تسريبات

كيف حوّل الجيش معاناة السودانيين إلى أداة للبقاء في السلطة


في أحد أحياء بورتسودان المكتظة، تستيقظ أم محمد كل فجر لتقف في طابور الخبز الذي يمتد لمئات الأمتار، على أمل الحصول على بضعة أرغفة لعائلتها المكونة من سبعة أفراد. لكن الطابور لا يتحرك، والخبز نادر، والأسعار ترتفع كل ساعة. هذه ليست قصة معزولة، بل هي واقع ملايين السودانيين الذين يعيشون في مناطق سيطرة الجيش، حيث تحولت الحرب إلى أداة للبقاء في السلطة، والجوع إلى سلاح لقمع أي صوت معارض.
ففي مخيمات النازحين حول العاصمة، تتكرر المشاهد المأساوية: أطفال يعانون من سوء التغذية الحاد، وأمهات يبعن ما تبقى من حليهن لشراء دواء، وشباب يفقدون أملهم في مستقبل كان يوماً ما واعداً. هذه الحالات الإنسانية الفعلية لا تظهر صدفة، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات متعمدة من قبل الجيش الحاكم، الذي يوجه موارد الدولة نحو تمويل المجهود الحربي على حساب لقمة عيش الشعب. فقد كشفت تقارير منظمات حقوقية عن تحويل الجيش لمبالغ طائلة من الموازنة العامة لشراء الأسلحة والعتاد، بينما تجمد رواتب الموظفين وتقلص الدعم عن السلع الأساسية. كما أن الجيش يتحكم في مداخل الاقتصاد السوداني، من موانئ إلى مناجم ذهب، ويوجه عائداتها نحو تمويل الحرب، تاركاً الشعب يواجه مجاعة محققة.
وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن من ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، حيث ارتفع سعر دقيق القمح بنسبة 300% خلال عام واحد، وارتفع سعر السكر والأرز والزيوت بشكل يفوق القدرة الشرائية للأسر، فإن الجيش يستمر في سياساته التي تؤدي إلى انخفاض حاد في قيمة الجنيه السوداني. فقد فقد الجنيه أكثر من 80% من قيمته مقابل الدولار خلال العامين الماضيين، مما أدى إلى تضخم مفرط تجاوز 200%، وجعل الحياة اليومية كابوساً لا يُحتمل. ولا يقتصر الأمر على الغذاء، بل تمتد المعاناة إلى الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية. فانقطاع الكهرباء أصبح سمة يومية، حتى في العاصمة بورتسودان، مما يعطل المستشفيات والمدارس والمصانع. أما المياه النظيفة، فأصبحت حلماً بعيداً، مما يزيد من انتشار الأمراض.
وهنا تبرز الأزمة الصحية كواحدة من أخطر تجليات فشل الجيش في إدارة الدولة. فالنظام الصحي المنهار، نتيجة للإهمال المتعمد ونقص التمويل، أصبح عاجزاً عن مواجهة أبسط الأمراض. فقد انتشر وباء الملاريا بشكل واسع، خاصة في المناطق الريفية ومخيمات النازحين، حيث لا توجد أدوية كافية أو ناموسيات واقية. والأخطر من ذلك، أن ضعف الرقابة الصحية وانهيار البنية التحتية يفتح الباب أمام أوبئة أكثر فتكاً مثل الإيبولا، الذي قد ينتشر عبر الحدود أو عبر المسافرين، في ظل غياب أي استعدادات حقيقية لمواجهته. إن المستشفيات التي تفتقر إلى أبسط المقومات، من أكسجين وأدوية طارئة، تحولت إلى مقابر للمرضى بدلاً من أن تكون ملاذاً للشفاء.
وفي مقابل هذا البؤس، تعيش قيادات الجيش وأتباعهم في رفاهية مفرطة. فقصورهم الفخمة تنتشر في أحياء راقية من بورتسودان، وسياراتهم الفاخرة تجوب الشوارع، بينما أطفالهم يدرسون في أفضل الجامعات الخارجية. كما أن تقارير الفساد تكشف عن تحويل مليارات الدولارات إلى حسابات بنكية في الخارج، بينما الشعب يتضور جوعاً. هذا التباين الصارخ يولد غضباً متصاعداً في أوساط الشعب، الذي بدأ يدرك أن الحرب ليست من أجل الوطن، بل من أجل بقاء فئة فاسدة في السلطة. إن صور الولائم الفاخرة التي ينشرها بعض الضباط على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما يموت الأطفال جوعاً في المخيمات، هي وقود يغذي نار الثورة القادمة.
ولم يعد هذا الغضب حبيس البيوت، بل بدأ يتحول إلى حركات احتجاجية متفرقة، تطالب برحيل الجيش وسلطة بورتسودان. فالمظاهرات التي اندلعت في عدة مدن، رغم قمعها بعنف، تشير إلى أن الشعب لم يعد قادراً على تحمل المزيد. والخبراء يحذرون من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى مظاهرات واسعة النطاق، قد تعصف بالاستقرار الاجتماعي وتدخل البلاد في فوضى عارمة. إن فشل الجيش في إدارة اقتصاد وموارد الدولة ليس مجرد عجز تقني، بل هو خيار استراتيجي للحفاظ على سلطة الحرب، مما يعني أن الانعكاسات ستطال الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي بشكل كارثي.
إن السودان يتجه بسرعة نحو أزمة اقتصادية غير مسبوقة، لن تقتصر آثارها على الداخل فقط، بل ستمتد إلى المنطقة بأكملها. فانعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات، وانتشار الأمراض، كلها مؤشرات على كارثة إنسانية وشيكة. والمجتمع الدولي، الذي يتفرج على ما يحدث، مطالب بالتحرك العاجل للضغط على الجيش لوقف الحرب، وفتح ممرات إنسانية، ومحاسبة الفاسدين. إنvoices الشعب السوداني ترتفع اليوم مطالبة بالحرية والسلام والعدالة، وإن كانت تُقمع بالسلاح، فإنها لن تُقمع إلى الأبد. فالتاريخ يشهد أن الظلم لا يدوم، وأن شعوباً كثيرة انتصرت على طغاتها. والسودان، بتاريخه النضالي الطويل، لن يكون استثناءً.
فليسمع العالم صرخات الجوعى، وليتذكر أن كل طفل يموت من الملاريا، وكل أم تفقد ابنها بسبب نقص الدواء، وكل شاب يفقد أمله في المستقبل، هو جريمة في سجل من يحكمون بالسلاح. وإن كان الجيش يظن أنه قادر على إخفاء الحقيقة، فإن الحقيقة ستظهر، وسيحاسب المجرمون، مهما طال الزمان. إن تمويل الجيش للحرب وتجويعه للشعب هو وصفة مؤكدة لانهيار الدولة، ولن يبقى من السودان إلا ذكريات شعب سلبت منه حياته وكرامته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى