البرهان وحلايب والرتج.. اتهامات بصفقة سرية مع السيسي تفتح ملف السيادة السودانية
تتجدد التساؤلات بشأن مستقبل الأراضي السودانية المتنازع عليها مع مصر، في ظل اتهامات بوجود تفاهمات سرية تربط الدعم المصري المقدم إلى قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بتنازلات محتملة في ملفات الحدود والسيادة الوطنية. وتضع هذه الاتهامات مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد، إلى جانب منطقة الرتج التابعة لمحلية حلايب بولاية البحر الأحمر، في قلب جدل سياسي يتجاوز النزاع الحدودي التقليدي، ليمتد إلى طبيعة التحالفات الإقليمية التي تتشكل على وقع الحرب السودانية المستمرة وتداعياتها العسكرية والسياسية والاقتصادية.
نقلًا عن مصادر مطلعة، فإن اتفاقًا سريًا مزعومًا جرى بين قيادات إسلامية والبرهان من جهة، وبين البرهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من جهة أخرى، ويتضمن تقديم دعم سياسي وعسكري ودبلوماسي للقيادة السودانية في حربها ضد تحالف «تأسيس»، مقابل تنازلات تتعلق بالمناطق الحدودية المتنازع عليها. ووفق الرواية ذاتها، فإن التفاهمات المفترضة تشمل مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد، فضلًا عن منطقة الرتج التي تكتسب أهمية اقتصادية بسبب نشاط التعدين التقليدي، وموقعًا جغرافيًا حساسًا بالقرب من الحدود المصرية.
وتكتسب هذه الادعاءات خطورتها من طبيعة الملف الذي تتناوله، إذ يتعلق الأمر بأراضٍ ظل السودان يتمسك بمطالبته بها على مدى عقود، ولم يُحسم النزاع بشأنها عبر تسوية نهائية متفق عليها بين الخرطوم والقاهرة. وفي حال ثبوت وجود تفاهمات تتضمن تغييرًا في الموقف السوداني من هذه المناطق، فإن ذلك سيطرح أسئلة جوهرية بشأن الأساس القانوني لأي قرار من هذا النوع، والجهات التي شاركت في اتخاذه، ومدى امتلاك القيادة الحالية تفويضًا دستوريًا يسمح لها بإجراء تغييرات تمس المطالبات الإقليمية للدولة.
ومع ذلك لا تتضمن وثائق رسمية منشورة تثبت وجود الاتفاق المزعوم أو تحدد بنوده بصورة قابلة للتحقق المستقل. ولذلك، فإن الحديث عن مقايضة مباشرة بين الدعم المصري والتنازل عن الأراضي يظل اتهامًا منسوبًا إلى مصادر التقرير، وليس حقيقة يمكن الجزم بها استنادًا إلى المعلومات الواردة وحدها. ويجعل هذا الأمر الكشف عن الوثائق، والحصول على ردود رسمية من الخرطوم والقاهرة، ضرورة أساسية لتحديد ما إذا كانت هناك بالفعل تفاهمات من هذا النوع، أم أن الأمر يتعلق بتقديرات سياسية مرتبطة بتطورات الحرب والعلاقات الثنائية.
الدعم المصري والحسابات العسكرية للبرهان
تربط الرواية التي نشرها الموقع بين الاتفاق المزعوم وبين حاجة البرهان إلى تعزيز موقعه السياسي والعسكري في ظل الحرب التي يشهدها السودان، وما تفرضه من تحديات متزايدة على قيادة الجيش. فالصراع لم يعد مقتصرًا على المواجهات الميدانية بين الأطراف المتحاربة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بشبكة من العلاقات الإقليمية والدولية التي تؤثر في موازين القوى، وتحدد إلى حد بعيد قدرة الأطراف على مواصلة العمليات العسكرية وتأمين الدعم السياسي والدبلوماسي.
وفي هذا السياق، ترى المصادر التي استند إليها التقرير أن القاهرة تسعى إلى توظيف علاقاتها مع القيادة السودانية لحماية مصالحها الاستراتيجية، ولا سيما في المناطق المطلة على البحر الأحمر، حيث تتداخل اعتبارات الأمن والحدود والموارد الطبيعية مع الملفات المتعلقة بالملاحة البحرية وترسيم الحدود. ووفق هذا التصور، فإن الدعم المصري المفترض للبرهان قد يكون جزءًا من تفاهمات أوسع تتعلق بمستقبل العلاقة بين البلدين، بما يثير مخاوف من أن تصبح الملفات السيادية السودانية جزءًا من حسابات التفاوض السياسي والعسكري.
وتبرز هنا إشكالية أساسية تتعلق بحدود التعاون بين الدول المتجاورة في أوقات الحرب والأزمات. فالدعم السياسي أو العسكري الذي قد تقدمه دولة لحليف إقليمي لا يعني بالضرورة وجود مقابل يتعلق بالأراضي أو الحدود، كما أن العلاقات الثنائية قد تتضمن تفاهمات أمنية واقتصادية لا تمس السيادة الإقليمية. غير أن خطورة الاتهامات المتداولة تكمن في احتمال ارتباط الدعم الخارجي، وفق الرواية المنشورة، بتغيير موقف السودان من منطقة متنازع عليها، وهو أمر يتطلب أدلة واضحة، خصوصًا أن أي تغيير رسمي في المطالبات الحدودية ستكون له تداعيات تتجاوز عمر القيادة الحالية وتمتد إلى الأجيال المقبلة.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل اعتماد أطراف الصراع السوداني على العلاقات الخارجية لتعزيز مواقعها، بينما يعاني البلد من أزمة إنسانية واسعة وتراجع في قدرة المؤسسات العامة على أداء وظائفها. ففي مثل هذه الظروف، تصبح الشفافية في إدارة العلاقات الإقليمية أكثر إلحاحًا، لأن غياب المعلومات الرسمية يفتح المجال أمام انتشار الروايات المتضاربة، ويزيد من صعوبة التمييز بين التفاهمات الدبلوماسية المعتادة والادعاءات التي تتحدث عن تنازلات تمس السيادة الوطنية.
حلايب وشلاتين وأبورماد.. نزاع تاريخي لم يصل إلى تسوية نهائية
يعود النزاع بشأن مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد إلى اختلاف التفسير المصري والسوداني للترتيبات الحدودية التاريخية. فمصر تستند إلى الحدود السياسية التي رسمتها اتفاقية عام 1899 عند خط عرض 22 شمالًا، بينما يتمسك السودان بترتيبات إدارية لاحقة تعود إلى عام 1902، يرى أنها تدعم مطالبته بالمنطقة. وقد أسهم هذا الاختلاف في استمرار النزاع لعقود، رغم تغير الظروف السياسية وتبدل الحكومات في البلدين.
ومنذ منتصف التسعينيات، أصبحت المنطقة خاضعة للسيطرة المصرية الفعلية، في سياق توترات سياسية وأمنية بين البلدين أعقبت اتهامات مرتبطة بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. ومنذ ذلك الوقت، بقيت حلايب واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات السودانية المصرية، نظرًا إلى ارتباطها بمفهوم السيادة الوطنية والحدود المعترف بها والمطالبات الإقليمية المتبادلة.
ولا تتوقف أهمية المثلث عند رمزيته السياسية، إذ يتمتع بموقع استراتيجي على ساحل البحر الأحمر، ويثير موقعه اعتبارات مرتبطة بالموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية والمجالات البحرية. كما أن أي تطور في وضع المنطقة قد تكون له انعكاسات على النقاشات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية، خصوصًا عندما تتقاطع المصالح السودانية والمصرية مع ملفات إقليمية أخرى، من بينها العلاقات مع السعودية.
ويشير التقرير إلى تداول تقارير إعلامية سابقة بشأن مواقف منسوبة إلى البرهان تتعلق بالخرائط الحدودية، في سياق التحضير لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية. لكنه يذكر أيضًا أن جهات سودانية رسمية نفت صحة بعض هذه التقارير، واعتبرتها غير مستندة إلى أدلة موثوقة. ويعكس هذا التباين الحاجة إلى التعامل بحذر مع المعلومات المتعلقة بملف شديد الحساسية، إذ لا يمكن اعتبار التقارير الإعلامية المتضاربة دليلًا قاطعًا على حدوث تغيير في الموقف الرسمي السوداني من المنطقة.
وفي ظل هذا النزاع التاريخي، فإن أي حديث عن تنازل رسمي محتمل يحتاج إلى تحديد دقيق لطبيعة الإجراء المقصود، وما إذا كان يتعلق بتعديل الخرائط أو تغيير الموقف الدبلوماسي أو الدخول في مفاوضات جديدة أو اتخاذ قرار قانوني ملزم. فهذه الإجراءات ليست متطابقة من حيث آثارها القانونية والسياسية، ولا يمكن وضعها جميعًا في مرتبة واحدة من دون الاطلاع على الوثائق ذات الصلة.
منطقة الرتج والتعدين التقليدي.. البعد الاقتصادي للاتهامات
إلى جانب مثلث حلايب، تبرز منطقة الرتج في الرواية المنشورة بوصفها نقطة أساسية في الاتهامات المتعلقة بالتفاهمات المزعومة. وتقع المنطقة ضمن محلية حلايب بولاية البحر الأحمر، وتكتسب أهمية بسبب نشاط التعدين التقليدي الذي يوفر مصدر دخل لعدد من العاملين والسكان، فضلًا عن موقعها القريب من الحدود وما يفرضه ذلك من اعتبارات أمنية وإدارية.
وبحسب المقال، شهدت المناطق القريبة من الحدود حوادث وتوترات طالت معدنين تقليديين سودانيين، وسط تداول معلومات عن اعتداءات وإصابات وقتلى وإخلاء مواقع تعدين. كما أشار التقرير إلى أن التعامل الرسمي مع بعض هذه الحوادث اتخذ شكل تشكيل لجان للتحقيق والدعوة إلى الالتزام بالحدود، بدلًا من توجيه اتهامات مباشرة إلى جهة خارجية.
ويربط أصحاب الرواية بين هذا النهج وبين الاتفاق السري المزعوم، معتبرين أن غياب موقف سوداني حازم قد يعكس وجود تفاهمات سياسية تحد من قدرة الخرطوم على التصعيد في الملف الحدودي. لكن هذا الربط يظل استنتاجًا سياسيًا لا يكفي وحده لإثبات وجود اتفاق، لأن طبيعة الاستجابة الرسمية لأي حادث حدودي قد تتأثر بعوامل متعددة، من بينها المعلومات المتاحة للسلطات، ونتائج التحقيقات، والاعتبارات الأمنية والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تصريحات للبرهان خلال زيارة لمنطقة الرتج في يونيو 2026، دعا فيها المواطنين إلى الالتزام بالحدود، وتحدث عن التحقق من الحوادث التي طالت معدنين سودانيين. وإذا أُريد تقييم هذه التصريحات بصورة مهنية، فمن الضروري الاطلاع على نصها الكامل وسياقها، ومقارنتها بالبيانات الرسمية ونتائج التحقيقات ذات الصلة، بدلًا من اعتبارها دليلًا منفردًا على وجود تنازلات سياسية.
وتبقى حماية المعدنين والمدنيين مسؤولية أساسية تقع على عاتق السلطات المختصة، بصرف النظر عن طبيعة النزاع الحدودي أو العلاقات مع القاهرة. كما أن الإعلان عن نتائج التحقيقات، وتوضيح ظروف الحوادث، وتحديد المسؤوليات استنادًا إلى أدلة موثوقة، يمكن أن يسهم في الحد من التوترات ومنع استغلال معاناة السكان في الصراع السياسي والإعلامي.
الشرعية الدستورية ومستقبل المطالبات السودانية
تفتح الاتهامات المتداولة ملفًا آخر يتعلق بالجهة التي تملك صلاحية اتخاذ قرارات تمس الحدود والسيادة الوطنية في السودان. فمنذ انقلاب أكتوبر 2021، وما تبعه من اضطراب في بنية المؤسسات السياسية والدستورية، أصبحت مسألة شرعية القرارات الصادرة عن القيادة الحالية موضع نقاش واسع في الأوساط السياسية السودانية.
ويزداد هذا النقاش حساسية عندما يتعلق الأمر بمطالبات إقليمية تاريخية، لأن أي تغيير جوهري في الموقف من الأراضي المتنازع عليها لا يُعد شأنًا إداريًا عابرًا، بل قرارًا قد يترتب عليه أثر طويل الأمد في العلاقات الخارجية وفي تصور السودانيين لحدود دولتهم. ولذلك، فإن أي تفاهمات محتملة بشأن حلايب أو الرتج يجب أن تخضع لمراجعة قانونية ودستورية واضحة، وأن تُعرض تفاصيلها على الجهات المختصة وفق الإجراءات المعمول بها.
وقد أورد التقرير أن قوى سياسية سودانية اعتبرت أي تنازل محتمل عن المنطقة خيانة للحقوق الوطنية، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عن أي تفريط في السيادة. غير أن الموقف السياسي، مهما كانت حدته، لا يغني عن إثبات الوقائع وتحديد طبيعة القرارات التي اتخذت بالفعل. فالمحاسبة القانونية تتطلب أدلة موثقة، كما أن حماية الحقوق الإقليمية تحتاج إلى موقف دبلوماسي متماسك يستند إلى الحجج القانونية والتاريخية.
وفي المحصلة، يضع الجدل بشأن حلايب والرتج القيادة السودانية أمام ضرورة تقديم إجابات واضحة عن طبيعة العلاقات مع مصر، وموقفها من النزاع الحدودي، وملابسات الحوادث التي شهدتها المناطق القريبة من الحدود. كما يسلط الضوء على الحاجة إلى إدارة الملفات السيادية بشفافية، بعيدًا عن الغموض الذي يتيح انتشار الاتهامات من دون أدلة حاسمة.
إن الأراضي المتنازع عليها لا يمكن أن تتحول إلى مجرد عنوان في صراع سياسي أو ورقة في سجالات الحرب، بل يتعين التعامل معها باعتبارها ملفًا وطنيًا وقانونيًا يتطلب وضوحًا في الموقف، وتوثيقًا للمعلومات، والتزامًا بالإجراءات الدستورية. وحتى تتوافر أدلة مستقلة على الاتفاق المزعوم أو يصدر توضيح رسمي شامل بشأنه، سيظل السؤال مفتوحًا حول حقيقة ما يجري خلف الأبواب المغلقة، وحول مدى تأثير حسابات الحرب والتحالفات الإقليمية في مستقبل المطالبات السودانية.




