تسريبات
كيف تحولت مناطق سيطرة الجيش السوداني إلى ساحات للبطش والتنكيل بالمدنيين؟
يواجه المدنيون في السودان فصولاً مأساوية من الانتهاكات الممنهجة والواسعة التي ترتكبها القوات الأمنية والعسكرية التابعة للجيش السوداني والميليشيات المتحالفة معها في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وتتجاوز هذه الانتهاكات حدود الممارسات الفردية لتشكل نمطاً منظماً من القمع والاحتجاز التعسفي والاستهداف الإثني والعرقي، مترافقة مع التعذيب وسوء المعاملة، والحرمان الكامل من الحقوق الأساسية في المحاكمة العادلة، وسط بيئة قاتمة من الإفلات التام من العقاب والإنكار الرسمي.
هندسة القمع الممنهج في مناطق السيطرة العسكرية
بينما كان ملايين السودانيين يتطلعون إلى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية بوصفها ملاذات آمنة تحميهم من فظائع الحرب المستعرة، تحولت تلك المناطق تدريجياً إلى بيئة أمنية خانقة يسودها الترهيب والانتقام. وتكشف الوقائع والتقارير الحقوقية الدولية عن حملة شرسة تشنها قوات الأمن والجيش ضد مدنيين عزل، بذريعة واهية تتلخص في “مزاعم التعاون مع قوات الدعم السريع”.
هذه الحملات لا تستند في الغالب إلى أدلة جنائية أو تحقيقات قانونية معتمدة، بل تنطلق من فرضيات مسبقة وتصنيفات تمييزية. فبمجرد أن ينحدر المواطن من منطقة معينة، أو يحمل ملامح إثنية محددة، أو يمارس نشاطاً مدنياً مستقلاً، يصبح في نظر الأجهزة الأمنية هدفاً مشروعاً للاعتقال والتنكيل. ويمثل هذا السلوك تحولاً خطيراً في عقيدة الأجهزة النظامية، التي باتت تتصرف كأدوات لتصفية الحسابات السياسية والجهوية بدلاً من حماية المواطنين وبسط سيادة القانون.
“الخلايا الأمنية”: التنظيمات الهجينة والاعتقال السري
في عمق الآلة القمعية الموجهة ضد المدنيين، برز تشكيل أمني وعسكري غامض ومخيف يُعرف بـ**”الخلايا الأمنية”**. وتتكون هذه الخلايا من تحالف هجين يجمع بين عناصر جهاز المخابرات العامة السوداني، وضباط الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش، ومجموعات مسلحة عقائدية وميليشيات موالية للحركة الإسلامية السودانية، وفي مقدمتها “كتيبة البراء بن مالك”.
وتكمن خطورة هذه الخلايا في طبيعة عملها التي تقع بالكامل خارج نطاق المساءلة القانونية والإشراف القضائي؛ إذ تدير شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، والتي تشتمل على:
- قواعد عسكرية ومقرات نظامية مغلقة.
- منازل خاصة ومبانٍ سكنية تمت مصادرتها وتحويلها إلى معتقلات سرية.
- مقار مهجورة تُستخدم لإجراء التحقيقات الأولية تحت وطأة التعذيب.
وفي هذه المواقع، يتم عزل المعتقلين بمعزل عن العالم الخارجي، حيث يُحرمون من التواصل مع عائلاتهم أو محاميهم، مما يحول هذه الممارسات إلى جريمة إخفاء قسري مكتملة الأركان. وتُحاط مصائر هؤلاء الضحايا بسياج من الغموض، مما يترك أسرهم في حالة دائم من الرعب والقلق والبحث المضني دون جدوى.
الفرز العرقي والجغرافي: التهمة بالهوية والموقع
تتجلى أبشع صور البطش العسكري في الاستهداف الممنهج للمدنيين بناءً على هوياتهم الإثنية أو أصولهم الجغرافية. وقد تحول الانتماء إلى إقليم دارفور أو كردفان أو مناطق غرب السودان عموماً إلى تهمة تلقائية في مناطق سيطرة الجيش. ويُنظر إلى أبناء هذه المناطق باعتبارهم “حواضن اجتماعية مفترضة” للطرف الآخر في النزاع، مما يجعلهم عرضة للتوقيف المستمر في نقاط التفتيش، والمداهمات الليلية للمنازل، والاعتقال التعسفي.
ولا يقتصر الأمر على الهوية العرقية؛ بل يمتد ليشمل الفرز الجغرافي. فالمدنيون الذين فروا من جحيم المعارك في ولايات الخرطوم، أو الجزيرة، أو أي مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، يُعاملون بريبة شديدة بمجرد وصولهم إلى الولايات الشمالية أو الشرقية الخاضعة للجيش. وتُوجه إليهم تهم العمالة والارتزاق لمجرد أنهم اضطروا للبقاء في منازلهم سابقاً تحت سيطرة الطرف الآخر، ليجدوا أنفسهم بين مطرقة الحرب وسندان التخوين والاعتقال.
ترهيب المجتمع المدني وملاحقة العمل الإنساني
ولم تسلم منظمات المجتمع المدني والمبادرات الشبابية الطوعية من آلة البطش العسكرية. ففي وقت يعاني فيه ملايين السودانيين من مجاعة حقيقية وانهيار كامل في الخدمات الصحية، شنت الأجهزة الأمنية حملة تضييق واستجواب واسعة ضد عمال الإغاثة الإنسانية والناشطين في “غرف الطوارئ” والمنظمات المحلية.
وتخضع هذه المجموعات لاستجوابات قاسية حول طبيعة أنشطتها، ومصادر تمويلها، والجهات التي تتواصل معها لتقديم المساعدات. ويرى مراقبون أن هذا التضييق يهدف إلى إحكام السيطرة العسكرية والأيديولوجية على تدفق المساعدات، ومنع أي نشاط مدني مستقل يمكن أن يوثق الانتهاكات أو يطرح خطابات بديلة تدعو لوقف الحرب، مما أدى إلى شلل شبه كامل في العمل الإنساني في وقت يحتاج فيه المدنيون إلى كل شريان حياة ممكن.
النساء في عين العاصفة: تنكيل وأحكام جائرة
شهدت مناطق سيطرة الجيش تصعيداً خطيراً وغير مسبوق في استهداف النساء والفتيات. وثقت الإفادات القانونية والحقوقية احتجاز مئات النساء بتهم تتعلق بالتعاون مع قوات الدعم السريع، استناداً إلى معايير تمييزية عرقية وجغرافية. ولم يتوقف الأمر عند حدود الاحتجاز، بل امتد ليشمل إصدار أحكام بالإعدام بحق ما لا يقل عن 25 امرأة في محاكمات صورية تفتقر لأدنى معايير العدالة والنزاهة القانونية.
وتعكس الشهادات الحية للمحتجزات السابقات واقعاً مأساوياً؛ حيث يتعرضن للضرب المبرح، والإهانات اللفظية والجسدية المستمرة، والحرمان من الرعاية الطبية الأساسية، حتى للمصابات بأمراض مزمنة مثل السكري والضغط. ورغم الإعلانات السياسية المتكررة من القيادة العسكرية بشأن الإفراج عن بعض السجينات، فإن الواقع على الأرض يشير إلى استمرار عمليات المداهمة والاعتقال التعسفي للنساء، وإخضاعهن لظروف احتجاز حاطة بالكرامة الإنسانية تؤدي في كثير من الأحيان إلى تدمير حياتهن وحياة أسرهن.
المسالخ البشرية: غياب القضاء والوفيات تحت التعذيب
تتميز مراكز الاحتجاز التابعة للجيش والخلايا الأمنية بانهيار كامل لمنظومة الرقابة القضائية والنيابية. ويُمنع وكلاء النيابة والقضاة من دخول هذه المراكز أو الاطلاع على سجلات الموقوفين، مما يجعل المحتجزين تحت رحمة السجانين بشكل مطلق. وفي ظل هذا الغياب التام للمساءلة القانونية، تحول التعذيب وسوء المعاملة إلى ممارسة قياسية يومية لانتزاع الاعترافات القسرية أو لمجرد الانتقام والتشفي.
وقد أدى هذا النمط المتطرف من العنف الجسدي والنفسي إلى تسجيل حالات وفاة عديدة داخل مراكز الاحتجاز نتيجة التعذيب المفرط، أو بسبب الإهمال الطبي المتعمد ومنع العلاج عن المصابين والمرضى. ويتم دفن بعض الضحايا في ظروف غامضة ودون إخضاع جثامينهم للتشريح الطبي الشرعي المستقل، مما يساهم في طمس الأدلة وتكريس سياسة الإفلات من العقاب للمتورطين في هذه الجرائم من عناصر الأمن والجيش والميليشيات المتحالفة معهم.
شهادات حية من واقع المعاناة والبطش
تتطابق شهادات الضحايا، والناجين، وأقارب المعتقلين، والمحامين الذين تجشموا عناء توثيق هذه الجرائم في ولايات عدة مثل الخرطوم، والجزيرة، والقضارف، والبحر الأحمر، والولاية الشمالية، على رسم صورة مرعبة للوضع الإنساني. وتكشف روايات الضحايا عن قيام عناصر مسلحة ملثمة باقتحام المنازل ليلاً، واقتياد المستهدفين بالقوة وتحت تهديد السلاح، مع ممارسة الترويع بحق الأطفال والنساء وسرقة الممتلكات الشخصية والهواتف والأموال أثناء المداهمات.
وفي إحدى الشهادات الموثقة، يروي أحد أفراد الأمن الذين دمجوا في هذه الخلايا تفاصيل اقتحام منزل امرأة بتهمة العمالة، حيث تم إخراجها بالقوة وهي في وضع حاط بالكرامة، والاعتداء عليها بالضرب المبرح أمام جيرانها قبل إلقائها في مركبة عسكرية. كما تروي نساء أخريات فررن من ولاية الجزيرة إلى بورتسودان كيف تحولت رحلة بحثهن عن الأمان إلى كابوس من التحقيق والتعذيب بتهم ملفقة، شعرن خلالها بفقدان إنسانيتهن بالكامل قبل أن يُفرج عنهن دون توجيه تهم رسمية بعد دفع فدية مالية أو تحت وطأة الضغوط العائلية.
الإنكار الرسمي ومسؤولية المجتمع الدولي
أمام هذا السيل المتدفق من الأدلة الدامغة، والشهادات الحية، والتقارير الحقوقية الموثقة، تواصل السلطات العسكرية والسياسية في بورتسودان تبني سياسة الإنكار المطلق. فرغم مخاطبة مكاتب القيادة العليا للجيش ومكتب النائب العام بالوقائع والتفاصيل والأسماء، جاءت الردود الرسمية لتنفي حدوث هذه الانتهاكات جملة وتفصيلاً، مع الإقرار بحالة واحدة فقط زُعم أنها “قيد التحقيق” دون تقديم أي معلومات حول طبيعتها أو المسؤولين عنها.
هذا الإنكار الرسمي لا يمثل فقط تنصلاً من المسؤولية القانونية والأخلاقية، بل يشكل غطاءً سياسياً وقانونياً مستمراً يحفز التشكيلات الأمنية والميليشيات على المضي قدماً في ممارساتها القمعية ضد المدنيين العزل. إن غياب الإرادة السياسية للمحاسبة يضع المنظومة القضائية السودانية الحالية في موضع العجز الكامل عن إنصاف الضحايا أو كبح جماح الآلة العسكرية.
بناءً على هذا الواقع المأساوي، يغدو التحرك الدولي والإقليمي ضرورة ملحة تتجاوز حدود البيانات الدبلوماسية وصيغ القلق. ويتطلب الوضع الراهن الضغط الفعلي والمباشر على قيادة الجيش السوداني وحكومة الأمر الواقع لاتخاذ خطوات حاسمة تشمل:
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين تعسفياً والمخفيين قسرياً في السجون والمعتقلات السرية.
- الحل الفوري لجميع “الخلايا الأمنية” والميليشيات العقائدية غير النظامية، وحظر نشاطها في ملاحقة المدنيين.
- إخضاع جميع مراكز الاحتجاز للإشراف القضائي والنيابي الكامل، والسماح للمحامين والأسر بالوصول إلى المحتجزين.
- فتح السجون والمعتقلات أمام فرق التحقيق والمراقبين الدوليين المستقلين لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المتورطين.
إن صمت المجتمع الدولي عن هذه الجرائم الممنهجة بدعوى تعقيدات المشهد العسكري لا يعني سوى منح الضوء الأخضر لتحويل مناطق سيطرة الجيش إلى مقصلة كبرى لكرامة الإنسان السوداني وحريته، وينسف في الوقت ذاته أي فرص مستقبلية لجهود السلام أو استعادة المسار الديمقراطي والدولة المدنية القائمة على سيادة القانون.




