مقاتلات إف-16 مصرية تضرب منقّبي الذهب السودانيين بقنابل تزن 400 كيلوغرام
طائرات إف-16 مصرية تقصف عمال مناجم الذهب السودانيين بقنابل زنة 400 كيلوغرام
نفّذ الجيش المصري ما لا يقل عن خمس غارات جوية باستخدام مقاتلات «إف-16» أميركية الصنع، استهدفت منقّبين تقليديين عن الذهب في منجم العُقيدات بمنطقة شمال الوادي، يوم السبت. وأسفرت الغارات عن مقتل نحو 72 شخصًا، وفقًا لمحامين مختصين في حالات الطوارئ، فيما رجّح مسؤول صحي يتولى علاج المصابين أن تكون حصيلة القتلى أعلى، وقد تتراوح بين 150 و250 شخصًا.
واستهدفت الضربات منقّبين يعملون في المنطقة الحدودية المتنازع عليها بين مصر والسودان، والمعروفة باسم مثلث حلايب.
واستخدمت الغارات قنابل «ناصر» المصرية الصنع، وهي قنابل غير موجّهة، وسقطت على أراضٍ خاضعة لإشراف القوات المسلحة السودانية، التي تربطها علاقات وثيقة بالحكومة المصرية. وتقع المنطقة على بُعد مئات الأميال من مناطق النزاع الرئيسية في السودان.

وبالتعاون مع باحثين متخصصين في المصادر المفتوحة وتحليل صور الأقمار الصناعية، تمكّن فيصل الشيخ وتوم بايك وعلي إبراهيم من تحديد موقعين مرتبطين بالغارات، وجمع أدلة تربط العملية بمقاتلات «إف-16» أميركية الصنع، وقنابل مصرية الصنع، ونقطتي تفتيش عسكريتين مصريتين داخل الأراضي السودانية.

شهادات عن الغارات
قال أحد شهود العيان، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن القصف الأول وقع يوم السبت 10 أكتوبر، قرابة الساعة العاشرة صباحًا.
وأضاف أن توقيت الغارة تزامن، إلى حد ما، مع الفترة التي يتجمع فيها العمال ويستعدون لبدء أعمالهم في مواقع التعدين أو مواصلتها، بحسب طبيعة العمل في المنطقة.
وعقب الضربات، أظهرت مقاطع مصوّرة متداولة على الإنترنت تصاعد أعمدة الدخان من مواقع القصف، إلى جانب عشرات الجثث وأكياس الجثامين المتناثرة في المنطقة.
ومن بين المواد المصوّرة رسالة مؤثرة لشاب يبلغ من العمر 16 عامًا، يُدعى الطيب الهادي أحمد حامد، وقد توفي لاحقًا متأثرًا بما حدث.

رسالة أخيرة من أحد الضحايا
في رسالته إلى أسرته، تحدث الشاب عن المسامحة والديون ووصاياه الأخيرة، قائلًا إنه يسامح الجميع ولا يحمل ضغينة تجاه أحد، وطلب من أفراد أسرته أن يسامحوه بدورهم.
ثم انتقل إلى تفاصيل مالية بسيطة، طالبًا منهم عدم نسيان إبلاغ صاحب متجر يُدعى آدم بأنه مدين له بكيلوغرامين من السمسم، كما طلب تسوية دين آخر لصالح شخص يُدعى ود أحمد محمد، يتعلق بأربعة أجولة من الذرة الرفيعة.
وأكد أن تسوية هذا الدين هي أهم ما في وصيته. كما أشار إلى شخص مدين له بمبلغ خمسة آلاف جنيه مصري، أي ما يعادل نحو 100 دولار أميركي، وطلب من أسرته إبلاغه بالتبرع بالمبلغ صدقةً عنه.
وتعكس الرسالة، التي ركزت على تسوية الديون المتواضعة وطلب الصفح، جانبًا إنسانيًا من حياة الأشخاص الذين وقعوا ضحايا للهجوم. كما تسلط الضوء على العواقب الإنسانية للعمليات العسكرية التي تستهدف أشخاصًا لا تجعلهم أنشطتهم، بصرف النظر عن وضعها القانوني، أهدافًا عسكرية مشروعة تلقائيًا.

الموقف المصري
أعلن متحدث عسكري مصري، يوم الاثنين، أن القوات المصرية تنفذ حملة لمكافحة التعدين غير القانوني لخامات الذهب، بهدف فرض السيادة الكاملة داخل حدود الدولة المصرية وحماية مقدراتها ومواردها الوطنية.
وأضاف المتحدث أن الحملة ألقت منشورات تحذيرية في مواقع محددة، داعيًا إلى تجاهل الشائعات المضللة التي تهدف، بحسب قوله، إلى زعزعة العلاقات الأخوية بين الشعبين المصري والسوداني.
ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها؛ ففي يونيو الماضي، أكد الجيش المصري في بيان أنه نفذ عملية برية وجوية في منطقة التعدين نفسها، أسفرت عن مقتل 23 منقّبًا عن الذهب.
. 
وذكر البيان آنذاك أن العملية تأتي في إطار الإجراءات الأمنية المصرية في المناطق الحدودية الجنوبية، لمواجهة التنقيب عن الذهب وتهريبه.
مثلث حلايب والخلاف الحدودي
يُعد مثلث حلايب منطقة غنية بالمعادن، وتسيطر عليه مصر عسكريًا، فيما يطالب كل من السودان ومصر بالسيادة عليه.
ويرتبط الموقف المصري من النزاع الحدودي بتفسير القاهرة للعملية العسكرية الأخيرة. لكن وجود نزاع على السيادة الإقليمية لا يحسم، في حد ذاته، مسألة معاملة المدنيين أو مدى قانونية استخدام القوة العسكرية ضدهم، وفقًا للمحللة السياسية خلود خير.
وقالت خير إن هذه هي المرة الثانية التي تقصف فيها مصر منقّبين سودانيين عن الذهب، والمرة الثانية التي تلتزم فيها السلطات الصمت.
وأضافت، بصفتها مديرة مركز «كونفلوينس» البحثي، أنه لا يوجد مبرر مقبول لاستهداف منقّبين مدنيين عن الذهب، سواء كانوا في الجانب السوداني أو المصري من الحدود، معتبرة أن السلطات المصرية تدرك أن المسؤولين في القوات المسلحة السودانية لن يتحدوها في هذا الشأن.
موقف القوات المسلحة السودانية
يثير تقييم خلود خير تساؤلات تتجاوز الغارات نفسها، من بينها ما إذا كان تكرار استخدام مصر للقوة العسكرية ضد المنقّبين السودانيين يعكس اعتقاد القاهرة بأن القيادة العسكرية السودانية لن تعترض على عملياتها، بالنظر إلى أن مصر تُعد الداعم الرئيسي للجيش السوداني في حربه ضد قوات الدعم السريع.
وفي اليوم نفسه الذي صدر فيه البيان العسكري المصري، أصدر مجلس السيادة الانتقالي السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بيان تعزية في ضحايا الهجوم.
وقال البرهان إن لجنة لتقصي الحقائق ستتولى التحقيق في ملابسات الحادث، وسترفع تقريرًا بنتائجها.
وكان رئيس مجلس السيادة قد أعلن عن تحقيق مماثل عقب هجوم يونيو الماضي، لكن السلطات لم تنشر حتى الآن نتائج التحقيق السابق.
مقاتلات «إف-16» والقنابل المصرية الصنع
حدّد التحقيق موقعين مرتبطين بالهجوم الأخير، باستخدام إحداثيات جغرافية وصور الأقمار الصناعية، بما يتيح مقارنة الأدلة المرئية بالمواقع التي أُبلغ عن استهدافها.
كما حدّد التحقيق مقاتلات «إف-16» الأميركية الصنع بوصفها الطائرات المستخدمة في الغارات. وتُعد هذه المقاتلات طائرات قتالية متعددة المهام، قادرة على حمل أنواع مختلفة من الأسلحة جو-أرض.
وخلص التحقيق كذلك إلى أن الذخائر المستخدمة في الضربتين هي قنابل «ناصر» مصرية الصنع، غير موجّهة، ويبلغ وزن الواحدة منها نحو 400 كيلوغرام.
وعلى خلاف القنابل الموجّهة بدقة، لا تحتوي القنابل غير الموجّهة على نظام توجيه يصحح مسارها نحو الهدف بعد إطلاقها.
وحدّد التحقيق أيضًا نقطتي تفتيش عسكريتين مصريتين داخل الأراضي السودانية، تشير صور الأقمار الصناعية إلى وجودهما منذ بداية الحرب. وبحسب أحد الخبراء الأمنيين، أُنشئت النقطتان لمراقبة المنطقة الحدودية ومنع تهريب الذهب.
استهداف المدنيين يثير تساؤلات
تطرح نتائج التحقيق سؤالًا أساسيًا: لماذا استُخدمت المقاتلات الحربية والذخائر الجوية الثقيلة غير الموجّهة ضد منقّبين تقليديين عن الذهب؟
كما تثير تساؤلات بشأن الأساس الذي يسمح لدولة ذات سيادة باستهداف مواطني دولة أخرى بهذه الطريقة، في الوقت الذي تحتفظ فيه بوجود عسكري داخل أراضي تلك الدولة.
وقدّم الجيش المصري العملية باعتبارها إجراءً لحماية حدوده. لكن وجود المنقّبين بالقرب من الحدود الدولية، أو حتى الادعاء بأنهم عبروها بصورة غير قانونية، لا يجعلهم تلقائيًا أهدافًا عسكرية مشروعة.
وتنص مبادئ القانون الدولي الإنساني، عندما تكون منطبقة على العملية، على ضرورة التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومراعاة التناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء الهجمات.
وقال أحد تجار الذهب والمنقّبين، الذي تحدث إلى منظمة «آفاز»، إن المنقّبين السودانيين يعملون في المنطقة منذ سنوات طويلة، وإن أعدادًا إضافية منهم وصلت إليها خلال الحرب بحثًا عن فرص العمل.
وأضاف أن هؤلاء المنقّبين ليسوا مجرمين، مشيرًا إلى أنهم يخاطرون بحياتهم يوميًا، وينزلون إلى أعماق الأرض باستخدام الحبال، من دون أن يعرفوا ما إذا كانوا سيعودون أحياء، وكل ذلك من أجل كسب ما يكفي لإطعام أسرهم.
كما عبّر أحد العاملين في القطاع الصحي، الذي تحدث إلى شبكة «عاين» ويعالج بعض المصابين في الغارات، عن مشاعر مماثلة، واصفًا ما حدث بأنه مأساة إنسانية مؤلمة يصعب على أي شخص يمتلك ضميرًا حيًا تقبّلها.
وأكد أن المواطنين السودانيين الذين كانوا يعملون في مناطق التعدين بحثًا عن مصدر رزق لم يكونوا في وضع يجعلهم أهدافًا عسكرية مشروعة لمجرد وجودهم في المنطقة.




