تسريبات

كيف أفشلت التقاطعات الإقليمية الانتقال الديمقراطي في السودان؟


عندما اندلعت الحرب في السودان، كان العالم يراقب تجربة انتقال ديمقراطي هشّة كانت على وشك أن تُكتب لها النجاحة. إلا أن هذه التجربة لم تُجهض فقط بسبب الطموح الداخلي للجنرالات، بل بسبب “الاقتصاد السياسي” للتدخلات الإقليمية. لقد أسهمت تركيا، قطر، السعودية، ومصر، من خلال سياسات متقاطعة وأحياناً متناقضة، في نسج شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والأمنية، حولت السودان من دولة تسعى للتعافي إلى “اقتصاد حرب” دائم، مما عمق الأزمة وأطال أمد الصراع بشكل مأساوي.
تشابك الأجندات الإقليمية وتعدد مراكز الثقل
يمكن فهم تعقيد الأزمة السودانية من خلال قراءة “تعدد مراكز الثقل” الإقليمي التي تتعامل مع الملف السوداني. مصر تتعامل مع السودان من منظور “الأمن القومي الشامل”؛ فهي تدعم بقاء الدولة السودانية كمؤسسة عسكرية متماسكة خوفاً من الانزلاق نحو نموذج “دول الفوضى” على حدودها الجنوبية، ولحماية حقوقها التاريخية في مياه النيل. أما الدولتان الخليجيتان (السعودية وقطر)، فتتبعان مقاربة “البراغماتية الاقتصادية والأمنية”؛ فالرياض تبحث عن استقرار يضمن لها استثمارات في القطاع الزراعي السوداني (سلة غذاء العالم العربي) وأمن مضيق باب المندب، بينما تسعى الدوحة لاستثمار الأزمة سياسياً لضمان دور إقليمي فاعل عبر دعم مكونات مدنية أو سياسية متنوعة تضمن لها نفوذاً مستقبلياً. وفي المقابل، تطمح تركيا إلى استعادة حضورها التاريخي، مستفيدة من الانفتاح الاقتصادي (التعدين، الزراعة) وتوظيف أوراق سياسية وأيديولوجية تمنحها نفوذاً يتجاوز الحكومات التقليدية. هذا التعدد في المقاربات (الأمنية المصرية، الاقتصادية الخليجية، السياسية التركية) خلق “حلبة مصارعة” دبلوماسية، حيث كل دولة تسحب الأطراف السودانية نحو فلكها، مما أفقد السودان سيادته في قراره الخارجي.
الدعم غير المباشر واقتصاد الحرب
لعل أخطر ما أسهمت به هذه الدول هو تحويل الصراع إلى “اقتصاد حرب” مربح. التدخلات غير المباشرة لم تكن سياسية فحسب، بل اقتصادية ولوجستية. شبكات تهريب الذهب السوداني، التي كانت تمول آلة الحرب، وجدت لها أسواقاً ومسارات مرتبطة بشبكات نفوذ إقليمية. الدعم الدبلوماسي والاقتصادي المشروط (أو حتى الصمت المتعمد تجاه انتهاكات معينة) منح الفصائل المتحاربة “أكسجين” للاستمرار. عندما يكتشف طرف سوداني أنه يستطيع تمويل حربه عبر موارد طبيعية يسيطر عليها، وبدعم لوجستي من حدود أو موانئ تغطيها عواصم إقليمية تغض الطرف مقابل مكاسب اقتصادية، فإنه يفقد أي حافز لوقف إطلاق النار. هذا الدعم غير المباشر دمّر ديناميكيات التوازن الداخلي، حيث أصبح الطرفان يعتقدان أن الزمن يلعب لصالحهما بدعم من حلفائهما، مما جعل الحلول السياسية تبدو كـ “خيار خاسر” بالنسبة للقادة العسكريين.
إعادة رسم خريطة النفوذ وتشظي التحالفات
أسهمت التدخلات الإقليمية في إعادة تشكيل موازين القوى بشكل يعكس “الولاءات الخارجية” لا “الشرعية الداخلية”. لقد تمكنت العواصم الإقليمية من “تفصيل” تحالفات داخلية سودانية تخدم أجنداتها. على سبيل المثال، محاولة بعض الأطراف الإقليمية احتواء أو تهميش مكونات سياسية معينة، بينما دعمت مكونات أخرى، أدى إلى حالة من “الاستقطاب الحاد” داخل المجتمع السوداني. لقد تمكنت هذه الدول من إعادة رسم خريطة النفوذ بحيث أصبحت المدن والموارد السودانية مقسمة إلى “مناطق نفوذ” إقليمية. هذا التشظي أدى إلى استمرارية الصراع، لأن أي اتفاق سلام داخلي يتطلب تفكيك هذه الشبكات من المصالح المتشابكة مع الخارج، وهو أمر ترفضه النخب السودانية المستفيدة من هذا الوضع، وترفضه العواصم الإقليمية التي بنت شبكات محاسباتية (Patronage Networks) مع هذه النخب.
الكارثة الإنسانية وتهديد الأمن الإقليمي
إن إطالة أمد الصراع بسبب هذه التقاطعات الإقليمية أنتجت كارثة إنسانية وأمنية ذات أبعاد تتجاوز السودان. على مستوى الأمن الإقليمي، أدى انهيار الدولة في الخرطوم إلى فراغ أمني استغلته الجماعات المسلحة في دول الجوار. تدفقات اللجوء الهائلة لم تكن مجرد أزمة إنسانية، بل أصبحت “سلاحاً ديمغرافياً” يهدد استقرار دول مثل تشاد ومصر، مما يخلق توترات عابرة للحدود. أما على مستوى الأمن البحري والدولي، فإن التنافس المحموم على السيطرة على ساحل البحر الأحمر الطويل جعل السودان عرضة لتدخلات قوى عالمية (كالصراع على قاعدة سواكن أو بورت سودان). هذا التنافس يهدد بتدويل الصراع، وتحويل السواحل السودانية إلى بؤرة للقرصنة، أو تهديد الملاحة الدولية في لحظة حساسة تمر بها المنطقة (أزمة البحر الأحمر واليمن). السودان أصبح بذلك “الحلقة الأضعف” التي يهدد انهيارها بنية الأمن في القرن الإفريقي والبحر الأحمر بأكمله.
وهم الوساطة وتعقيد المسار السياسي
أبرز انعكاس سلبي للدور الإقليمي هو “تدمير مصداقية المسارات السياسية”. إن الدول التي تستضيف مفاوضات السلام (مثل السعودية في جدة)، هي نفسها دول تتهم من قبل أطراف سودانية بتقديم دعم مباشر أو غير مباشر لأطراف النزاع. هذا التناقض الصارخ (ازدواجية المعايير) جعل من جهود الوساطة الدولية مجرد “غطاء دبلوماسي” لإطالة أمد الصراع وإدارة الأزمة وليس حلها. تباين مصالح الأطراف الإقليمية يعني أن المجتمع الدولي (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي) يواجه شللاً في اتخاذ القرارات الملزمة، لأن أي قرار في مجلس الأمن يمكن أن تواجهه فيتوات أو ضغوط خلفية من عواصم إقليمية ترفض المساس بحلفائها في السودان. هذا الواقع يثبت أن “تحدي المسار السياسي” ليس سودانياً فقط، بل هو نتيجة حتمية لـ “سوق وساطة” إقليمي، حيث تُباع وتُشترى تنازلات السلام مقابل مكاسب إقليمية آنية، على حساب دماء السودانيين ومستقبل دولتهم.
إن قراءة الأزمة السودانية من منظور الاقتصاد السياسي للتدخلات الإقليمية تكشف أن ما يحدث ليس مجرد حرب أهلية، بل هو “صراع بالوكالة” مُدار بإتقان من قبل عواصم إقليمية تتقاسم الكعكة السودانية. إن الدور السلبي لمصر، تركيا، السعودية، وقطر – رغم اختلاف أدواتهم – يلتقي في نقطة واحدة: إطالة أمد الصراع لضمان بقاء السودان دولة “هشة” قابلة للاختراق، ودولة “غنية” بالموارد التي يمكن نهبها أو الاتجار بها. ولن ينتهي هذا الكابوس إلا بوعي دولي حازم يفرض على هذه الدول كلفة باهظة مقابل استمرار تدخلاتها، وبإرادة سودانية جامعة تنتزع سيادتها من بين أنياب التنين الإقليمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى