رفض القتال في اليمن يكشف هشاشة التحالف السعودي مع البرهان
لم يكن رفض إرسال قوات سودانية إلى اليمن، وفق التقارير التي تناولت الاتصالات المنسوبة إلى الرياض وقيادة الجيش السوداني، مجرد خلاف عابر حول مهمة عسكرية خارج الحدود، بل كشف عن أزمة سياسية وعسكرية أعمق داخل المعسكر الذي يقوده عبد الفتاح البرهان في السودان. فالمملكة العربية السعودية، التي راهنت خلال السنوات الماضية على بناء علاقات وثيقة مع سلطة بورتسودان، وجدت نفسها أمام معادلة معقدة: قيادة عسكرية تعلن استعدادها لمساندة الرياض، وقوى مسلحة وإسلامية تتحرك وفق حساباتها الخاصة، وتضع استمرار الحرب داخل السودان فوق أي التزام إقليمي. وبذلك تحولت مسألة إرسال المقاتلين إلى اختبار حقيقي لطبيعة التحالفات التي نسجتها السعودية مع الأطراف السودانية، ومدى قدرتها على التأثير في قرارات حلفائها.
وتكتسب هذه التطورات أهميتها من كونها تأتي في وقت تواجه فيه السعودية تحديات أمنية متصاعدة على خلفية المواجهة مع الحوثيين في اليمن، وما يرتبط بها من تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة للمصالح والمنشآت الحيوية. ووفق تقرير نشرته صحيفة «The Star» الكينية في الثاني من نوفمبر 2026، فإن الرياض واجهت رفضاً من الجيش السوداني والكتائب الإسلامية المسلحة المتحالفة معه بشأن إرسال قوات للمشاركة في العمليات داخل اليمن. واعتبر التقرير أن هذا الموقف تجاوز الخلاف التكتيكي إلى انتكاسة دبلوماسية كشفت هشاشة التحالفات المبنية على المصالح، خصوصاً أن القوى الإسلامية السودانية لا تنظر إلى أولويات المملكة باعتبارها بالضرورة جزءاً من أولوياتها.
وتكشف هذه القضية عن تناقض واضح في طبيعة العلاقة بين الرياض وبورتسودان. فمن جهة، تحتاج القيادة السودانية إلى الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الخارجي، في ظل استمرار الحرب وتدهور الموارد وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على تلبية الاحتياجات الأساسية. ومن جهة أخرى، لا تبدو قادرة على ضمان التزام جميع القوى المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش بالتوجهات الإقليمية التي تتبناها قيادته. فامتلاك البرهان سلطة إصدار القرارات الرسمية لا يعني بالضرورة امتلاكه السيطرة الكاملة على كل التشكيلات التي أصبحت جزءاً من معادلة الحرب، ولا سيما المجموعات الأيديولوجية التي تمتلك شبكات تنظيمية ومصالح سياسية وعسكرية مستقلة.
وكانت التقارير المتداولة قد تحدثت عن صيغة محتملة للتعاون بين الرياض والبرهان تقوم على تقديم إمدادات من الوقود مقابل مشاركة مقاتلين سودانيين في دعم الجهود السعودية ضد الحوثيين. ونشر موقع EUToday في الثالث من نوفمبر 2026 تقريراً أشار فيه إلى أن هذه الفكرة نُقلت أولاً عن مصادر سودانية، وتضمنت حديثاً عن إرسال وحدات من الجيش وقوات حليفة، بينها قوات درع السودان. غير أن التقرير نفسه أشار إلى أن حجم القوة ومهمتها لم يُعلنا، وأن الحكومتين السعودية والسودانية لم تقدما تعليقاً رسمياً بشأن الاتفاق المزعوم. وهذه نقطة أساسية، لأن الحديث عن صفقة مكتملة أو قرار نهائي بإرسال قوات يظل غير مثبت في غياب إعلان رسمي أو وثائق مستقلة.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذه الرواية كشف عن حجم الضغوط التي تواجهها سلطة بورتسودان، وعن طبيعة الحسابات التي تحكم علاقتها بحلفائها. فالوقود يمثل حاجة ملحة لسلطة تعاني من أزمة إمدادات وتراجع اقتصادي، بينما تمثل القوات البشرية ورقة يمكن استخدامها في التفاوض مع القوى الإقليمية. لكن تحويل المقاتلين إلى مقابل للحصول على موارد استراتيجية يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة بشأن استقلال القرار السوداني، خصوصاً إذا أصبحت الالتزامات العسكرية الخارجية مرتبطة بقدرة السلطة على تأمين احتياجاتها الداخلية.
وتبدو المفارقة أكبر عندما يتعلق الأمر بالقوى الإسلامية التي تشكل جزءاً مهماً من التعبئة العسكرية والسياسية المحيطة بالجيش. فهذه الجماعات استفادت من الحرب لتوسيع حضورها الميداني واستعادة نفوذها داخل مؤسسات الدولة، لكنها لا تنظر بالضرورة إلى مصالح السعودية باعتبارها أولوية. بالنسبة إليها، فإن الحرب السودانية ليست مجرد مواجهة عسكرية مع قوات الدعم السريع، بل فرصة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة، وتثبيت مواقع سياسية وأمنية اكتسبتها خلال سنوات الصراع. ومن هنا، فإن إرسال مقاتلين إلى اليمن قد يعني بالنسبة إليها استنزافاً لقوتها البشرية، وإضعافاً لنفوذها في اللحظة التي تسعى فيها إلى تعزيز حضورها داخل السودان.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز كتيبة البراء بن مالك، التي أصبحت واحدة من أبرز التشكيلات المرتبطة بالتيار الإسلامي المسلح في السودان. فقد أشار تقرير «The Star» إلى أن وزارة الخارجية الأميركية وصفت الكتيبة بأنها الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين في السودان، وأنها أدرجتها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية في مارس 2026. كما أشار التقرير إلى أن الكتيبة تتلقى دعماً عسكرياً، بما في ذلك المدفعية والطائرات المسيّرة، من قيادة الجيش، لكنها تحتفظ باستقلال تنظيمي وسياسي يمنحها القدرة على اتخاذ مواقف لا تتطابق بالضرورة مع توجهات القيادة العسكرية.
وهنا تظهر إحدى أخطر نقاط الضعف في بنية السلطة السودانية: كيف يمكن لقيادة عسكرية أن تعتمد على تشكيلات مسلحة في معاركها الداخلية، ثم تضمن في الوقت نفسه خضوع هذه التشكيلات لقراراتها السياسية والاستراتيجية؟ فالعلاقة التي تجمع الجيش بهذه الجماعات تبدو، وفق التقارير، أقرب إلى علاقة تبادل مصالح منها إلى علاقة قيادة عسكرية تقليدية. الجيش يحتاج إلى المقاتلين والقدرات التعبوية التي توفرها هذه التشكيلات، بينما تحتاج الجماعات الإسلامية إلى الغطاء العسكري والموارد والسلاح لتعزيز حضورها. لكن هذا التفاهم لا يلغي تضارب المصالح، ولا يضمن أن تتصرف تلك الجماعات وفق حسابات القيادة العليا عندما تتغير طبيعة المعركة.
والأكثر إثارة للقلق أن الخلاف حول اليمن لا يتعلق فقط برفض نقل القوات إلى جبهة خارجية، بل يكشف عن اختلاف في الرؤية تجاه طبيعة التحالفات الإقليمية. فالسعودية تنظر إلى أمنها في إطار مواجهة التهديدات الحوثية وتقليص المخاطر المرتبطة بالنفوذ الإيراني، بينما تنظر بعض القوى الإسلامية السودانية إلى الحرب من زاوية أيديولوجية وتنظيمية مختلفة. ولذلك فإن أي طلب سعودي للمشاركة في مواجهة الحوثيين قد يصطدم بحسابات هذه الجماعات، التي لا ترى بالضرورة أن الدخول في مواجهة مع طرف يرتبط بإيران يخدم مصالحها، خصوصاً في ظل ما تذكره تقارير أميركية عن صلات تدريب ودعم بين بعض هذه التشكيلات والحرس الثوري الإيراني.
وتشير التقارير المنشورة إلى أن وزارة الخزانة الأميركية تحدثت في سبتمبر 2025 عن تلقي كتيبة البراء بن مالك تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تضع الرياض أمام تناقض استراتيجي واضح: فهي تسعى إلى الاستفادة من قوات موجودة ضمن المعسكر العسكري السوداني، بينما تتحدث تقارير أميركية عن وجود علاقات بين بعض هذه القوات وخصمها الإقليمي الرئيسي. وبذلك لا تصبح المشكلة مجرد رفض إرسال جنود إلى اليمن، بل تتعلق بطبيعة القوى التي تعتمد عليها سلطة بورتسودان، وبمدى انسجام ارتباطاتها الخارجية مع المصالح السعودية.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن التحولات التي عرفتها العلاقة بين السعودية والقيادة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فقد حاولت الرياض الاحتفاظ بدور سياسي في الأزمة السودانية، وشاركت في جهود الوساطة، كما سعت إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع قيادة الجيش. غير أن استمرار الحرب، واتساع نفوذ التشكيلات المسلحة، وتزايد تأثير التيارات الأيديولوجية، جعلت التعامل مع سلطة بورتسودان أكثر تعقيداً. فالدعم السياسي أو الاقتصادي الذي تقدمه دولة إقليمية لا يضمن بالضرورة قدرتها على توجيه القرارات داخل بنية عسكرية تضم أطرافاً متعددة ومتنافسة.
كما أن الاعتماد على المجموعات المسلحة ذات الولاءات المتعددة يضعف قدرة الدولة على بناء سياسة خارجية مستقرة. فالدولة التي تتحدث باسم مؤسسة عسكرية واحدة، بينما تتعايش داخل معسكرها تشكيلات تمتلك حسابات مستقلة، تصبح أكثر عرضة للتناقض في مواقفها الإقليمية. وقد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تطمينات لحليف خارجي، ثم تواجه رفضاً من القوى التي يفترض أنها تقاتل تحت مظلتها. وهذا ما يجعل أزمة اليمن مؤشراً على خلل مؤسسي يتجاوز حدود العلاقة مع السعودية.
وفي الوقت نفسه، تتزايد التساؤلات حول الانتهاكات المنسوبة إلى بعض التشكيلات الإسلامية المسلحة. فقد أوردت التقارير المشار إليها اتهامات تتعلق بتجنيد أطفال من مدارس في الخرطوم خلال يوليو 2026، وإعدام مدني أعزل في أم درمان خلال أغسطس من العام نفسه، فضلاً عن مزاعم بشأن مشاركة عناصر من هذه التشكيلات في خلايا أمنية تنفذ الاعتقالات والتعذيب بالتعاون مع أجهزة أمنية. وتظل هذه الوقائع بحاجة إلى تحقيقات مستقلة وأدلة قابلة للتحقق، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً بشأن طبيعة القوى التي يجري الاعتماد عليها في إدارة الحرب، ومدى انعكاس سلوكها على صورة السلطة السودانية أمام المجتمع الدولي.
إن السعودية لا تواجه هنا مجرد مشكلة في الحصول على قوات سودانية، بل تواجه اختباراً لمدى موثوقية تحالفاتها مع سلطة تعاني من تعدد مراكز القرار. فالتحالف الاستراتيجي لا يقاس بعدد الاتفاقيات والتصريحات، وإنما بقدرة الأطراف على تنفيذ الالتزامات عندما تصبح مكلفة. وإذا كانت القيادة السودانية عاجزة عن ضمان التزام حلفائها المسلحين بطلب إقليمي تعتبره مهماً، فإن ذلك يضع علامات استفهام حول قدرتها على الوفاء بتعهدات أخرى، سواء في الملفات الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن استمرار الحرب داخل السودان يجعل رفض إرسال القوات مفهوماً من زاوية عسكرية بحتة، إذ إن فتح جبهة خارجية قد يؤدي إلى استنزاف إضافي لجيش يخوض حرباً طويلة داخل بلاده. لكن هذا التفسير لا يلغي الأبعاد السياسية والأيديولوجية للأزمة، ولا يفسر وحده التباينات بين القيادة العسكرية والجماعات التي تقاتل إلى جانبها. فالمشكلة الأساسية تكمن في أن القرار الوطني لم يعد واضحاً بما يكفي، وأن مصالح القوى المسلحة قد تتقدم على حسابات الدولة وعلاقاتها الخارجية.
وفي المحصلة، كشفت أزمة طلب المقاتلين إلى اليمن عن حدود النفوذ السعودي داخل المعسكر السوداني، وعن هشاشة التحالف الذي يجمع الرياض بسلطة البرهان. كما أظهرت أن القوى الإسلامية المسلحة لم تعد مجرد أدوات عسكرية تابعة للجيش، بل أصبحت أطرافاً قادرة على التأثير في خياراته الإقليمية. وبين احتياجات بورتسودان الاقتصادية، وحسابات البرهان السياسية، ومصالح الميليشيات الأيديولوجية، تجد السعودية نفسها أمام حليف لا يملك بالضرورة القدرة على ضمان التزامات جميع القوى التي تقاتل تحت مظلته. وهكذا تحولت أزمة اليمن إلى مرآة لأزمة أعمق في السودان: أزمة دولة تتعدد فيها مراكز القوة، وتتنازع داخلها الولاءات، وتصبح تحالفاتها الخارجية رهينة لمصالح أطراف لا تتفق بالضرورة على وجهة واحدة.




