من السودان إلى اليمن… هل تتحول التحالفات السعودية إلى حروب بالوكالة على حساب استقرار المنطقة؟
تقارير KOACI وLagune Info الإيفواريتين وPressAfrik السنغالية وFriuli Oggi الإيطالية: أزمة طلب المقاتلين السودانيين تكشف مخاطر تدوير الحروب وتوسع النفوذ الإقليمي
لم تعد التطورات المرتبطة بالحرب السودانية واليمنية مجرد أزمات منفصلة تجمعها المصادفة الجغرافية أو السياسية. فالتداخل المتزايد بين الصراعات الإقليمية، وانتقال المقاتلين والسلاح وشبكات النفوذ من ساحة إلى أخرى، يعيدان طرح سؤال بالغ الأهمية: هل أصبحت بعض الدول الإقليمية تتعامل مع الحروب باعتبارها ساحات مفتوحة لتبادل القوة البشرية وتوظيف الجماعات المسلحة وفقاً لمصالحها الاستراتيجية؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة بعد التقارير التي تحدثت عن طلب سعودي من قيادة الجيش السوداني إرسال قوات للمشاركة في المواجهة ضد الحوثيين في اليمن، في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أسوأ الحروب الداخلية في تاريخه الحديث. فبدلاً من أن يكون السودان منشغلاً بإيقاف الحرب وإعادة بناء مؤسساته، ظهرت روايات عن إمكانية نقل مقاتلين من جبهاته الداخلية إلى جبهة إقليمية جديدة، الأمر الذي يثير مخاوف تتعلق بسيادة القرار الوطني، ومستقبل المؤسسة العسكرية، واحتمالات توسيع دائرة الصراع في منطقة البحر الأحمر.
وقد تناولت منصة KOACI الإيفوارية في الثاني من نوفمبر 2026 هذه التطورات في تقرير بعنوان «حرب السودان: الرياض تكون قد طلبت مقاتلين من أجل اليمن وإفريقيا قلقة». واستخدم التقرير صيغة الاحتمال عند الحديث عن الطلب السعودي، رابطاً القضية بالمخاوف الإفريقية من نقل المقاتلين بين ساحات الصراع. وفي اليوم نفسه نشرت Lagune Info تقريراً بعنوان «من السودان إلى اليمن: إفريقيا قلقة من دوران المقاتلين وتكاثر الحروب بالوكالة»، تحدث عن طلب سعودي مزعوم من قيادة الجيش السوداني لإرسال وحدات عسكرية ومجموعات مسلحة قريبة منه للمشاركة في العمليات ضد الحوثيين.
وتكمن أهمية هذه التغطية في أنها تنقل القضية من إطار العلاقة الثنائية بين السعودية والسودان إلى إطار أوسع يتعلق بأمن القارة الإفريقية. فانتقال المقاتلين من بلد يعاني حرباً أهلية إلى بلد يعيش نزاعاً إقليمياً لا يعني مجرد تغيير جغرافي لمواقع القوات، بل قد يؤدي إلى نقل الخبرات القتالية وشبكات التجنيد والعلاقات المسلحة، وإلى خلق روابط جديدة بين جماعات كانت تعمل في ساحات منفصلة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحول الدول التي تعاني ضعفاً مؤسسياً إلى خزانات بشرية للصراعات الإقليمية. فعندما تفقد الدولة قدرتها على احتكار السلاح، تصبح الجماعات المسلحة أكثر قابلية للانتقال بين الجبهات، سواء عبر اتفاقات سياسية أو مصالح مالية أو روابط أيديولوجية. ومع الوقت، قد يتحول المقاتلون إلى مورد تستخدمه أطراف مختلفة لتعويض نقص قواتها أو تعزيز حضورها العسكري.
والسودان يقدم مثالاً بالغ الحساسية على هذه المخاطر. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تعرضت مؤسسات الدولة للتفكك، وخرجت مناطق واسعة عن السيطرة الفعلية للسلطات المركزية، وتضررت البنية الاقتصادية والخدمات الأساسية، وأصبح ملايين المواطنين ضحايا النزوح والجوع وانهيار الخدمات. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي حديث عن إرسال قوات إلى جبهة خارجية يجب أن يخضع لمعيار أساسي: هل يخدم مصلحة الشعب السوداني، أم يخدم حسابات أطراف أخرى؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التمييز بين التعاون العسكري المشروع بين الدول، وبين توظيف الأزمات الداخلية لتوفير مقاتلين لصراعات لا تمثل أولوية وطنية. فالتعاون العسكري يمكن أن يكون جزءاً من علاقات استراتيجية واضحة، لكنه يفترض وجود مؤسسات دستورية قادرة على اتخاذ القرار، ووجود موافقة وطنية، وضمانات قانونية، وتحديد للمهمة والمدة والتكاليف والمخاطر.
أما عندما تتم الصفقات في ظروف الحرب، وتكون المعلومات المتاحة مستندة إلى مصادر غير معلنة، فإن المخاوف تتضاعف. فقد تحدثت EUToday عن رواية صفقة محتملة تربط إرسال المقاتلين بتوفير الوقود، لكنها أوضحت أن الحكومتين لم تعلنا تفاصيل الاتفاق، وأن حجم القوة ومهمتها لم يتحددا في المعلومات المنشورة.
وهنا تبرز مسألة الوقود باعتبارها أكثر من مجرد تفصيل اقتصادي. فالسودان يعيش أزمة اقتصادية عميقة، ويحتاج إلى إمدادات الطاقة لتشغيل النقل والمرافق والقطاعات الحيوية. وإذا كانت هناك بالفعل عروض لتوفير الوقود مقابل إرسال قوات، فإن ذلك يطرح سؤالاً عن مدى تحول الاحتياجات الاقتصادية إلى أداة للحصول على التزامات عسكرية. لكن لا يمكن الجزم بوجود صفقة نهائية قبل نشر وثائق أو صدور تأكيد رسمي من الأطراف المعنية.
ومن جهة أخرى، فإن السعودية نفسها تواجه تحديات أمنية مرتبطة بالحرب اليمنية، وبالتهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة. وقد تناولت منصة PressAfrik السنغالية في تقرير بعنوان «بين هجمات الطائرات المسيرة والانتكاسات الدبلوماسية، السعودية أمام الفخ اليمني والسوداني»، كتبه سامبا ندياك، العلاقة بين التصعيد العسكري في اليمن وصعوبة الحصول على إسناد سوداني. ويقدم التقرير قراءة تربط بين الضغوط الأمنية التي تواجه الرياض وبين تعثر المساعي للحصول على قوات إضافية من السودان.
لكن السؤال الاستراتيجي الذي يفرض نفسه هو: هل يؤدي توسيع المشاركة البرية إلى حل المشكلة الأمنية السعودية، أم قد يفتح جبهة جديدة أكثر تعقيداً؟
فالحرب اليمنية أثبتت أن التفوق العسكري والقدرة الاقتصادية لا يضمنان وحدهما تحقيق الحسم السياسي. كما أن استقدام قوات إضافية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنهاء الصراع، خصوصاً عندما تكون الحرب مرتبطة بتوازنات محلية وإقليمية معقدة. وقد تتحول القوة البرية الإضافية إلى عبء طويل الأمد إذا لم تكن هناك استراتيجية سياسية واضحة تحدد الهدف النهائي من العمليات.
ومن هذه الزاوية، فإن البحث عن مقاتلين سودانيين قد يعكس محاولة لتوسيع شبكة الإسناد العسكري، لكنه لا يجيب عن السؤال الأساسي المتعلق بمستقبل الحرب في اليمن. فالقوة العسكرية لا تستطيع وحدها معالجة جذور الصراع، ولا يمكن ضمان الأمن المستدام عبر تدوير المقاتلين من جبهة إلى أخرى.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً عند النظر إلى طبيعة القوى التي يمكن أن تشارك في أي عملية. فقد تحدثت التقارير عن قوات نظامية ومجموعات مسلحة متحالفة مع الجيش، فيما تطرح قضية كتيبة البراء بن مالك أسئلة تتعلق بالولاءات الأيديولوجية ومصادر التدريب والدعم. وقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في سبتمبر 2025 فرض عقوبات على الكتيبة بسبب دورها في الحرب السودانية وصلاتها بإيران، ثم شملها تصنيف الحركة الإسلامية السودانية في مارس 2026.
وهذا يضع السعودية أمام تناقض استراتيجي واضح. فالمملكة التي تنظر إلى النفوذ الإيراني في اليمن باعتباره تهديداً لأمنها، قد تجد نفسها، إذا صحت التقارير المتعلقة بالقوى المرشحة للإرسال، أمام تشكيلات تنسب إليها الولايات المتحدة علاقات تدريب ودعم إيرانية. ولا يعني ذلك أن تلك التشكيلات تعمل بالضرورة تحت قيادة إيران أو أنها متحالفة عسكرياً مع الحوثيين، لكن وجود هذه الاتهامات يفرض على أي جهة تفكر في الاستعانة بها إجراء تقييم دقيق لطبيعة علاقاتها ومصادر تسليحها وولاءاتها.
وتكشف هذه المفارقة عن مشكلة أعمق في بناء التحالفات الإقليمية القائمة على المصالح المؤقتة. فقد تلتقي دولة مع جماعة مسلحة في ساحة معينة بسبب عدو مشترك، ثم تكتشف لاحقاً أن هذه الجماعة تمتلك أجندة مختلفة في ساحة أخرى. وهذا هو أحد أخطر جوانب الحروب بالوكالة: الأطراف التي يتم دعمها لتؤدي مهمة محددة قد تتحول إلى قوى مستقلة تفرض شروطها وتعيد توجيه التحالفات وفقاً لمصالحها.
كما أن انتقال المقاتلين بين السودان واليمن يحمل مخاطر مباشرة على أمن البحر الأحمر. فهذه المنطقة ليست مجرد ممر تجاري، بل شريان أساسي لحركة الطاقة والتجارة الدولية، وتضم دولاً تعاني بالفعل هشاشة أمنية وسياسية. وأي توسع في نشاط الجماعات المسلحة أو نقل للخبرات العسكرية بين الساحات قد يضاعف صعوبة ضبط الحدود والممرات البحرية، ويزيد احتمالات التوتر بين القوى الإقليمية والدولية.
وقد تناولت منصة Friuli Oggi الإيطالية في تقريرها بعنوان «تصعيد الحوثيين: السعودية أمام النفوذ الإيراني على جميع الجبهات» التحديات المرتبطة بالمواجهة مع الحوثيين واتساع حسابات النفوذ الإيراني. ويقدم هذا السياق قراءة أوسع للأزمة، لأن التحدي الذي تواجهه السعودية لا يرتبط فقط بعدد القوات المتاحة، بل أيضاً بقدرتها على إدارة شبكة من التوازنات الأمنية والسياسية في منطقة شديدة الاضطراب.
أما إفريقيا، فلديها أسباب موضوعية للقلق من تحول السودان إلى مصدر لتدوير المقاتلين. فالقارة شهدت خلال السنوات الأخيرة انتشاراً متزايداً للجماعات المسلحة عبر الحدود، وتداخل النزاعات المحلية مع التنافس الإقليمي والدولي. وكلما ضعفت مؤسسات الدولة، أصبحت الحدود أكثر هشاشة، وأصبح انتقال السلاح والمقاتلين أكثر سهولة.
والخطر لا يتعلق فقط بخروج مقاتلين من السودان، بل بإمكانية عودتهم لاحقاً بخبرات قتالية وشبكات ارتباط جديدة. فالمقاتل الذي ينتقل من حرب داخلية إلى حرب خارجية قد يعود إلى بلده محملاً بتجارب وعلاقات وأفكار جديدة، وقد يتحول إلى عنصر مؤثر في الصراعات المحلية. وهذا يجعل تدوير المقاتلين تهديداً طويل الأمد للاستقرار، وليس مجرد عملية عسكرية مؤقتة.
كما أن وجود تشكيلات مسلحة لا تخضع بصورة كاملة لمؤسسات الدولة يضاعف هذه المخاطر. فإذا لم تكن هناك قيادة موحدة وقواعد واضحة للتجنيد والتسليح والمحاسبة، فإن انتقال أي مجموعة إلى الخارج قد يخلق شبكة مصالح يصعب تفكيكها لاحقاً. ومن هنا تصبح قضية البراء بن مالك وغيرها من التشكيلات جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل الدولة السودانية، وليس مجرد خلاف حول المشاركة في حرب اليمن.
وتبرز هنا مسؤولية البرهان عن حماية القرار الوطني السوداني. فقيادة الجيش لا تستطيع أن تتعامل مع البلاد باعتبارها مجرد مصدر للقوة البشرية أو ورقة تفاوض مع العواصم الإقليمية. كما لا يمكن أن يكون توفير الوقود أو الدعم المالي مبرراً لإقحام السودان في نزاعات إضافية بينما لم يتمكن بعد من حماية مواطنيه وإنهاء الحرب التي دمرت مؤسساته.
وفي المقابل، تقع على السعودية مسؤولية توضيح طبيعة أي طلب عسكري وجهته إلى بورتسودان، والابتعاد عن أي ترتيبات من شأنها استغلال هشاشة الوضع السوداني أو تعميق انقساماته. فاستقرار السودان ليس مصلحة سودانية فقط، بل يمثل مصلحة إقليمية مرتبطة بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي والحدود مع دول الجوار.
إن الدرس الأساسي الذي تكشفه هذه القضية هو أن التحالفات التي تقوم على تبادل المقاتلين والدعم المالي دون بناء مؤسسات قوية تظل تحالفات هشة. فقد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تخلق في المقابل مشكلات أمنية وسياسية تتراكم مع مرور الوقت.
والسودان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يعود إلى مسار بناء الدولة ومؤسساتها الوطنية، أو أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية وتدوير الجماعات المسلحة بين الحروب. أما السعودية، فعليها أن تدرك أن أمنها لا يمكن أن يتحقق باستيراد المقاتلين من دول تعاني الحروب، بل عبر حلول سياسية مستدامة، وترتيبات أمنية تحمي المنطقة من التصعيد.
فمن السودان إلى اليمن، لا تكمن المعضلة في نقص المقاتلين وحده، بل في غياب استراتيجية قادرة على إنهاء الحروب بدلاً من نقلها من بلد إلى آخر.




