تسريبات

خلافات القوات المشتركة والميليشيات الجديدة.. تصدعات تضغط على معسكر البرهان


تواجه المنظومة العسكرية والسياسية الداعمة لعبد الفتاح البرهان في السودان تحديات متزايدة لا ترتبط فقط بالمواجهات مع قوات الدعم السريع والقوى المسلحة الأخرى، وإنما تمتد إلى طبيعة العلاقات داخل المعسكر نفسه. فالتوترات المتعلقة بدمج الحركات المسلحة، والخلافات بشأن توزيع النفوذ والقيادة، والحديث عن تشكيل مجموعات مسلحة جديدة، كلها مؤشرات على تعقيد التحالفات التي نشأت أو توسعت خلال الحرب.

وتكشف هذه التطورات عن مشكلة بنيوية في إدارة المعسكر العسكري، تتمثل في صعوبة الجمع بين قوى متعددة تختلف في أهدافها السياسية ومصالحها المحلية وتصوراتها بشأن مستقبل المؤسسة العسكرية. فالتنسيق في مواجهة خصم مشترك لا يعني بالضرورة وجود اتفاق على شكل الدولة أو طبيعة السلطة أو آليات توزيع المناصب والموارد بعد انتهاء الحرب.

ومنذ اندلاع القتال، اعتمدت قيادة البرهان على شبكة من التحالفات العسكرية والسياسية، شملت مجموعات مسلحة وحركات وقوى ذات خلفيات مختلفة. وقد ساهمت هذه التحالفات في توفير قدر من الدعم العسكري والسياسي، لكنها ظلت محكومة بتوازنات متغيرة، خصوصاً مع تزايد أهمية النفوذ الميداني والموارد ومواقع القيادة.

تحالفات الحرب ومشكلة المصالح المتعارضة

تتشكل التحالفات العسكرية في السودان ضمن سياق تاريخي معقد، حيث احتفظت الحركات المسلحة بخصوصياتها التنظيمية ومطالبها المتعلقة بالتمثيل السياسي وتقاسم السلطة والترتيبات الأمنية. ولذلك فإن انضمامها إلى معسكر واحد لا يلغي تلقائياً اختلافاتها مع المؤسسة العسكرية أو مع المكونات الأخرى.

ومع استمرار الحرب، ازدادت أهمية هذه الخلافات، لأن كل طرف أصبح يسعى إلى حماية موقعه وتعزيز قدرته على التأثير في القرارات. كما أن تراجع الموارد الاقتصادية وارتفاع كلفة العمليات العسكرية جعلا التنافس على الإمدادات والتمويل والمناصب أكثر حساسية.

وتبرز قضية دمج القوات باعتبارها واحدة من أبرز نقاط الخلاف. فالدمج لا يتعلق فقط بإصدار أوامر إدارية أو نقل أفراد من تشكيل إلى آخر، وإنما يتطلب اتفاقاً على القيادة والتسلسل العسكري والرتب والضمانات المهنية ومصير الوحدات القائمة.

وتزداد الصعوبة عندما تشعر بعض الحركات بأن دمجها قد يؤدي إلى فقدان استقلاليتها أو تقليص نفوذها، بينما ترى المؤسسة العسكرية أن تعدد مراكز القرار المسلح يمثل تحدياً لوحدة القيادة والسيطرة.

ومن هنا، فإن أي خلاف بشأن الدمج قد يتحول إلى أزمة سياسية وأمنية إذا لم تتم معالجته عبر اتفاق واضح ومؤسساتي.

القوات المشتركة أمام اختبار القيادة والنفوذ

تعد العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوات المشتركة من الملفات الحساسة في معسكر البرهان. فالقوات المشتركة تضم تشكيلات مسلحة لها تاريخها ومطالبها وحساباتها الخاصة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها امتداداً تلقائياً للجيش أو قوة تخضع بالضرورة لجميع قرارات القيادة المركزية.

وتشير المعطيات الواردة في المادة إلى تصاعد الخلافات بين سلطة بورتسودان وبعض مكونات القوات المشتركة، بالتزامن مع أزمة دمج الحركات المسلحة. ويطرح ذلك أسئلة بشأن طبيعة الاتفاقات التي تحكم العلاقة بين الطرفين، ومدى وضوح الصلاحيات والمسؤوليات، والجهة التي تمتلك القرار النهائي في الملفات العسكرية.

وتتجاوز أهمية هذه المسألة حدود الخلاف التنظيمي، لأن استمرار التوتر قد يؤثر في التنسيق الميداني وتوزيع المهام وتبادل المعلومات والإمدادات. كما يمكن أن يفتح الباب أمام مواقف متباينة بشأن التفاوض أو وقف إطلاق النار أو المشاركة في أي تسوية سياسية مستقبلية.

ولا يعني وجود خلافات بالضرورة أن التحالف يتجه إلى الانهيار، لكنه يكشف عن ضرورة التمييز بين وحدة الموقف المعلن وبين التوافق الفعلي حول المصالح والقرارات.

المجموعات المسلحة الجديدة وتعدد مراكز القوة

من أبرز القضايا التي أثارت تساؤلات سياسية وأمنية الحديث عن اتجاه سلطة بورتسودان إلى إنشاء أو دعم تشكيلات مسلحة جديدة للحفاظ على توازن القوة داخل معسكرها.

وتكمن حساسية هذه المسألة في أن تعدد التشكيلات المسلحة قد يؤدي إلى زيادة صعوبة توحيد القرار العسكري، خصوصاً إذا كانت هذه المجموعات تمتلك مصادر تمويل وقيادة وولاءات مختلفة.

فالدولة التي تسعى إلى استعادة احتكار استخدام القوة تحتاج إلى مؤسسة عسكرية موحدة تخضع للقانون والقيادة المدنية والدستورية، وليس إلى شبكة طويلة من التشكيلات التي تتنافس على النفوذ وتختلف في مرجعياتها.

كما أن بناء قوات موازية أو توسيع نفوذ مجموعات مسلحة خارج إطار مؤسسي واضح قد يخلق إشكالات مستقبلية تتعلق بالمساءلة والانضباط وحماية المدنيين. فكلما زاد عدد مراكز القوة، أصبحت عملية فرض القواعد القانونية ومحاسبة المتجاوزين أكثر تعقيداً.

وتطرح هذه القضية سؤالاً أساسياً: هل تعمل السلطة على توحيد المؤسسة العسكرية أم على إدارة توازنات مؤقتة بين قوى مسلحة متعددة؟

الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تعتمد على التصريحات وحدها، وإنما تحتاج إلى الاطلاع على القرارات التنظيمية وهياكل القيادة وآليات التمويل والرقابة.

الخسائر العسكرية وتأثيرها على تماسك التحالف

يربط الكاتب والمحلل السياسي عمار سعيد بين الخسائر العسكرية التي تعرضت لها قوات بورتسودان خلال المراحل الأولى من الحرب وبين التصدعات التي ظهرت لاحقاً داخل معسكرها. وقد تحدث عن خسائر كبيرة في المعارك وتدمير وحدات عسكرية، وهي أرقام وتقديرات تحتاج إلى مراجعة مستقلة ومقارنة بمصادر عسكرية متعددة.

لكن من الناحية التحليلية، فإن الخسائر العسكرية الكبيرة يمكن أن تؤثر في توازن التحالفات، لأنها تعيد توزيع القوة وتطرح تساؤلات بشأن المسؤولية عن القرارات الميدانية والقدرة على توفير الحماية والإمداد.

كما أن الانتقال المتكرر لمراكز القيادة والإدارة، وما رافقه من انتقال قيادات سياسية وعسكرية من الخرطوم إلى مدن أخرى، ساهم في تغيير طبيعة العلاقة بين السلطة والمكونات المحلية في المناطق التي أصبحت مقراً لإدارة الحرب.

فبورتسودان، التي أصبحت مركزاً إدارياً مهماً خلال الحرب، وجدت نفسها أمام واقع جديد يتضمن استضافة مؤسسات وقيادات وتشكيلات أمنية متعددة، إلى جانب التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها سكان شرق السودان.

وهذا التحول قد يؤدي إلى احتكاكات بين القوى الوافدة والمكونات المحلية، خصوصاً في ظل محدودية الموارد وارتفاع تكاليف المعيشة.

صراع النفوذ يسبق مرحلة ما بعد الحرب

لا يمكن فهم الخلافات داخل معسكر البرهان باعتبارها مجرد خلافات عابرة بين قيادات عسكرية، لأنها ترتبط أيضاً بالتصورات المتنافسة حول مستقبل السودان.

فبعض القوى قد ترى أن استمرار الحرب يمنحها فرصة لتعزيز موقعها، بينما تفضل قوى أخرى تسوية سياسية تضمن مصالحها وتوفر لها دوراً في المرحلة المقبلة. وهناك أيضاً أطراف قد تخشى أن يؤدي أي اتفاق سياسي إلى تراجع نفوذها أو مساءلتها عن ممارسات ارتكبت خلال الحرب.

وتصبح هذه الحسابات أكثر تعقيداً عندما تتداخل المصالح الاقتصادية مع العسكرية والسياسية، خاصة في ظل أهمية الموارد والتمويل والمواقع الاستراتيجية.

ومن هنا، فإن أي حديث عن تسوية شاملة يجب أن يتضمن معالجة ملف القوات المسلحة والتشكيلات الموازية، وضمان دمج المقاتلين وفق معايير مهنية وقانونية، وتوفير ترتيبات أمنية تمنع تحول الخلافات الحالية إلى مواجهات جديدة.

مستقبل المعسكر العسكري

تواجه سلطة البرهان معضلة مزدوجة: فهي تحتاج إلى استمرار تحالفاتها العسكرية لمواجهة خصومها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ضبط هذه التحالفات ومنع تحولها إلى مراكز قوة مستقلة.

وكلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات ظهور خلافات حول القيادة والموارد والمشاركة السياسية، لأن التحالفات التي تقوم على مواجهة خصم مشترك لا تستطيع ضمان استمرار وحدتها إلى ما لا نهاية.

ولا يمكن الجزم بأن هذه الخلافات ستؤدي حتماً إلى تفكك المعسكر، لكن المؤكد أن تعدد التشكيلات المسلحة وغياب اتفاق مؤسسي شامل بشأن مستقبلها يمثلان تحدياً كبيراً أمام بناء دولة مستقرة.

إن مستقبل السودان لا يتوقف على وقف المعارك فقط، بل يتطلب أيضاً معالجة جذور تعدد الجيوش ومراكز القوة. فإعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية وقانونية، وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة دستورية موحدة، وإنهاء استخدام السلاح أداة للتنافس السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى