تسريبات

هل تتحول «اختانا يا برهان» إلى انتفاضة سياسية؟.. معركة الشارع تبدأ من رفض الحرب والحكم العسكري


في لحظة سياسية شديدة التعقيد، يبرز شعار «اختانا يا برهان» باعتباره أحد التعبيرات الجديدة عن حالة الاحتقان التي يعيشها السودان، في ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية وتراجع الثقة في القيادة العسكرية. فالحملة التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة من أكتوبر 2026 لم تطرح مجرد موقف معارض لعبد الفتاح البرهان، بل أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر السودان في ظل سلطة عسكرية تواجه أزمة متصاعدة في الثقة، أم أن المرحلة الراهنة تفرض فتح الطريق أمام تغيير سياسي يعيد السلطة إلى المدنيين؟

منذ ظهور الوسم، اتجهت رسائله إلى تحميل البرهان مسؤولية سياسية عن استمرار الحرب وتعثر الحلول، والمطالبة بإنهاء وجود المؤسسة العسكرية في موقع الحكم المباشر. وقد اختار المشاركون في الحملة عبارة سودانية دارجة تحمل معنى واضحاً ومباشراً، وهو ما ساعد على انتشارها وتداولها خارج الأطر التقليدية للخطاب السياسي. فبدلاً من البيانات المطولة والشعارات الحزبية، جاءت الرسالة في صيغة بسيطة ومختصرة، لكنها تحمل اعتراضاً على استمرار الوضع القائم.

وتكمن أهمية هذه الحملة في توقيتها. فالسودان يعيش مرحلة تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، ولم تعد آثار الحرب مقتصرة على المناطق التي تشهد المواجهات العسكرية. فقد امتدت إلى الأسواق والمستشفيات والمدارس ومصادر الطاقة والإنتاج الزراعي، كما انعكست على حياة ملايين الأسر التي فقدت مصادر رزقها أو اضطرت إلى النزوح بحثاً عن الأمان.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح المطالب السياسية أكثر ارتباطاً بالاحتياجات اليومية. فالمواطن الذي يعاني من ارتفاع الأسعار وانعدام الخدمات لا ينظر إلى السلطة باعتبارها مجرد مؤسسة سياسية، بل يقيس قدرتها على الاستمرار من خلال ما توفره له من أمن وغذاء ودواء وتعليم. وكلما عجزت القيادة عن تقديم حلول ملموسة، اتسعت الفجوة بينها وبين المجتمع، وأصبحت المطالبة بالتغيير أكثر حضوراً في الخطاب العام.

غير أن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الحملة قادرة على الانتقال من الفضاء الإلكتروني إلى حركة سياسية واجتماعية أوسع. فالتاريخ السوداني يقدم نماذج متعددة لحركات احتجاجية بدأت من مطالب محددة، ثم تحولت إلى موجات شعبية واسعة عندما توافرت لها قيادة مدنية وتنظيم سياسي وشعارات جامعة. وقد شكلت ثورة ديسمبر 2018 المثال الأبرز على قدرة الشارع السوداني على تحويل الغضب المتراكم إلى حركة سياسية استطاعت إنهاء حكم عمر البشير.

لكن الظروف الحالية تختلف بصورة كبيرة عن تلك المرحلة. فالحرب المستمرة أدت إلى تفكيك قطاعات واسعة من المجتمع، وتسببت في نزوح ملايين الأشخاص، وأضعفت الأحزاب والنقابات والروابط المهنية، كما جعلت العمل السياسي والتنظيم الشعبي أكثر صعوبة في مناطق عديدة. إضافة إلى ذلك، فإن انتشار السلاح وتعدد القوى العسكرية يفرضان تحديات كبيرة أمام أي محاولة لإطلاق حراك مدني واسع ومستقل.

ومع ذلك، فإن هذه الصعوبات لا تعني أن المجتمع فقد قدرته على التعبير عن رفضه للواقع القائم. فالحملات الرقمية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في نقل النقاش السياسي، وربط الأصوات المتفرقة، وإبراز المطالب التي قد لا تجد مساحة كافية في الإعلام الرسمي. كما أنها تتيح للسودانيين الموجودين داخل البلاد وخارجها المشاركة في نقاش عام حول مستقبل دولتهم، رغم القيود الجغرافية والأمنية التي فرضتها الحرب.

لكن نجاح أي حملة سياسية لا يقاس بعدد المنشورات أو الوسوم المتداولة فقط، وإنما بقدرتها على تحويل الرسالة الاحتجاجية إلى برنامج واضح ومطالب قابلة للتحقق. ومن هنا يبرز التحدي أمام أصحاب حملة «اختانا»: كيف يمكن الانتقال من المطالبة برحيل البرهان إلى تقديم تصور متكامل لمرحلة ما بعده؟ ومن هي القوى التي ستتولى إدارة الانتقال؟ وكيف يمكن منع تحول التغيير السياسي إلى صراع جديد على السلطة؟

إن غياب الإجابات عن هذه الأسئلة قد يجعل أي حراك احتجاجي عرضة للاستقطاب أو الاختراق أو التوظيف من جانب أطراف الصراع. ولذلك فإن القوى المدنية مطالبة بتجاوز الخلافات القديمة، والاتفاق على أرضية مشتركة تضع وقف الحرب واستعادة الحكم المدني وإصلاح مؤسسات الدولة في مقدمة الأولويات.

ومن أبرز التحديات أيضاً أن الحملة لا تواجه موقفاً موحداً داخل المجتمع السوداني. فهناك مواطنون يؤيدون استمرار قيادة الجيش باعتبارها الجهة التي يرون أنها قادرة على مواجهة قوات الدعم السريع، وهناك آخرون يرفضون طرفي الحرب ويدعون إلى إبعادهما عن السلطة، فيما توجد قطاعات لا تزال مترددة بسبب مخاوفها من انهيار مؤسسات الدولة أو دخول البلاد في فراغ سياسي وأمني.

وهذا التعدد في المواقف يجعل من الضروري التمييز بين المطالبة برحيل البرهان وبين الانحياز إلى الطرف العسكري الآخر. فرفض استمرار قائد الجيش في الحكم لا يعني تلقائياً تأييد قوات الدعم السريع، كما أن المطالبة بالحكم المدني لا تعني التخلي عن حق الدولة في امتلاك جيش وطني مهني. إن أحد أكبر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها القوى السياسية هو السماح بتحويل النقاش إلى معادلة ثنائية تضع السودانيين أمام خيارين لا يمثلان بالضرورة تطلعاتهم.

وفي هذا الإطار، تبدو ردود الفعل المضادة للحملة مؤشراً على حجم الاستقطاب السياسي والإعلامي. فقد ظهرت دعوات مؤيدة للبرهان تحت شعار «تقعد فوق راسنا»، كما صدرت مطالبات من منصات محسوبة على معسكره باتخاذ إجراءات أمنية ضد مروجي الوسم. ويكشف هذا السجال أن المعركة لم تعد مقتصرة على تقييم أداء القيادة العسكرية، بل امتدت إلى طبيعة العلاقة بين السلطة وحق المواطنين في التعبير عن آرائهم.

إن المطالبة باعتقال أشخاص بسبب شعار سياسي، إذا لم يرتبط ذلك بفعل جرمي محدد وأدلة قانونية، تمثل مساراً خطيراً من شأنه زيادة الاحتقان وتقويض الثقة. فحرية التعبير حق أساسي، وانتقاد المسؤولين والقيادات العامة جزء من أي نظام سياسي يحترم المواطنين. ولا يمكن التعامل مع كل صوت معارض باعتباره تهديداً للدولة، لأن الدولة أكبر من الأشخاص الذين يتولون قيادتها في مرحلة معينة.

ومن جهة أخرى، فإن أي حراك مدني يحتاج إلى الحفاظ على استقلاليته عن أطراف الحرب. فالسودانيون الذين يطالبون بإنهاء القتال لا يريدون أن يتحول احتجاجهم إلى أداة في صراع عسكري أو سياسي آخر. ولذلك فإن وضوح الموقف من جميع التشكيلات المسلحة، ورفض الانتهاكات أياً كان مرتكبها، يمثلان شرطاً أساسياً لبناء حركة وطنية تحظى بالمصداقية.

وتتطلب المرحلة المقبلة أيضاً صياغة برنامج سياسي يتضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وضمان حماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وإعادة تشغيل المؤسسات الصحية والتعليمية، وإطلاق عملية سياسية بمشاركة القوى المدنية والمجتمعات المحلية. كما يجب أن يتضمن البرنامج تصوراً واضحاً لإصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، وإخضاع جميع التشكيلات العسكرية لسلطة الدولة والقانون.

أما على المستوى الاقتصادي، فلا يمكن لأي انتقال سياسي أن ينجح إذا لم يضع معالجة الأزمة المعيشية في صدارة أولوياته. فإعادة بناء السودان تتطلب حماية الإنتاج الزراعي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الخدمات الأساسية، ومكافحة الفساد، وإدارة الموارد الطبيعية بشفافية. كما تتطلب خطة لإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتوفير الدعم للنازحين والعائدين، وإعادة دمج المتأثرين بالحرب في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ويظل المجتمع الدولي أمام مسؤولية مهمة في دعم أي مسار جاد لإنهاء الحرب. فالتجارب السابقة أظهرت أن البيانات الدبلوماسية وحدها لا تكفي، وأن المطلوب هو ممارسة ضغوط فعالة على الأطراف المتحاربة للالتزام بوقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات، وعدم استهداف المدنيين، وتهيئة الظروف أمام عملية سياسية لا تخضع لإملاءات السلاح.

كما أن القوى الإقليمية مطالبة بتجنب تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات أو التنافس على النفوذ. فاستقرار البلاد يمثل مصلحة مباشرة لدول الجوار والمنطقة بأكملها، بالنظر إلى موقع السودان الجغرافي وامتداد حدوده وتشابك مصالحه الاقتصادية والأمنية مع محيطه الإقليمي.

ومع ذلك، فإن العامل الحاسم سيظل داخلياً. فلا يمكن فرض انتقال ديمقراطي مستدام من الخارج، ولا يمكن بناء دولة مستقرة دون توافق وطني يشارك فيه السودانيون أنفسهم. وهذا يضع على عاتق الأحزاب والقوى المدنية والنقابات والمهنيين والشباب مسؤولية تقديم بديل سياسي واضح، قادر على تجاوز الانقسامات واستعادة الثقة الشعبية.

إن حملة «اختانا يا برهان» قد تكون بداية موجة جديدة من الاحتجاج السياسي، وقد تبقى في حدود التعبير الرقمي عن الغضب، لكن أهميتها تكمن في أنها كشفت عن عودة سؤال الحكم المدني إلى صدارة النقاش السوداني. فهي تضع القيادة العسكرية أمام اختبار سياسي، وتكشف أن استمرار السيطرة على مؤسسات الدولة لا يعني بالضرورة امتلاك قبول شعبي غير محدود.

وفي نهاية المطاف، لن يكون مستقبل الحملة مرتبطاً فقط بمدى انتشار الوسم، وإنما بقدرة السودانيين على تحويل مطالبهم إلى مشروع وطني يضع حداً للحرب ويعيد بناء الدولة. فالمطلوب ليس تغيير الأسماء في قمة السلطة مع الإبقاء على منظومة الأزمة، بل إنهاء الأسباب التي جعلت السودان ينتقل من ثورة تطالب بالحرية والسلام والعدالة إلى حرب تهدد وجود الدولة نفسها.

إن «اختانا يا برهان» تختصر لحظة سياسية فارقة، عنوانها أن قطاعات من السودانيين لم تعد تريد استمرار المعادلة التي حكمت البلاد خلال السنوات الماضية. لكنها تطرح في الوقت نفسه مسؤولية تاريخية على القوى المدنية: تقديم البديل قبل أن يتحول الفراغ السياسي إلى أزمة جديدة.

فالسودان لا يحتاج إلى قائد عسكري جديد بقدر ما يحتاج إلى دولة لا تتوقف على قائد، ولا تُختزل مؤسساتها في شخص أو جماعة، ولا يكون مستقبل مواطنيها رهينة صراع الجنرالات. والسودانيون الذين خرجوا ذات يوم مطالبين بالحرية والعدالة والسلام، لا يزالون بحاجة إلى تحقيق تلك المطالب، بعيداً عن أصوات الرصاص وحسابات السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى