تسريبات

اختانا وتقعد فوق راسنا.. حرب الوسوم تكشف انقسام معسكر البرهان وتصاعد المطالب برحيله


لم تتوقف تداعيات حملة «اختانا يا برهان» عند حدود المطالبة برحيل قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بل امتدت إلى مواجهة إلكترونية بين مؤيديه ومعارضيه، بعدما أطلقت حسابات محسوبة على أنصار الجيش والإسلاميين وسماً مضاداً بعنوان «تقعد فوق راسنا»، في مشهد يعكس حدة الانقسام السياسي داخل السودان.

وتكشف هذه المواجهة أن الحملة لم تعد مجرد تعبير عابر عن الغضب من استمرار الحرب، وإنما أصبحت جزءاً من معركة أوسع حول شرعية السلطة العسكرية ومستقبل الحكم في البلاد.

ففي الوقت الذي استخدم فيه معارضو البرهان كلمة «اختانا» للمطالبة برحيله ووقف الحرب وإنهاء الحكم العسكري، حاول مؤيدوه توظيف الوسم المضاد للتأكيد على دعمهم لاستمراره في السلطة، ورفضهم لما يعتبرونه محاولات لإضعاف الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع.

تبدو إمكانية استجابة قائد الجيش للمطالب الرقمية برحيله (#اختانا) أمرًا  مستبعدًا في ظل العقلية التي يدير بها البلاد؛ فالشواهد تثبت أن البرهان لم  تزحزحه تظاهرات الملايين ضده منذ انقلاب الخامس والعشرين م

لكن رد الفعل لم يقتصر على السجال السياسي والإعلامي، إذ ذهبت إحدى المنصات المؤيدة للبرهان إلى مطالبة أجهزة الأمن والاستخبارات باعتقال كل من يروج لوسم «اختانا»، ومحاكمتهم بتهم الخيانة والتآمر على الدولة.

وأثار هذا الخطاب تساؤلات بشأن حدود حرية التعبير في المناطق الخاضعة لسلطة بورتسودان، ومدى استعداد السلطات للتعامل مع الاحتجاجات السياسية السلمية باعتبارها حقاً مشروعاً.

ويرى معارضو البرهان أن المطالبة برحيله لا تعني استهداف الدولة أو الجيش، وإنما تعبر عن رفض استمرار القيادة الحالية في إدارة الحرب والتمسك بالسلطة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، قال الناشط السياسي نزار عبد الكريم لـ«سكاي نيوز عربية» إن مطالبة منصات مؤيدة للجيش باعتقال مروجي الوسم تكشف عجز سلطة البرهان وأنصار النظام السابق عن التعامل مع النقد السلمي بوصفه حقاً مشروعاً.

وأضاف أن اتهام المعارضين بالخيانة والعمالة لن يخفي السؤال الأساسي الذي تطرحه الحملة، والمتعلق بأسباب الإصرار على مواصلة حرب يدفع المدنيون وحدهم كلفتها.

ويبرز هذا التصعيد جانباً من الأزمة السياسية التي يعيشها السودان، حيث أصبح الخلاف حول مستقبل السلطة مرتبطاً أيضاً بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود قدرة المواطنين على التعبير عن رفضهم للقيادة العسكرية.

كما تعكس الحملة المضادة حجم التباين داخل المشهد السياسي، خصوصاً أن أنصار البرهان يحاولون تقديم استمرار القيادة العسكرية باعتباره ضرورة لحماية الدولة، بينما يرى معارضوه أن استمرار الحكم العسكري نفسه أصبح أحد العوامل التي تعرقل الوصول إلى تسوية سياسية.

وتزداد حدة هذا التناقض مع استمرار الحرب وتفاقم الانقسام المؤسسي، إذ باتت كل حملة إعلامية تتحول إلى اختبار لمواقف القوى السياسية والاجتماعية من مستقبل السودان.

ومع ذلك، فإن انتشار وسم «اختانا» لا يعني بالضرورة وجود إجماع شعبي على خيار سياسي واحد، كما أن الحملة المضادة لا تثبت وحدها اتساع التأييد للبرهان. لكنها تكشف عن صراع متزايد حول شرعية السلطة وطبيعة المرحلة المقبلة.

وتبقى خطورة تحويل المطالب السياسية إلى اتهامات أمنية في احتمال تضييق المجال العام وإضعاف فرص الحوار، خصوصاً في بلد يحتاج إلى توافق واسع لإنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسساته.

فالخلاف حول بقاء البرهان لا يمكن حسمه عبر التخوين أو التهديد بالاعتقال، وإنما عبر مسار سياسي يضمن وقف القتال وحماية المدنيين وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية.

وفي نهاية المطاف، تكشف المواجهة بين «اختانا» و«تقعد فوق راسنا» أن السودان لم يعد يعيش أزمة عسكرية فقط، بل يواجه صراعاً على شكل الدولة ومن يحكمها، وعلى حق المواطنين في تحديد مستقبلهم بعيداً عن منطق السلاح والإكراه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى