تسريبات

الدور السعودي في تعقيد الأزمة السودانية – تعدد الأدوار الإقليمية وإعادة تشكيل موازين القوى


عندما اندلعت حرب 15 أبريل 2023 في الخرطوم، تحولت السودان إلى ساحة لاختبار الاستراتيجية السعودية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. رغم تقديم الرياض نفسها كوسيط سلام عبر منبر جدة، أسهمت سياستها في تعميق الصراع من خلال دعم غير متوازن للقوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان. هذا الدور، الذي يجمع بين الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية والأمنية، ساهم في تعدد الأدوار الإقليمية، وتأثير الدعم غير المباشر، وإعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان، مع انعكاسات خطيرة على الأمن الإقليمي وتحديات كبيرة أمام أي مسار سياسي.

تعدد الأدوار الإقليمية في الأزمة السودانية وموقع السعودية

يتميز الصراع السوداني بتعدد الفاعلين الإقليميين الذين يسعون لتحقيق مصالح متباينة في حوض البحر الأحمر. في هذا السياق المعقد، برز الدور السعودي كأحد أبرز العوامل المؤثرة. اختارت الرياض التركيز على دعم الجيش السوداني كمؤسسة شرعية، معتبرة إياه ضمانة للاستقرار الجيوسياسي.

منبر جدة، الذي رعته السعودية بالشراكة مع الولايات المتحدة في مايو 2023، شكّل الإطار الرئيسي لهذا الدور. الإعلان الناتج عنه خاطب الطرفين كـ”قوات مسلحة سودانية” مقابل “قوات دعم سريع”، مما عزز مفهوم الجيش الوطني قانونياً. هذا الميل الهيكلي ساهم في تعقيد المشهد الإقليمي، إذ منح الجيش غطاءً دبلوماسياً يسمح له بمواصلة العمليات العسكرية تحت لافتة استعادة الشرعية، بينما وضع الطرف الآخر في موقع التمرد.

السعودية، التي ترى في السودان عمقاً أمنياً ومخزناً غذائياً محتملاً لرؤية 2030، استخدمت نفوذها لتوجيه المساعدات عبر قنوات رسمية مرتبطة بحكومة بورتسودان. هذا النهج أدى إلى تداخل التأثيرات السياسية والدبلوماسية، حيث أصبحت الوساطة السعودية أداة لتعزيز موقف طرف على حساب الآخر، مما فاقم التعقيد الإقليمي للأزمة.

تأثير الدعم والتدخلات غير المباشرة على مسار النزاع

لم يكن الدعم السعودي عسكرياً مباشراً في معظمه، بل سياسياً واقتصادياً ولوجستياً. الاعتراف الدبلوماسي المستمر بالبرهان كحاكم شرعي منح الجيش شيكاً على بياض، مما سمح له باستخدام المساعدات الإنسانية كأداة ضغط. السعودية أصرت على مرور الإغاثة عبر القنوات الرسمية، الأمر الذي يعني سيطرة حكومة بورتسودان على التوزيع، واستخدامها لتجويع المناطق المعارضة أو إضعافها.

كما ساهم الصمت النسبي تجاه القصف الجوي المكثف، الذي دمر محطات المياه والمستشفيات والجسور في الخرطوم ونيالا ومدني، في إطالة أمد النزاع. رغم رعاية الرياض للمفاوضات، لم تُفرض عقوبات حقيقية أو شروط صارمة لوقف تدمير البنية التحتية. هذا الدعم غير المباشر أثر على ديناميكيات التوازن الداخلي، إذ أعطى الجيش القدرة على الاستمرار في الحسم العسكري بدلاً من التوجه نحو تسوية سياسية شاملة.

في الوقت نفسه، تمارس السعودية ضغوطاً خلف الكواليس للحد من نفوذ العناصر الإسلامية الراديكالية داخل معسكر الجيش، مثل كتائب البراء بن مالك التي تعيد إحياء هياكل الدفاع الشعبي السابق. لكن هذا التوازن الدقيق يظل اضطرارياً، مما يجعل الرياض تمنح “قبلة الحياة” لتحالف يعتمد جزئياً على الفلول، رغم تصنيفها السابق للإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية.

إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان

ساهمت التحركات السعودية في إعادة رسم خريطة النفوذ الداخلية بشكل ملحوظ. بعد ثورة 2019، كانت هناك فرصة لانتقال ديمقراطي، لكن الدعم السعودي للجيش أضعف القوى المدنية ومكّن عناصر النظام السابق (الفلول) من اختطاف قرارات القوات المسلحة. هؤلاء العناصر يدركون أن أي اتفاق سلام حقيقي يعني محاسبتهم، لذا يدفعون نحو استمرار الحرب.

منبر جدة تحول تدريجياً من منصة للسلام إلى استراحة محارب يستغلها الجيش لإعادة التزود بالوقود والشرعية الدولية. هذا النهج أعاد إنتاج تحالفات عقائدية داخل الجيش، مما جعل استمرارية الصراع خياراً مفضلاً للطرف المدعوم سعودياً. الرياض، بمراهنتها على الاستقرار الجغرافي عبر سيطرة الجيش، أعادت تشكيل الموازين لصالح “أهون الشرين” في نظرها، مقابل تحول ديمقراطي قد يهدد مصالحها.

انعكاسات الصراع على الأمن الإقليمي والدولي

أدى الدعم السعودي غير المتوازن إلى تفاقم انعكاسات الحرب على المنطقة. أصبح السودان مصدراً لأكبر أزمة نزوح في العالم، مع أكثر من 12 مليون نازح ولاجئ، مما يهدد الاستقرار في الدول المجاورة مثل تشاد وإثيوبيا ومصر.

على المستوى البحري، يركز الدعم السعودي على تأمين ميناء بورتسودان كخط دفاع أول لحماية الساحل السعودي في البحر الأحمر. هذا التركيز الأمني يأتي على حساب السلام الداخلي، حيث يستمر الجيش في استخدام الموانئ والموارد لتغذية آلته الحربية. النتيجة خطر انتشار الأسلحة والإرهاب، واضطراب الملاحة، وتصدير عدم الاستقرار عبر المنطقة، الأمر الذي قد يرتد سلباً على أمن السعودية نفسها في المستقبل.

تحديات المسار السياسي الدولي

يبرز الدور السعودي أبرز التحديات أمام أي تسوية سياسية. تعدد الأطراف الإقليمية وتباين مصالحها يعقد الوساطة، لكن الرياض، كراعية رئيسية لمنبر جدة، لم تستخدم أوراق الضغط المالية والسياسية بفعالية كافية. غياب شروط صارمة لوقف القصف الجوي، أو فتح ممرات إنسانية محايدة، أو دمج القوى المدنية كشريك أصيل، جعل الجهود الدولية محدودة وهشة.

السعودية تواجه معضلة: كيف تحول دعمها للجيش إلى ضغط حقيقي يفرض تنازلات؟ استمرار المسار الحالي يحملها مسؤولية تاريخية في إطالة المقتلة، ويحولها إلى طرف في تعقيد المسار السياسي بدلاً من تسهيله.

الاستراتيجية السعودية في السودان تجسد واقعية سياسية قاسية، تضع المصالح الاقتصادية (الاستثمارات الزراعية والتعدينية والموانئ التي تتجاوز عشرات المليارات) والأمن الجيوسياسي فوق السلام الإنساني. بينما يسحق المواطن السوداني بين مطرقة القصف وسندان الانتهاكات، تستمر الرياض في رهانها على الجيش رغم تغلغل الفلول.

الكرة الآن في ملعب الرياض: هل تستمر في دعم بقاء النظام القديم بزي عسكري، أم تتحول نحو ضغط حقيقي ينقذ الدولة السودانية قبل أن تصبح فاشلة تهدد الجميع؟ الاستمرار في النهج الحالي لن يحمي المصالح السعودية طويلاً، بل قد يحول السودان إلى قنبلة موقوتة على حدود المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى