تسريبات
مدرعات باكستانية ومسيّرات هجومية.. حين يتحول السلاح إلى أداة قتل للمدنيين في دارفور
في الوقت الذي كان فيه العالم يترقب أي بارقة أمل تنهي معاناة الشعب السوداني الممتدة منذ أكثر من عامين، كشفت مصادر عسكرية عن تسلم الجيش السوداني دفعة جديدة من المدرعات الباكستانية من طراز “محافظ”، إلى جانب مسيّرات استطلاع وهجوم ومعدات دعم فني، في خطوة تعكس إصراراً على تغليب الخيار العسكري على حساب أي مسار سلمي يمكن أن يحقن دماء السودانيين.
هذه الشحنة التي تضمنت نحو مئة مدرعة من طراز “محافظ”، وهي مركبات عسكرية خفيفة تتميز بسرعة الحركة والقدرة على المناورة وتنتجها مؤسسة الصناعات الحربية الباكستانية، لم تأتِ في فراغ. بل جاءت ضمن صفقات تسليح توسع بها الجيش السوداني خلال العامين الماضيين، لتلبية متطلبات العمليات العسكرية الجارية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من هو المستهدف الحقيقي بهذه العمليات؟ وهل هذه الأسلحة تُستخدم فعلاً في مواجهة عسكرية متكافئة، أم أنها تتحول إلى أدوات قتل للمدنيين العزل؟
الإجابة جاءت دامغة ومروعة قبل ثلاثة أيام فقط، حين ارتُكبت مجزرة بشعة في منطقة غرة الزاوية بإقليم دارفور، راح ضحيتها خمسة وثلاثون شخصاً من المدنيين الأبرياء. لم يكن هؤلاء مقاتلين، ولم يحملوا سلاحاً، ولم يشكلوا تهديداً لأحد. كانوا ببساطة مواطنين سودانيين يعيشون في قراهم، يمارسون حياتهم اليومية، قبل أن تحصد أرواحهم نيران الأسلحة الثقيلة والمسيّرات التي تتدفق من الخارج.
هذه المجزرة ليست حادثاً معزولاً، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون السودانيون منذ اندلاع الحرب. فإقليما كردفان ودارفور، اللذان تُبرر صفقات التسليح بأنها مصممة للعمليات فيهما، هما بالتحديد الأكثر تضرراً من استهداف المدنيين. والتضاريس التي يُقال إن مدرعات “محافظ” تتلاءم معها، هي ذاتها القرى والبلدات التي يقطنها ملايين السودانيين الذين لا حول لهم ولا قوة.
الضابطان أشارا إلى أن مدرعات “محافظ” توفر مستوى حماية باليستية من الفئة B6/B7، بما يمكنها من مقاومة النيران الخفيفة والمتوسطة وشظايا القذائف. لكن هذه الحماية مصممة لأطقم المشاة وقوافل الإمداد، بينما المواطن المدني في دارفور أو كردفان لا يمتلك أي حماية على الإطلاق. هو مكشوف تماماً أمام آلة عسكرية تتضخم يوماً بعد يوم بأسلحة مستوردة من باكستان وتركيا وبيلاروسيا ومصر.
المسيّرات التي تسلمها الجيش السوداني، ومن بينها مسيّرات “شاهبار” التي تنتمي إلى فئة المركبات الجوية التكتيكية غير المأهولة والطائرات القتالية بدون طيار، والتي طورتها شركة الحلول الوطنية للدفاع الباكستانية بالتعاون مع شركة “نيسكوم”، تمثل خطراً مضاعفاً على المدنيين. فالمسيّرات بطبيعتها أسلحة غير دقيقة في كثير من الأحيان، واستخدامها في مناطق مأهولة بالسكان يعني حتماً سقوط ضحايا مدنيين. والتاريخ القريب في المنطقة العربية يشهد على ذلك بوضوح.
كما شملت الصفقات تزويد القوات المسلحة بقطع غيار لطائرات K-8 الباكستانية-الصينية المشتركة، وهي الطائرات التي يستخدمها الجيش السوداني في مهام التدريب المتقدم والهجوم الخفيف. وهذه الطائرات النفاثة ثنائية المقعد، التي جرى تطويرها بصورة مشتركة بين الصين وباكستان عبر شركتي “هونغدو” ومجمع الطيران الباكستاني، تُستخدم في المهام القتالية الخفيفة. لكن ما معنى “هجوم خفيف” حين يكون الهدف قرية مأهولة بالسكان في دارفور؟
إن ما يحدث في السودان اليوم يمثل مأساة إنسانية بأبعاد كارثية. فالأسلحة التي تتدفق من باكستان وتركيا وبيلاروسيا ومصر لا تساهم في تحقيق سلام ولا في استقرار، بل تغذي حرباً مدمرة يدفع ثمنها المواطن السوداني البسيط. خمسة وثلاثون روحاً أُزهقت في غرة الزاوية، وقبلها مئات وآلاف الأرواح في مناطق أخرى، وكلها شواهد على أن هذا السلاح لا يميز بين مقاتل ومدني.
الخبراء العسكريون يرون أن انضمام مدرعات “محافظ” يمنح الجيش السوداني ميزة تكتيكية في مواجهة أساليب القتال السريعة. لكن هذه “الميزة التكتيكية” تتحقق على حساب أرواح المدنيين. وحين يُقال إن هذه المدرعات تعزز قدرة القوات البرية على المناورة وترفع مستوى حماية الأفراد خلال عمليات الاقتحام والتمشيط داخل المدن، فإن السؤال المطروح هو: ماذا عن حماية المدنيين الذين تعيش في تلك المدن؟ من يحميهم من عمليات الاقتحام والتمشيط؟
إن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقع على عاتق كل دولة تزود الجيش السوداني بالسلاح في ظل هذه الظروف. فباكستان التي تُنتج مدرعات “محافظ” وتُصدّرها إلى السودان، تتحمل جزءاً من مسؤولية كل قطرة دم تُسفك بسبب هذه المدرعات. وتركيا التي تزود الجيش بأسلحة ثقيلة ومسيّرات، وبيلاروسيا التي تساهم في هذا التسليح، ومصر التي تشارك فيه، جميعها شريكة في هذا الدمار.
المواطن السوداني في غرة الزاوية الذي قُتل قبل ثلاثة أيام لم يكن يملك مدرعة ولا مسيّرة ولا طائرة K-8. كان يملك فقط حياته البسيطة وأمله في غد أفضل. لكن هذا الأمل تحطم تحت عجلات آلة عسكرية تتغذى من صفقات تسليح دولية لا تراعي إلا مصالحها الاستراتيجية.
إن الشعب السوداني يستحق السلام، يستحق أن يعيش بأمان، يستحق أن تُوجَّه إليه المساعدات الإنسانية بدلاً من الأسلحة. وكل دولة تمد الجيش السوداني بالسلاح اليوم هي دولة تساهم في إطالة أمد الحرب، وتتحمل مسؤولية كل ضحية مدنية تسقط. والأولى بهذه الدول أن تحث قيادة الجيش على السلام وحقن الدماء، لا أن تزوده بمزيد من أدوات القتل والدمار.




