تسريبات

البراء بن مالك.. ميليشيا إخوانية تضع الجيش السوداني أمام اختبار الولاء والنفوذ الإيراني


لم تعد أزمة سلطة بورتسودان محصورة في الصراع العسكري مع قوات الدعم السريع، ولا في الخلافات السياسية التي تحيط بقيادة عبد الفتاح البرهان، بل باتت تمتد إلى طبيعة القوى المسلحة التي تعتمد عليها المؤسسة العسكرية، ومدى خضوعها لقرارات القيادة العامة. وفي هذا السياق، تبرز كتيبة البراء بن مالك باعتبارها نموذجاً لتداخل النفوذ العسكري والأيديولوجي داخل المعسكر الموالي للجيش، خصوصاً بعد التقارير التي تحدثت عن رفض المجموعات الإسلامية المسلحة الاستجابة لطلب سعودي يتعلق بإرسال مقاتلين إلى اليمن لمواجهة الحوثيين. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط برفض مهمة خارجية، وإنما تكشف عن وجود قوى تمتلك حساباتها السياسية والتنظيمية الخاصة، وتستطيع التأثير في خيارات القيادة العسكرية، حتى عندما تتعارض تلك الخيارات مع مصالح حليف إقليمي مهم مثل السعودية.

وتضع هذه التطورات عبد الفتاح البرهان أمام معضلة متزايدة التعقيد. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، اعتمد الجيش على تحالف واسع يضم تشكيلات مسلحة وقوى سياسية وإسلامية، مستفيداً من قدرتها على التعبئة وتوفير المقاتلين وتعزيز الجبهات. غير أن هذا التحالف لم يقم بالضرورة على وحدة الرؤية بشأن مستقبل السودان، بل جمع أطرافاً تتقاطع مصالحها في مواجهة الخصم العسكري، بينما تختلف حساباتها بشأن شكل السلطة المقبلة وطبيعة العلاقات الخارجية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه التشكيلات من عناصر مساندة للجيش إلى قوى تملك حضوراً ميدانياً وتنظيمياً، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن حدود سيطرة القيادة العسكرية عليها.

وتأتي كتيبة البراء بن مالك في مقدمة هذه التشكيلات. فقد وصف تقرير نشرته صحيفة «The Star» الكينية في الثاني من نوفمبر 2026 الكتيبة بأنها الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين في السودان، مشيراً إلى أن وزارة الخارجية الأميركية صنفتها منظمة إرهابية أجنبية في مارس من العام نفسه. ووفق التقرير، فإن عناصرها تتلقى دعماً عسكرياً من قيادة الجيش، بما يشمل المدفعية والطائرات المسيّرة، لكنها تحتفظ باستقلال تنظيمي وسياسي يجعلها قادرة على تبني مواقف لا تتطابق بالضرورة مع توجهات القيادة العسكرية. وهذه المعادلة تضع المؤسسة العسكرية أمام تناقض واضح: توفير السلاح والغطاء لتشكيل مسلح، مع صعوبة ضمان خضوعه الكامل للقرار المركزي.

وتكشف أزمة اليمن هذا التناقض بصورة مباشرة. فالتقارير التي نشرتها وسائل إعلام كينية وأفريقية تحدثت عن رفض الكتائب الإسلامية المسلحة المشاركة في أي انتشار عسكري سوداني لمساندة السعودية ضد الحوثيين. ويعكس هذا الرفض، وفق الروايات المنشورة، أولوية المعركة الداخلية بالنسبة لهذه الجماعات، إذ لا ترغب في نقل مقاتليها إلى خارج السودان في وقت تعتبر فيه أن استمرار وجودها داخل الجبهات السودانية شرط أساسي للحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي. لكن هذا الموقف يحمل أيضاً دلالات أيديولوجية وإقليمية، خصوصاً عندما يوضع في سياق العلاقات التي تتحدث عنها تقارير أميركية بين بعض التشكيلات الإسلامية السودانية وإيران.

وتزداد حساسية الملف بسبب ما ورد في تقارير بشأن علاقة كتيبة البراء بن مالك بالحرس الثوري الإيراني. فقد أشارت التغطيات المنشورة إلى أن وزارة الخزانة الأميركية تحدثت في سبتمبر 2025 عن تلقي الكتيبة تدريباً ودعماً من الحرس الثوري. وإذا ثبتت هذه المعطيات، فإنها تكشف عن مسار بالغ الخطورة يتمثل في ارتباط تشكيل مسلح يقاتل ضمن المعسكر الموالي للجيش السوداني بشبكة نفوذ إقليمية تتعارض مصالحها في ملفات عديدة مع مصالح السعودية. وهنا يصبح رفض إرسال المقاتلين إلى اليمن أكثر من مجرد قرار تكتيكي، لأنه يسلط الضوء على التناقض بين التحالفات التي تعلنها سلطة بورتسودان والعلاقات التي قد تنسجها بعض القوى المسلحة داخل معسكرها مع أطراف إقليمية أخرى.

ولا يعني ذلك أن جميع مكونات الجيش السوداني تتبنى موقفاً واحداً من إيران أو من الحوثيين، كما لا يمكن اعتبار كل عناصر التشكيلات الإسلامية جزءاً من شبكة إقليمية موحدة. لكن وجود تقارير تتحدث عن التدريب والدعم الإيراني، بالتزامن مع رفض المشاركة في مواجهة الحوثيين، يفرض ضرورة التحقيق في طبيعة هذه الروابط وحدود تأثيرها على القرار العسكري السوداني. فالسؤال الأهم هو ما إذا كانت سلطة بورتسودان تمتلك رؤية موحدة لعلاقاتها الخارجية، أم أن بعض القوى داخل المعسكر العسكري أصبحت تتحرك وفق حسابات تتجاوز مؤسسات الدولة.

وفي هذا الإطار، تبدو العلاقة بين البرهان والكتائب الإسلامية محكومة بمعادلة المنفعة المتبادلة. فالقيادة العسكرية تحتاج إلى المقاتلين الذين توفرهم هذه التشكيلات في ظل اتساع رقعة الحرب، بينما تسعى الجماعات الإسلامية إلى استثمار وجودها العسكري لتثبيت مواقعها في مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والسياسية. وهذه العلاقة قد تبدو متماسكة في مواجهة خصم مشترك، لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما يتعلق الأمر بتوزيع النفوذ أو تحديد السياسة الخارجية أو رسم مستقبل الحكم في السودان.

وتبرز الخطورة عندما تتحول التشكيلات المسلحة إلى مراكز قوة موازية تمتلك القدرة على فرض شروطها على القيادة. فالجيش، بوصفه مؤسسة وطنية، يفترض أن يحتكر القرار العسكري وأن يخضع جميع القوات العاملة تحت سلطته لقواعد موحدة وسلسلة قيادة واضحة. أما استمرار وجود مجموعات مسلحة ذات استقلال تنظيمي وأيديولوجي فيهدد وحدة المؤسسة العسكرية، ويجعل مستقبل الدولة مرتبطاً بتوازنات بين قوى متعددة بدلاً من الاحتكام إلى المؤسسات الرسمية.

ولا تقف المخاوف عند حدود الاستقلال التنظيمي، بل تمتد إلى الاتهامات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. فقد نقلت تقارير منشورة في نوفمبر 2026 عن المرصد الوطني لحقوق الإنسان في السودان توثيقه حالات تجنيد قسري لأطفال من مدارس في الخرطوم خلال يوليو 2026، مع الحديث عن نقلهم إلى معسكرات تدريب في منطقة الساحة الخضراء. كما أشارت إلى تقرير لمنظمة دعم ضحايا دارفور بشأن إعدام مدني أعزل في أم درمان خلال أغسطس 2026، بعد اعتقاله وتقييد يديه وتغطية وجهه قبل إطلاق النار عليه. وهي اتهامات خطيرة تستوجب تحقيقاً مستقلاً، وتحديد المسؤوليات الفردية والقيادية، وعدم الاكتفاء بالنفي أو التبرير السياسي.

كما تحدثت التقارير عن مزاعم بشأن اندماج عناصر من هذه التشكيلات في خلايا أمنية تعمل بالتنسيق مع الشرطة وأجهزة الاستخبارات، وتشارك في عمليات اعتقال وتعذيب تستهدف ناشطين ومعارضين. وإذا ثبتت هذه الاتهامات، فإن الأمر يتجاوز انتهاكات ميدانية منفردة إلى احتمال تحول جماعات مسلحة إلى أدوات نفوذ داخل المنظومة الأمنية للدولة. وهذا يثير مخاوف من تسييس الأجهزة النظامية واستخدامها في تصفية الخصوم السياسيين، بدلاً من أداء وظائفها القانونية في حماية المواطنين وتطبيق القانون.

إن خطورة هذا المسار لا تتعلق فقط بالضحايا المباشرين، بل بما يتركه من آثار على مستقبل السودان. فالدولة التي تسمح بتداخل الميليشيات مع الأجهزة الأمنية وتعدد مراكز الاعتقال والقرار تصبح أكثر عرضة لانهيار الثقة بين المواطنين ومؤسساتها. كما أن وجود جماعات مسلحة ذات توجهات أيديولوجية قد يجعل أي عملية انتقال سياسي مستقبلي رهينة لموافقتها، خصوصاً إذا احتفظت بسلاحها وشبكاتها التنظيمية بعد انتهاء العمليات العسكرية.

ومن زاوية إقليمية، فإن هذا الوضع يضع السعودية أمام سؤال بالغ الأهمية بشأن طبيعة القوى التي تتعامل معها في السودان. فالرياض سعت إلى بناء علاقات مع قيادة البرهان باعتبارها طرفاً أساسياً في المعادلة السياسية والعسكرية، لكنها تجد نفسها، وفق التقارير المتداولة، أمام تشكيلات مسلحة لا تتطابق حساباتها مع أولوياتها. وتزداد المفارقة عندما تكون هذه التشكيلات متهمة بتلقي تدريب ودعم من إيران، في الوقت الذي تطلب فيه السعودية مساعدة عسكرية لمواجهة الحوثيين، الذين يشكلون أحد أبرز أطراف الصراع الإقليمي المرتبط بطهران.

وبذلك تتحول كتيبة البراء بن مالك من مجرد فصيل يقاتل داخل السودان إلى مؤشر على تعقيدات التحالفات الإقليمية التي نسجتها سلطة بورتسودان. فالسعودية تريد شريكاً قادراً على اتخاذ القرار وتنفيذه، والبرهان يحتاج إلى الاحتفاظ بالقوى التي تدعم جبهاته، بينما تسعى الجماعات الإسلامية إلى ضمان استمرار نفوذها داخل الدولة. أما إيران، فإن أي وجود لعلاقات تدريب ودعم مع هذه الجماعات يفتح أمامها، إذا ثبت واستمر، مجالاً إضافياً للتأثير في بيئة استراتيجية حساسة تقع على ساحل البحر الأحمر.

ولا يمكن تجاهل التداعيات المحتملة على أمن البحر الأحمر، الذي يمثل ممراً حيوياً للتجارة العالمية وحركة الطاقة والملاحة الدولية. فاستمرار الحرب السودانية، وتعدد التشكيلات المسلحة، وتداخل المصالح الإقليمية، كلها عوامل تزيد من صعوبة تحقيق الاستقرار في منطقة ترتبط أمنياً واقتصادياً بدول الخليج والقرن الأفريقي. كما أن انتقال المقاتلين والأسلحة والخبرات بين ساحات الصراع يرفع مخاطر تدويل الحرب وتحويل السودان إلى مساحة لتنافس القوى الخارجية.

وتزداد هذه المخاطر عندما تتحول الموارد الاقتصادية إلى أدوات للمساومة السياسية والعسكرية. فالتقارير التي تحدثت عن ربط إمدادات الوقود السعودية باحتمال إرسال مقاتلين سودانيين تعكس، إذا صحت الرواية، حجم اعتماد سلطة بورتسودان على الدعم الخارجي، كما تكشف عن استعداد الأطراف للتفاوض حول احتياجات الدولة في ظل الحرب. لكن المشكلة أن أي اتفاق من هذا النوع لا يمكن أن يضمن تنفيذه إذا كانت القوى التي يفترض أن توفر المقاتلين لا تقبل به، أو ترى أنه يتعارض مع مصالحها.

وهنا تبرز مسؤولية البرهان عن طبيعة التحالف الذي اختار الاعتماد عليه. فليس كافياً أن تبرر القيادة العسكرية وجود الميليشيات بضرورات الحرب، ثم تتجاهل التبعات السياسية والأمنية المترتبة على تسليحها ومنحها مساحة واسعة من الحركة. كما لا يمكن الفصل بين مسؤولية القيادة عن ضبط القوات المساندة لها وبين مسؤولية الأفراد الذين يرتكبون الانتهاكات. فبناء مؤسسة عسكرية وطنية لا يتحقق بتجميع أكبر عدد من المقاتلين، وإنما بإخضاع الجميع لقانون واحد وقيادة واحدة ومحاسبة واحدة.

وفي المقابل، فإن استمرار الحرب يمنح هذه التشكيلات مبرراً دائماً للحفاظ على السلاح والنفوذ، ويجعل أي محاولة لإعادة بناء الدولة أكثر صعوبة. فكلما طال الصراع، زادت قدرة القوى المسلحة على تحويل وجودها الميداني إلى مكاسب سياسية، وأصبحت عملية تفكيك شبكاتها أو دمجها في مؤسسات نظامية أكثر تعقيداً. وهذا ما يجعل أزمة البراء بن مالك جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بمستقبل احتكار الدولة للقوة المسلحة.

إن ما تكشفه أزمة رفض القتال في اليمن هو أن سلطة بورتسودان تواجه مشكلة تتجاوز حدود علاقاتها مع السعودية أو إيران. إنها أزمة سيادة وقرار، حيث تتداخل حسابات القيادة العسكرية مع أجندات الجماعات الإسلامية ومصالح القوى الإقليمية. وفي الوقت الذي يحاول فيه البرهان تقديم نفسه باعتباره صاحب القرار النهائي في السودان، تظهر الوقائع والتقارير المتداولة أن نفوذه يواجه قيوداً من قوى مسلحة ساهمت في تعزيز موقعه، لكنها لا تبدو مستعدة للتخلي عن استقلاليتها بسهولة.

وفي النهاية، فإن كتيبة البراء بن مالك تمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل المؤسسة العسكرية السودانية: هل تستطيع القيادة إخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة، أم أن الحرب ستكرس واقعاً تتحول فيه الميليشيات إلى شركاء دائمين في الحكم والقرار؟ وبين التقارير المتعلقة بالنفوذ الإيراني، والاتهامات الحقوقية، ورفض الانخراط في المواجهة مع الحوثيين، تتضح صورة معسكر تتعدد داخله الولاءات وتتضارب فيه المصالح. أما السعودية، فتجد نفسها أمام تحالف لا يضمن بالضرورة تنفيذ تعهداته، بينما يدفع السودان ثمن استمرار تعدد مراكز القوة وتغليب الحسابات التنظيمية على بناء الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى