القضية الأساسية. فالسؤال الذي يجب أن يشغل السودانيين ليس فقط من هو كاظم السراج، وإنما كيف تعمل شبكات النفوذ في الدولة السودانية، وكيف يمكن لشخص يمتلك علاقات سابقة داخل مؤسسة معينة أن ينتقل لاحقاً إلى القطاع الخاص ثم يعود للتعامل مع مؤسسات الدولة أو القوات المسلحة. ففي الدول التي تمتلك مؤسسات قوية، لا تكون المشكلة في انتقال الموظفين والخبراء بين القطاع العام والخاص، وإنما في احتمال تحول العلاقات السابقة إلى وسيلة للحصول على امتيازات أو عقود أو تسهيلات لا يحصل عليها المنافسون.

وهنا يصبح مفهوم تضارب المصالح أكثر أهمية من الانتماء السياسي نفسه. فكون شخص ما إسلامياً أو يسارياً أو مستقلاً أو قريباً من المؤسسة العسكرية لا يكفي وحده لإدانته. المعيار الحقيقي هو كيفية استخدامه لموقعه وعلاقاته، وما إذا كان قد استغل النفوذ للحصول على المال العام أو العقود أو الامتيازات. ولذلك فإن أي تحقيق جاد في مثل هذه الملفات يجب أن يتجاوز الخطاب السياسي، ويتجه مباشرة إلى الوثائق والسجلات والعقود وملكية الشركات ومصادر التمويل.

وتظهر أهمية هذا الأمر بصورة أكبر في قطاع التكنولوجيا المالية، الذي أصبح واحداً من أكثر القطاعات حساسية في السودان خلال الحرب. فمع انتقال المؤسسات المصرفية إلى بورتسودان وتعطل أجزاء كبيرة من البنية المالية في البلاد، أصبحت أنظمة الدفع والتحويلات الإلكترونية عنصراً أساسياً في استمرار الحياة الاقتصادية. وبالتالي فإن الشركات التي تدخل هذا المجال لا تعمل في سوق عادية، وإنما تقترب من بنية تحتية شديدة الحساسية ترتبط بحركة الأموال وبيانات العملاء واستقرار النظام المصرفي.

وفي هذا السياق برزت شركة «العسجد للحلول الرقمية والذكية» بعد الإعلان في يوليو 2026 عن تدشين رخصة لمحول المعاملات المصرفية في بورتسودان، قبل أن تتحول الرخصة خلال فترة قصيرة إلى موضوع للجدل، مع تقارير تحدثت عن إلغائها. وقدمت الشركة من جانبها روايتها بشأن طبيعة الترخيص، مؤكدة أنه ترخيص تنظيمي وليس امتيازاً احتكارياً، وأنها استوفت الاشتراطات المطلوبة للحصول عليه.

أهمية قضية «العسجد» لا تكمن فقط في مصير الرخصة، وإنما في الطريقة التي تكشف بها الحاجة إلى قواعد واضحة وشفافة لإدارة الاقتصاد الرقمي في السودان. فعندما تمنح جهة تنظيمية ترخيصاً لشركة للعمل في قطاع مالي حساس، يجب أن يكون من الممكن معرفة الشروط التي استند إليها القرار، والمعايير التي جرى على أساسها تقييم الشركة، والجهة التي راجعت ملفها، والأسباب التي أدت لاحقاً إلى استمرار الترخيص أو سحبه. غياب هذه المعلومات يفتح الباب أمام الشائعات، ويجعل كل قرار حكومي عرضة للتفسير السياسي.

وهنا يجب الفصل بين أمرين: حق الجمهور في معرفة كيفية اتخاذ القرارات العامة، وحق الشركات والأفراد في عدم تعرضهم لاتهامات غير مثبتة. فالمطالبة بالشفافية لا تعني إدانة الشركة، كما أن الدفاع عن الشركة لا يعني رفض حق المجتمع في طرح الأسئلة. وفي الدولة التي تحترم مؤسساتها، يجب أن تكون الوثائق قادرة على إنهاء الجدل، سواء أثبتت سلامة القرار أو كشفت وجود خلل فيه.

المشكلة السودانية الأوسع تتمثل في أن الدولة ظلت لفترات طويلة تعتمد على العلاقات الشخصية أكثر مما تعتمد على المؤسسات المستقلة. وعندما يصبح الوصول إلى المسؤول مرتبطاً بالعلاقة الشخصية، يصبح القانون أقل تأثيراً، وعندما تصبح العقود مرتبطة بالولاء السياسي، يتحول الاقتصاد إلى امتداد للصراع السياسي. هذه الثقافة لا تخص تياراً واحداً، ولا يمكن اختزالها في الإسلاميين وحدهم، لأنها قد تظهر تحت أي نظام عندما تكون مؤسسات الرقابة ضعيفة.

ولهذا فإن السؤال عن «الكيزان» يجب ألا يتحول إلى عملية بحث عن أشخاص لمجرد انتمائهم السياسي، بل يجب أن يتحول إلى بحث عن الشبكات التي يمكن أن تستخدم الدولة لتحقيق مصالح خاصة. وإذا كان هناك شخص ارتبط بالنظام السابق ثم أصبح جزءاً من شبكة اقتصادية جديدة، فالمطلوب هو إثبات العلاقة من خلال الوثائق، وليس الاكتفاء بالصور أو الأوصاف السياسية. وإذا لم تكن هناك مخالفة، فإن الكشف عن المعلومات كفيل بإغلاق باب الشائعات.

وفي المقابل، فإن ظهور شخصيات ذات خلفيات سياسية أو أمنية قديمة داخل مؤسسات الدولة بعد الحرب يستحق المراقبة، لأن ظروف الحرب يمكن أن تسمح بعودة شبكات كانت قد فقدت جزءاً من نفوذها خلال المرحلة الانتقالية. فالحرب خلقت واقعاً جديداً أصبحت فيه الحاجة إلى أصحاب الخبرة والعلاقات أكبر، وأصبحت الرقابة المؤسسية أضعف، وتحولت بعض المؤسسات الحكومية إلى العمل في ظروف استثنائية لا تسمح دائماً بالشفافية التي كانت مطلوبة في الظروف الطبيعية.

وهذا تحديداً ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الحساسية. فالسودان يحتاج إلى خبراء في الاتصالات والتكنولوجيا والمصارف والأمن السيبراني، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى ضمان ألا تتحول الخبرة إلى بوابة للنفوذ غير المشروع. ويحتاج إلى شركات خاصة قادرة على تنفيذ المشروعات، لكنه يحتاج أيضاً إلى ضمان ألا تتحول الشركات إلى واجهات لشبكات سياسية أو أمنية. ويحتاج إلى تعاون بين القطاعين العام والخاص، لكن هذا التعاون يجب أن يتم وفق قواعد معلنة تضمن المنافسة وتمنع تضارب المصالح.

ومن هنا فإن القضية الحقيقية ليست ما إذا كان شخص بعينه قريباً من هذا المسؤول أو ذاك، وإنما ما إذا كانت الدولة السودانية قادرة على الفصل بين العلاقات الشخصية والمؤسسات. فإذا كان الشخص يعمل مع الجيش، يجب أن تكون صفته واضحة. وإذا كان يدير شركة تتعامل مع الدولة، يجب أن تكون ملكية الشركة واضحة. وإذا حصلت شركته على عقد حكومي، يجب أن تكون إجراءات التعاقد قابلة للمراجعة. وإذا حصل على ترخيص في قطاع حساس، يجب أن يكون القرار قابلاً للتفسير أمام الجهات الرقابية والرأي العام.

إن بناء الدولة بعد الحرب لن يكون ممكناً إذا استمرت قاعدة «نعرف فلاناً» هي الطريق الأقصر للحصول على الفرص. فالدولة التي تريد الخروج من إرث العقود الماضية يجب أن تنتقل من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات، ومن العلاقات إلى اللوائح، ومن النفوذ إلى القانون. وهذا لا يعني إقصاء كل من عمل في النظام السابق، لأن ذلك غير واقعي وغير عادل، وإنما يعني إخضاع الجميع للمعايير نفسها، بصرف النظر عن الماضي السياسي.

ومن الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن تغيير السلطة يؤدي وحده إلى تغيير الدولة. فالمؤسسات تحتاج إلى سنوات حتى تتغير ثقافتها، والأنظمة الاقتصادية تحتاج إلى إصلاحات عميقة حتى تنفصل عن مراكز النفوذ، والأجهزة الحكومية تحتاج إلى قواعد تمنع تضارب المصالح. ولذلك فإن معركة بناء الدولة السودانية أكبر من معركة إسقاط نظام أو مواجهة تيار سياسي.

وفي النهاية، فإن الصورة التي أعادت اسم كاظم السراج إلى النقاش قد تكون مجرد صورة لشخص كان يؤدي مهمة محددة، وقد تكون مدخلاً إلى قصة أكبر تتعلق بشبكات المصالح داخل الدولة. لا يمكن معرفة الحقيقة من الصورة وحدها، ولا يمكن الوصول إليها من خلال الاتهامات المتبادلة، وإنما عبر تحقيق جاد يبحث عن الوثائق والسجلات والعقود والشركات والتحويلات والملكية الفعلية.

وهنا تحديداً يجب أن يتغير السؤال السوداني من «أين الكيزان؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: أين شبكات النفوذ، وكيف تعمل، ومن يمولها، ومن يستفيد منها، وهل تخضع للقانون أم تتجاوزه؟

فإذا كانت هناك شبكات مرتبطة بالنظام السابق، فإن الوثائق قادرة على كشفها. وإذا كانت هناك شركات استفادت من علاقات سياسية أو أمنية، فإن العقود والسجلات قادرة على إثبات ذلك. وإذا كانت الاتهامات مبالغاً فيها، فإن التحقيق المهني قادر أيضاً على كشف الحقيقة وتبرئة من لا تثبت عليه مخالفة.

السودان لا يحتاج اليوم إلى مطاردة الأسماء بقدر حاجته إلى بناء قواعد تمنع أي اسم من التحول إلى مركز نفوذ خارج المؤسسات. لا يحتاج إلى استبدال شبكة قديمة بشبكة جديدة، وإنما يحتاج إلى إنهاء فكرة الشبكات نفسها، بحيث يصبح الوصول إلى القرار مرتبطاً بالكفاءة والقانون، والحصول على العقد مرتبطاً بالمنافسة، وإدارة المال العام مرتبطة بالرقابة.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية التي ستحدد شكل السودان بعد الحرب: هل ستبقى الدولة ساحة تتصارع فيها شبكات النفوذ، أم ستتحول إلى دولة مؤسسات لا يستطيع فيها أحد، أياً كان انتماؤه أو علاقاته أو موقعه، أن يضع نفسه فوق القانون؟

لأن المشكلة في النهاية ليست أين يوجد الكيزان فقط، وإنما هل توجد دولة تستطيع أن تمنع أي شبكة، أياً كان اسمها، من أن تحكم من خلف الستار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى