تسريبات

حظر السلاح في السودان.. لماذا تعثّر القرار الأممي واتسعت معركة النفوذ؟


أعاد قرار مجلس الأمن الدولي تمديد نظام العقوبات المفروض على السودان، من دون توسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، الجدل حول حدود الدور الدولي في الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، بعدما فشل المجلس في التوصل إلى توافق بشأن المقترح الأميركي الذي كان يستهدف نقل الحظر من إقليم دارفور إلى جميع أنحاء البلاد.

وجاء القرار في وقت تتسع فيه رقعة المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتتزايد فيه المخاوف من استمرار تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية إلى طرفي الصراع. وبينما ترى قوى مدنية سودانية أن الحظر الشامل يمكن أن يشكل أداة للضغط من أجل وقف الحرب، يرفض الجيش السوداني توسيع القيود، في حين تحاول الولايات المتحدة الدفع باتجاه صيغة جديدة تمنح الدبلوماسية فرصة لمنع تحول النزاع إلى حرب إقليمية مفتوحة.

وفي المقابل، اعتبرت حكومة السلام التابعة لتحالف «تأسيس» أن الاكتفاء بتمديد القرار لفترة قصيرة لا يمثل معالجة حقيقية للأزمة، بل يعكس استمرار الانقسام الدولي بشأن السودان.

وقال وزير الإعلام والمتحدث باسم حكومة «تأسيس»، خالد دناع، إن تمديد حظر السلاح لشهر واحد لا يمكن اعتباره حلاً، معتبراً أن القرار يكشف عجز المجتمع الدولي عن صياغة موقف موحد تجاه الحرب.

وبحسب دناع، فإن السودان لا يحتاج إلى مزيد من المساومات الدبلوماسية، وإنما إلى موقف دولي يضع حماية المدنيين ووقف الحرب والتوصل إلى سلام شامل في مقدمة أولوياته.

شهر واحد بدل الحظر الشامل

كان مجلس الأمن قد مدد نظام العقوبات المفروض بموجب القرار 1591 حتى 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، كما مدد ولاية فريق الخبراء المعني بالسودان حتى 9 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.

لكن التمديد أبقى جوهر نظام حظر السلاح على حاله، إذ يظل نطاقه مرتبطاً بدارفور، بدلاً من تعميمه على كامل السودان كما اقترحت الولايات المتحدة.

وتشمل العقوبات أيضاً تجميد أصول الأشخاص المدرجين على قائمة العقوبات وحظر سفرهم، إلى جانب القيود المفروضة على توريد الأسلحة إلى الحكومة والكيانات غير الحكومية والأفراد العاملين في دارفور.

المشكلة بالنسبة إلى القوى المطالبة بتوسيع الحظر هي أن طبيعة الحرب تغيرت جذرياً منذ صدور القرار الأصلي. فالنزاع الذي كان القرار يستهدف تداعياته في دارفور أصبح اليوم حرباً وطنية تمتد من الخرطوم إلى الجزيرة والدمازين ومناطق أخرى، بينما أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ والأسلحة بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى مسافات واسعة داخل البلاد.

وبالتالي، فإن الإبقاء على الحظر في نطاق جغرافي محدد يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن تقييد تدفق السلاح في حرب لم تعد محصورة في الإقليم الذي صُمم الحظر أساساً لمعالجته؟

واشنطن تضغط.. ولكنها لا تريد مواجهة جديدة

الموقف الأميركي كشف في الوقت نفسه عن محاولة للجمع بين الضغط الدبلوماسي والحفاظ على مساحة للتفاوض.

وقال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إن واشنطن، بعد مشاورات مع حلفائها ودول أخرى، تؤيد تمديداً تقنياً قصير الأجل لقرار مجلس الأمن المتعلق بحظر الأسلحة.

ووفق الطرح الأميركي، فإن التمديد القصير لا ينبغي أن يتحول إلى تسوية نهائية، بل إلى فرصة إضافية للتفاوض بشأن توسيع الحظر.

وتحاول الولايات المتحدة بذلك تجنب الإبقاء على الوضع القائم لمدة طويلة، في ظل اعتقادها بأن استمرار تدفق السلاح قد يساهم في إطالة أمد الحرب وتوسيع نطاقها خارج الحدود السودانية.

وحذر بولس من أن معارضة توسيع الحظر قد تصب في مصلحة الأطراف التي تواصل تدمير السودان، داعياً مجلس الأمن إلى استغلال الفترة القصيرة المتاحة للدفع نحو اتفاق حول توسيع القيود.

لكن هذا الموقف يواجه عقبة أساسية داخل المجلس، تتمثل في غياب التوافق بين القوى الكبرى، خصوصاً في ظل التحفظ الروسي على فرض قيود جديدة مرتبطة بالسودان.

موسكو تعرقل التوافق؟

خلال المناقشات السابقة، أبدت روسيا رفضاً لاتجاه فرض قيود إضافية على السودان، وهو موقف يكتسب أهمية خاصة بسبب امتلاك موسكو حق النقض داخل مجلس الأمن.

وبذلك تحولت قضية حظر السلاح إلى جزء من صراع دبلوماسي أوسع حول السودان، لا يتعلق فقط بالوضع الإنساني أو العسكري، وإنما أيضاً بموازين القوى الدولية ومصالح الدول الكبرى في البلد الذي يحتل موقعاً استراتيجياً في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

فأي قرار بتوسيع الحظر يحتاج إلى توافق دولي لا يبدو متوافراً في الوقت الحالي، بينما يخشى مؤيدو الحظر الشامل من أن يؤدي استمرار الخلاف بين أعضاء مجلس الأمن إلى إضعاف أي محاولة لوقف تدفق الأسلحة.

وهكذا أصبح السودان أمام مفارقة واضحة: المجتمع الدولي يقر بأن استمرار الحرب يمثل تهديداً متزايداً، لكنه لا يستطيع الاتفاق على إحدى الأدوات الأساسية التي يمكن أن يستخدمها للضغط على أطراف النزاع.

لماذا يريد المدنيون حظراً شاملاً؟

لا تقتصر المطالبة بتوسيع حظر السلاح على حكومة «تأسيس». فهناك قوى مدنية سودانية أخرى، من بينها تحالف «صمود»، تدفع في الاتجاه نفسه، انطلاقاً من أن استمرار الحرب مرتبط إلى حد كبير باستمرار قدرة الأطراف المتحاربة على الحصول على الأسلحة والذخائر.

وتقوم هذه الرؤية على فكرة بسيطة: إذا كان المجتمع الدولي يريد وقف الحرب فعليه أن يستهدف أحد أهم مصادر استمرارها، أي تدفق السلاح.

لكن منتقدي هذا الطرح يواجهون بسؤال آخر: هل يستطيع حظر دولي، في ظل وجود حدود واسعة ومنافذ متعددة وشبكات إمداد إقليمية، أن يمنع فعلياً وصول الأسلحة إلى طرفي النزاع؟

الإجابة ليست سهلة، خصوصاً أن الحرب السودانية كشفت خلال السنوات الماضية عن تعدد مصادر الدعم العسكري واللوجستي، وعن قدرة أطراف النزاع على استخدام طرق مختلفة للحصول على الأسلحة والمعدات.

ومع ذلك، يرى أنصار الحظر الشامل أن وجود قرار دولي واضح يظل مهماً، حتى لو لم يؤد وحده إلى وقف كل عمليات التهريب والإمداد، لأنه يمنح المجتمع الدولي أساساً قانونياً وسياسياً أوسع لملاحقة شبكات التسليح والضغط على الدول التي تساعد أطراف الحرب.

لماذا يرفض الجيش السوداني؟

يرى منتقدو الجيش السوداني أن رفضه توسيع حظر السلاح مرتبط بصورة أساسية باعتماده على التفوق في بعض أنواع الأسلحة، وفي مقدمتها القوة الجوية.

وبحسب المحلل السياسي نجيمي عثمان، فإن الجيش لم يمتثل بصورة كاملة حتى للقيود المفروضة سابقاً على دارفور، واستمر في استخدام الطيران خلال العمليات العسكرية في مناطق مختلفة من السودان.

ويرى عثمان أن القوات الجوية تمنح الجيش قدرة على ضرب مواقع واسعة، وأن توسيع الحظر ليشمل كامل البلاد يمكن أن يحد من قدرته على الحصول على الأسلحة والمعدات التي يحتاج إليها لمواصلة العمليات.

كما يوجه منتقدون للجيش اتهامات باستخدام وصف «الحواضن» لتبرير استهداف مناطق مدنية يشتبه في وجود أنصار أو مقاتلين للدعم السريع فيها، وهي اتهامات ينفيها الجيش أو يقدم لها تفسيرات مختلفة مرتبطة بطبيعة العمليات العسكرية.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن فرض حظر شامل سيؤثر في قدرة الجيش على الاستفادة من التفوق الجوي، خصوصاً في ظل ما يصفونه بالدعم العسكري الخارجي الذي حصلت عليه القوات المسلحة السودانية.

حرب المسيّرات تغيّر المعادلة

أحد أهم الأسباب التي تجعل الحظر الجزئي يبدو أقل ارتباطاً بالواقع الحالي هو التطور الكبير في طبيعة الحرب نفسها.

فالمعارك لم تعد تعتمد فقط على الأسلحة التقليدية والأسلحة الخفيفة، وإنما أصبحت المسيّرات جزءاً أساسياً من العمليات العسكرية. وهذه الطائرات قادرة على تنفيذ ضربات بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة، ما يجعل تقسيم السودان إلى مناطق تخضع للحظر وأخرى خارجه أقل فاعلية من السابق.

ومن هنا تأتي الحجة الأساسية للمطالبين بالحظر الشامل: إذا كانت الأسلحة الحديثة قادرة على عبور المسافات والوصول إلى مناطق مختلفة من البلاد، فإن حصر القيود في دارفور قد لا يكون متناسباً مع طبيعة الحرب الجديدة.

كما أن استمرار إنتاج واستيراد الأسلحة خارج المناطق الخاضعة للحظر يتيح، نظرياً، إمكانية نقلها لاحقاً إلى جبهات القتال في مناطق أخرى.

هل يكفي تمديد الشهر؟

يرى مؤيدو القرار أن التمديد القصير قد يكون أفضل من انهيار نظام العقوبات بالكامل، لأنه يبقي الإطار القانوني قائماً ويمنح الدبلوماسية وقتاً إضافياً للتفاوض.

لكن القوى المطالبة بالحظر الشامل ترى أن شهرًا واحداً لن يغير شيئاً إذا لم يتحول إلى مرحلة انتقالية نحو قرار أكثر شمولاً.

وبالنسبة إلى حكومة «تأسيس»، فإن تمديد الحظر في صيغته الحالية قد يكون خطوة محدودة لكنها لا تعالج جوهر المشكلة. فالحرب لم تعد حرب دارفور فقط، وبالتالي فإن الإبقاء على القيود في نطاق دارفور وحده، وفق هذا الطرح، لا ينسجم مع الخريطة الحالية للمعارك.

وفي الوقت نفسه، فإن نجاح واشنطن في تمرير قرار شامل سيحتاج إلى إقناع الدول المتحفظة بأن الحظر لا يستهدف طرفاً واحداً، وإنما يهدف إلى تقليص تدفق الأسلحة إلى جميع أطراف النزاع.

وهذه نقطة أساسية، لأن أي حظر يفقد جزءاً من فعاليته إذا تحول في نظر أحد طرفي الحرب إلى أداة سياسية تستخدم ضده وحده.

العقوبات بين الضغط والواقع

تجربة السودان نفسها تظهر أن العقوبات الدولية لا تتحول تلقائياً إلى وقف للحروب. فقد ظل حظر السلاح على دارفور قائماً لسنوات، ومع ذلك لم يمنع استمرار الصراع أو وصول الأسلحة إلى المنطقة.

لكن هذا لا يعني أن العقوبات عديمة الجدوى. فهي يمكن أن ترفع تكلفة التسليح، وتفرض قيوداً على حركة الأفراد والشركات، وتمنح المجتمع الدولي أدوات لملاحقة شبكات الإمداد، فضلاً عن إرسال رسالة سياسية واضحة إلى الأطراف والدول الداعمة لها.

المشكلة تكمن في مدى القدرة على تنفيذ تلك العقوبات ومراقبة الحدود والموانئ والمطارات والشبكات التجارية التي يمكن أن تستخدم لنقل المعدات العسكرية.

ولهذا فإن حظر السلاح، إذا تم توسيعه، لن يكون كافياً بمفرده لإنهاء الحرب. لكنه قد يصبح جزءاً من استراتيجية أوسع تشمل الضغط الدبلوماسي والعقوبات الفردية والتحقيق في مصادر التمويل والتسليح، بالتوازي مع مسار سياسي حقيقي.

السودان بين السلاح والدبلوماسية

في النهاية، يكشف الجدل حول حظر السلاح أن الحرب السودانية لم تعد قضية داخلية يمكن فصلها عن الحسابات الدولية والإقليمية.

فالجيش يتمسك بخيار الحسم، والدعم السريع يواصل القتال، والقوى المدنية تطالب بوقف الحرب، بينما تحاول الولايات المتحدة الدفع نحو حظر أوسع، في حين تعيق الخلافات داخل مجلس الأمن الوصول إلى موقف موحد.

أما تمديد الحظر لشهر واحد، فيبقى أقرب إلى هدنة دبلوماسية مؤقتة منه إلى حل للأزمة.

والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كان مجلس الأمن سيقرر توسيع الحظر، وإنما ما إذا كان المجتمع الدولي قادراً فعلاً على تحويل هذا القرار إلى ضغط حقيقي على شبكات التسليح، وعلى الأطراف التي تواصل تغذية الحرب.

فإذا ظل السلاح يتدفق بينما تتعثر السياسة، فإن تمديد العقوبات لشهر أو عام لن يغير كثيراً من واقع الحرب. أما إذا تحول الحظر إلى جزء من استراتيجية دولية متكاملة تربط وقف تدفق السلاح بوقف القتال والعودة إلى التفاوض، فقد يصبح القرار نقطة ضغط حقيقية باتجاه إنهاء واحدة من أطول وأعقد حروب المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى