من الرحلات المتكررة إلى استدامة القتال.. الوجه اللوجستي الخفي للحرب السودانية
لم تعد قدرة الأطراف المتحاربة في السودان على مواصلة القتال مرتبطة بما تمتلكه من قوات وأسلحة داخل البلاد فحسب، بل أصبحت ترتبط أيضاً بقدرتها على تأمين الإمدادات القادمة من الخارج، وإدارة عمليات النقل والتخزين والتوزيع، والحفاظ على خطوط اتصال لوجستية تعمل رغم اتساع رقعة الحرب وتعطل أجزاء واسعة من البنية الاقتصادية. ومن هنا، فإن تتبع الطائرات التي تتحرك بين المطارات الإقليمية لا يمثل مجرد عملية إحصائية، بل مدخلاً لفهم أحد العوامل التي يمكن أن تساعد على استمرار الصراع: قدرة المنظومات العسكرية على تعويض ما تستهلكه في الميدان.
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، شهدت خريطة الحركة الجوية المرتبطة بالسودان تحولات دفعت الباحثين والصحفيين إلى دراسة المطارات ومسارات الرحلات وسجلات الطائرات باعتبارها مصادر محتملة لفهم شبكة الإمداد. وفي هذا السياق، برز مطار بورتسودان بوصفه نقطة رئيسية في التحقيقات التي تناولت وصول طائرات شحن أجنبية، بينما ظهرت منشآت أخرى، بينها شرق العوينات المصرية، في تقارير ركزت على العلاقة المحتملة بين حركة النقل الجوي وتوفير المعدات العسكرية. غير أن فهم هذه التحركات يتطلب الانتقال من رصد الرحلات منفردة إلى تحليل وظيفتها داخل سلسلة الإمداد الأوسع.
الرحلة الواحدة لا تكشف الشبكة كاملة
تتمثل إحدى أهم الصعوبات في التحقيقات المتعلقة بالإمداد العسكري في أن البيانات المتاحة لا تقدم دائماً صورة كاملة عن الرحلة. فقد يظهر تسجيل طائرة في نظام تتبع الطيران، ويمكن تحديد مطار المغادرة والوجهة والتوقيت، لكن هذه المعلومات لا تكشف بالضرورة طبيعة الحمولة أو الجهة التي ستتسلمها. كما أن بعض الطائرات قد تستخدم في نقل البضائع التجارية والعسكرية على حد سواء، وهو ما يجعل الاستنتاج بشأن طبيعة المهمة بحاجة إلى قرائن إضافية.
ومع ذلك، فإن تكرار الرحلات بين المواقع نفسها، وظهور الطائرات ذات التسجيلات المحددة في أكثر من مناسبة، يمكن أن يوفر أساساً لتحديد أنماط الحركة. وتزداد قيمة هذا الرصد عندما يتقاطع مع صور الأقمار الصناعية أو معلومات مستقلة عن طبيعة النشاط داخل المطارات، أو تقارير توثق وصول معدات عسكرية إلى مواقع محددة. عندئذ، لا تعود الرحلة مجرد نقطة على خريطة، بل تصبح جزءاً من تسلسل زمني يمكن اختباره ومقارنته بوقائع أخرى.
وقد تناولت تحقيقات «إيكاد» هذا النوع من المؤشرات في رصدها لرحلات مرتبطة ببورتسودان، بينها رحلات طائرة الشحن الإيرانية EP-FAB، التي ربطت المنصة نشاطها بنقل مسيّرات إيرانية إلى السودان. كما أوردت المادة التي يستند إليها هذا التحقيق رصد 16 رحلة شحن على الأقل إلى بورتسودان خلال الفترة من الأول إلى 17 ديسمبر 2025، عبر مسارات مرتبطة بإسطنبول والقاهرة ومسقط وشرق العوينات. وتمثل هذه الأرقام مؤشرات على حجم الحركة التي أمكن رصدها خلال فترة محددة، لكنها لا تشكل حصراً شاملاً لجميع الرحلات أو دليلاً على أن كل شحنة كانت عسكرية.
لماذا تهم الرحلات المتكررة؟
تكمن أهمية الرحلات المتكررة في أنها قد تكشف عن وجود علاقة تشغيلية مستقرة بين نقاط المغادرة والوصول، بدلاً من الاعتماد على عمليات نقل عابرة. فعندما تتكرر الرحلات على مسار معين، يصبح من الممكن فحص طبيعة الطائرات المستخدمة، وتوقيت الرحلات، ومدى ارتباط الحركة الجوية بالتغيرات التي تشهدها المنشآت المستقبلة. ويمكن لهذا التحليل أن يساعد على تحديد ما إذا كان المسار يؤدي وظيفة تجارية عادية، أو يتضمن نشاطاً غير اعتيادي، أو يجمع بين وظائف متعددة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في الحروب الطويلة، لأن استدامة العمليات العسكرية تتطلب أكثر من توفير شحنة أولى من المعدات. فهناك حاجة إلى قطع الغيار والوقود ووسائل الاتصال والصيانة والذخائر، إلى جانب نقل الأفراد والمعدات بين المواقع. وكلما ازدادت كثافة القتال، ارتفعت أهمية القدرة على تعويض الموارد المستهلكة وإعادة توزيعها على الجبهات المختلفة.
ولا يعني ذلك أن كل رحلة شحن تؤدي إلى زيادة مباشرة في القدرة القتالية، إذ قد تكون بعض الشحنات مخصصة للاستخدامات المدنية أو الإدارية، كما أن وصول المعدات لا يضمن بالضرورة إدخالها إلى الخدمة العسكرية. لكن وجود مسار نقل متكرر، إذا ثبتت طبيعة وظيفته، قد يفسر جانباً من قدرة طرف متحارب على الحفاظ على نشاطه رغم الاستنزاف الداخلي.
المطارات بوصفها بنية تحتية للحرب
لا تقتصر أهمية الإمداد الجوي على الطائرات نفسها، بل تشمل المنشآت التي تستقبلها، والمساحات التي تسمح بتوقفها وتفريغ حمولاتها، والمرافق التي يمكن أن تستخدم للتخزين أو الصيانة. ولهذا، فإن التغيرات التي ترصدها صور الأقمار الصناعية داخل المطارات تستحق الدراسة بالتوازي مع بيانات الحركة الجوية.
وقد تناولت التحقيقات المتعلقة ببورتسودان أعمال توسعة في ساحات الطائرات، بينما رصدت «إيكاد» تغيرات إنشائية ونشاطاً جوياً في مطار شرق العوينات خلال عام 2026. وتوفر هذه المشاهدات مادة للمقارنة بين مراحل زمنية مختلفة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد الوظيفة النهائية لكل منشأة أو إثبات أنها تستخدم في تخزين الأسلحة.
وتتطلب القراءة الدقيقة التمييز بين ثلاثة مستويات: التغير المادي الذي يظهر في الصورة، والتفسير المحتمل لوظيفته، ثم الأدلة المستقلة التي يمكن أن تثبت علاقته بالإمداد العسكري. فقد تكون ساحة جديدة ضرورية لاستقبال طائرات أكبر، لكنها قد تخدم أغراضاً متعددة؛ وقد يظهر جسم يشبه طائرة مسيّرة، لكن تحديد طرازه ومهمته يحتاج إلى قدر كافٍ من الوضوح وقرائن أخرى.
التكنولوجيا الجديدة تعيد تشكيل خطوط الإمداد
أضاف انتشار الطائرات المسيّرة إلى الحرب السودانية بعداً جديداً، إذ لم يعد الدعم العسكري محصوراً في الأسلحة التقليدية والذخائر ووسائل النقل. فالمسيّرات المتقدمة تحتاج إلى منظومة من المعدات والتجهيزات ووسائل الاتصال والصيانة، وقد تتطلب تدريباً ودعماً فنياً مستمراً. وهذا يعني أن توفيرها لا ينتهي عند نقلها إلى المطار، بل يرتبط بقدرة الجهة المستفيدة على تشغيلها والمحافظة عليها.
وفي تقرير نشرته وكالة «رويترز» في فبراير 2026، تناولت الوكالة نشر مسيّرات تركية متقدمة من طراز «بيرقدار أكينجي» في منشأة جوية قرب الحدود المصرية السودانية، مستندة إلى صور أقمار صناعية ومعلومات من خبراء. وطرح التقرير تساؤلات بشأن تحول دور مصر في الحرب، مع الإشارة إلى أن نشر هذه المنظومات قد يمثل تصعيداً في طبيعة الانخراط العسكري الإقليمي. <Cite refs={[“turn815251news16”]}/>
وتبرز أهمية هذه الواقعة في أنها توضح كيف يمكن أن تتحول التكنولوجيا العسكرية إلى عنصر في معادلة الإمداد، لا مجرد أداة تستخدم في ساحة المعركة. فالمسيّرة المتقدمة تحتاج إلى دعم تقني وقدرات تشغيلية، كما أن نقلها عبر الحدود أو بين المنشآت الجوية يطرح أسئلة بشأن الجهات التي توفرها، وطبيعة الترتيبات التي تحكم استخدامها، ومدى ارتباطها بالعمليات العسكرية داخل السودان.
لكن إثبات العلاقة بين منشأة معينة وجبهة محددة يظل بحاجة إلى بيانات عن الرحلات والحمولات والجهات المستفيدة. فوجود مسيّرات في موقع قريب من السودان لا يثبت وحده أنها استخدمت في عمليات داخل البلاد، كما أن انطلاق طائرة نقل من منشأة مرتبطة بإنتاج المسيّرات لا يكشف تلقائياً ما كانت تحمله.
الاستنزاف الاقتصادي لا يلغي الحاجة إلى الإمداد الخارجي
تعمل الحرب السودانية في بيئة اقتصادية شديدة التدهور، تتضرر فيها البنية التحتية وتتعطل سلاسل الإنتاج والنقل، فيما تتزايد الاحتياجات الإنسانية للسكان. وفي مثل هذه الظروف، تصبح قدرة الأطراف على تأمين المعدات والموارد من الخارج عاملاً مهماً في تفسير استمرار العمليات العسكرية، خصوصاً عندما تتراجع قدرة الاقتصاد المحلي على توفير احتياجات الحرب.
وقد حذرت تحليلات لمركز «تشاتام هاوس» من أن تدفقات الأسلحة والتمويل والخدمات اللوجستية الخارجية تسهم في إبقاء الحرب مستمرة، مشيرة إلى أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على المسارات الدبلوماسية ما لم تتناول أيضاً مصادر الدعم التي تسمح للأطراف المتحاربة بمواصلة القتال. <Cite refs={[“turn815251search9”]}/>
ولا يعني هذا أن الإمداد الخارجي وحده يفسر استمرار الحرب؛ فهناك عوامل داخلية تتصل بالصراع على السلطة، وتفكك مؤسسات الدولة، والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالحرب، وقدرة الأطراف على تعبئة الموارد المحلية. لكن التدفقات الخارجية قد تخفف من أثر الاستنزاف وتمنح الأطراف خيارات إضافية لتعويض خسائرها، وهو ما يجعل مراقبتها جزءاً من أي محاولة جادة لفهم أسباب إطالة الصراع.
ما الذي يحتاجه التحقيق لإثبات حجم الشبكة؟
يتطلب الانتقال من المؤشرات إلى تقدير موثوق لحجم الإمداد بناء قاعدة بيانات تتضمن الرحلات التي أمكن التحقق منها، وتواريخها، وتسجيلات الطائرات، ومطارات المغادرة والوصول، ونوع الطائرة، وطبيعة الأدلة المتاحة بشأن الحمولة. وينبغي أن تميز هذه القاعدة بين الرحلات المؤكدة والرحلات المرجحة، وأن تتجنب احتساب الرحلة نفسها أكثر من مرة إذا وردت في تقارير مختلفة.
كما ينبغي مقارنة أعداد الرحلات خلال فترات زمنية متساوية، حتى لا تتحول زيادة الرصد أو تحسن خدمات التتبع إلى استنتاج مضلل بشأن ارتفاع النشاط الفعلي. ويجب توضيح ما إذا كانت البيانات تشمل الرحلات المدنية والعسكرية معاً، وما إذا كانت بعض الطائرات قد أوقفت أجهزة التتبع أو غيرت مساراتها، وكيف أثرت هذه العوامل في الحصيلة النهائية.
أما تحديد كمية السلاح أو الذخائر التي وصلت إلى السودان، فيحتاج إلى أدلة إضافية لا توفرها أعداد الرحلات وحدها. فالسعة القصوى للطائرة ليست دليلاً على وزن حمولتها الفعلية، ونوع الطائرة لا يحدد محتوياتها، كما أن الوصول إلى مطار لا يثبت الجهة التي تسلمت الشحنة أو كيفية توزيعها لاحقاً.
في المحصلة، تكشف متابعة حركة الطيران عن جانب مهم من البنية التي قد تساعد على استمرار الحرب السودانية، لكنها لا تمنح إجابات نهائية من دون استكمال الأدلة. فالرحلات المتكررة والتغيرات التي تشهدها المطارات والطائرات المرتبطة بمسارات خارجية، كلها عناصر تستحق الفحص ضمن إطار واحد. وتبقى القيمة الحقيقية للتحقيق في قدرته على تحديد ما يمكن إثباته، وتوضيح ما لا يزال غير محسوم، وربط حركة الإمداد بكلفتها العسكرية والاقتصادية والإنسانية، من دون تحويل المؤشرات إلى اتهامات تتجاوز الأدلة المتاحة.




