تسريبات
فشل الجيش في إدارة الاقتصاد وتفاقم الأزمة الإنسانية
بينما يتباهى قادة الجيش في بورتسودان بانتصارات وهمية على شاشات التلفاز، يكون الواقع السوداني قد تحول إلى جحيم حي يعيشه ملايين المواطنين. فالانهيار الاقتصادي لم يعد مجرد توقعات مستقبلية، بل هو واقع مرير يتجسد في كل سوق فارغ، وكل صيدلية خالية من الدواء، وكل مستشفى تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. إن الترويج بأن السودان يتجه إلى أزمة اقتصادية غير مسبوقة لم يعد مبالغاً فيه، بل هو توصيف دقيق لما آلت إليه الأمور نتيجة السياسات المتعمدة للجيش في تدمير الاقتصاد الوطني لصالح آلة الحرب.
فانخفاض قيمة الجنيه السوداني لم يكن مجرد تقلب في سوق الصرف، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات نقدية فاشلة وطباعة عملة غير مغطاة لتمويل النفقات العسكرية. فقدت العملة المحلية أكثر من 80% من قيمتها، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الحياة اليومية بشكل جنوني. فأسعار السلع الأساسية والخدمات والكهرباء لم تعد في متناول الطبقة المتوسطة التي انهارت بالكامل، وأصبحت الأسر السودانية تكافح من أجل البقاء على قيد الحياة. إن تأثير هذا الارتفاع لا يقاس بالأرقام فقط، بل بالوجوه الشاحبة للأطفال، وبصمت الآباء الذين يعجزون عن توفير وجبة واحدة لعائلاتهم.
ولم يقتصر الفشل على الجانب النقدي، بل شمل إدارة موارد الدولة نفسها. فالجيش، الذي يفترض أن يكون حارساً لأمن الوطن، تحول إلى ناهب لخيراته. فموانئ السودان، ومناجم الذهب، وشركات القطاع العام، كلها أصبحت تحت سيطرة شبكات عسكرية فاسدة، تحول عائداتها إلى جيوب خاصة بدلاً من خزينة الدولة. هذا النهب المنظم أدى إلى شلل في الإنتاج، وتوقف في التصدير، وعجز في توفير العملات الصعبة، مما فاقم من أزمة العملة المحلية. إن فشل الجيش في إدارة اقتصاد وموارد الدولة ليس عرضاً عابراً، بل هو جوهر استراتيجيته في البقاء، حيث أن الاقتصاد المنهار يسهل السيطرة عليه، والشعب الجائع يسهل قمعه.
والانعكاسات المباشرة لهذا الفشل تطال الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي بشكل كارثي. فالسودان، الذي كان يُعرف بسلة غذاء أفريقيا، أصبح يستورد حتى أبسط المواد الغذائية بأسعار خيالية. ونقص الوقود يؤدي إلى شلل في نقل المحاصيل، مما يفاقم من المجاعة في الأرياف. وهذا الوضع يخلق بيئة خصبة للاحتقان الاجتماعي، حيث تبدأ الصراعات على الموارد الشحيحة، وتتفاقم النزاعات القبلية، مما يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي للبلاد. إن الخبراء يحذرون من أن هذا المسار سيؤدي حتماً إلى مظاهرات واسعة رفضاً للجيش وسلطة بورتسودان، لن تكون مجرد مطالب إصلاحية، بل ثورة جوعى لا ترحم.
وفي قلب هذه الأزمة، يقف النظام الصحي المنهار كشاهد على الإهمال المتعمد. فان انتشار الملاريا لم يعد وباءً موسمياً، بل أصبح قاتلاً يومياً في ظل نقص الأدوية والمبيدات. والأخطر من ذلك، أن انهيار الرقابة الصحية وضعف المختبرات المركزية يهدد بكارثة أكبر، وهي انتشار أوبئة فتاكة مثل الإيبولا، التي قد تجد طريقها إلى السودان عبر الحدود المثقوبة أو عبر المسافرين، في ظل غياب أي بنية تحتية قادرة على الاحتواء. إن كل حالة ملاريا تُترك دون علاج، وكل مريض يُرفض في مستشفى لا يحتوي على أكسجين، هو جريمة تضاف إلى سجل النظام العسكري.
ولعل أكثر ما يثير الغضب هو التباين الصارخ بين حياة القيادات العسكرية والشعب. ففي الوقت الذي يقف فيه المواطنون في طوابير الذل للحصول على وقود أو خبز، نرى قيادات الجيش وأتباعهم يعيشون في قصور محصنة، ويقودون سيارات مصفحة، ويسافرون على متن طائرات خاصة. إن ثرواتهم المتضخمة، المبنية على نهب موارد الشعب وتمويل الحرب، أصبحت فاضحة للعيان. إن صور الولائم الفاخرة، والمجوهرات الباهظة، والعقارات في الخارج، كلها تؤكد أن هذه الحرب ليست من أجل الوطن، بل من أجل الحفاظ على امتيازات فئة فاسدة. إن هذا الفساد المستشري هو الوقود الحقيقي لاستمرار الحرب، لأن السلام سيعني نهاية اقتصاد الحرب الذي يثري هؤلاء القادة.
إن انعكاسات الأزمة الاقتصادية على الصحة والتعليم والخدمات الأساسية واضحة للعيان. فالمدارس أغلقت أبوابها، أو تحولت إلى ثكنات عسكرية، مما يهدد جيلاً كاملاً بالضياع. والجامعات تعاني من نقص حاد في الأساتذة والمعدات. والخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء أصبحت سلعة نادرة تباع في السوق السوداء بأسعار خيالية. إن هذا الدمار الشامل لا يمكن إصلاحه بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وقيادة مدنية تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.
إن السودان يقف اليوم على حافة الهاوية، والأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يتجه نحوها لن تترك حجرًا إلا وستطاله. إن استمرار الجيش في سياساته الحالية يعني حتمية انهيار الدولة، ودخول البلاد في دوامة من الفوضى قد تستعصي على الحل. إن المجتمع الدولي، الذي يكتفي بتصريحات الشجب والاستنكار، مطالب بالتحرك الجاد لفرض عقوبات على القادة العسكريين الفاسدين، وفتح ممرات إنسانية آمنة، ودعم التحول المدني الديمقراطي. إن إنقاذ السودان ليس خياراً، بل هو ضرورة إقليمية ودولية، لأن انهياره سيعني زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.
إنvoices الشعب السوداني، رغم القمع، لا تزال تردد شعارات الثورة: حرية، سلام، عدالة. وإن كانت رصاصات الجيش تخمد الأصوات اليوم، فإن جوع الأطفال، وأوجاع المرضى، ودموع الثكالى، هي صرخات لا يمكن إسكاتها. إن فشل الجيش في إدارة الدولة هو فشل أخلاقي قبل أن يكون سياسياً، وهو فشل في أبسط واجبات الحاكم تجاه المحكومين. إن التاريخ لن يرحم من جعلوا من السودان سجنًا كبيرًا، ومن جعلوا من الحرب تجارة، ومن الجوع سلاحاً.
إن الطريق إلى الخلاص طويل وشاق، لكنه يبدأ بالاعتراف بالحقيقة: أن الجيش ليس حلاً، بل هو جزء من المشكلة. وأن سلطة بورتسودان ليست سلطة شرعية، بل هي سلطة احتلال داخلي. وأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الجوع والمرض. إن السودان يستحق أفضل من هذا، وشعبه يستحق حياة كريمة. وإن كانت التضحيات جسيمة، فإن الثمن الذي يُدفع اليوم هو ثمن الحرية والكرامة، وهو ثمن يستحق الدفع. فليصمد الشعب، وليعلم أن فجر الحرية قادم، مهما طال الليل، ومهما اشتد الظلام.




