تسريبات

تأثير الموقف المصري على تعقيد المسار السياسي الدولي في السودان


في خضم الأزمة السودانية الممتدة، برزت جهود الوساطة الدولية والإقليمية كسبيل وحيد نظرياً لإنهاء إراقة الدماء. إلا أن هذه الجهود اصطدمت بعقبات هائلة، كان للموقف المصري دور محوري في تعقيدها. إن الدبلوماسية المصرية تجاه السودان، والتي تتسم بالصلابة في دعم المؤسسة العسكرية ورفض التفكيك القسري للجيش، لم تكن مجرد موقف ثنائي، بل كانت عاملاً أساسياً في تشكيل وتعقيد المسار السياسي الدولي. هذا المقال يناقش بالتفصيل كيف أسهمت السياسات والمبادرات المصرية في تشتيت efforts الوساطة، وإطالة أمد الأزمة، وتعطيل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
تعدد المسارات وتشتت الجهود 
منذ الأيام الأولى للصراع، شهدت الساحة الدولية تكاثراً غير مسبوق في مسارات الوساطة. ظهرت مبادرات من الاتحاد الإفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية (مسار جدة)، والأمم المتحدة. الموقف المصري لعب دوراً في هذا التشتت. القاهرة، التي كانت ترى أن مسار “إيقاد” (الذي تقوده دول شرق إفريقيا مثل كينيا) يميل نحو فرض حلول لا تتوافق مع رؤيتها الأمنية، سعت إلى طرح بدائل. مصر دفعت نحو تفعيل دور جامعة الدول العربية، أو طرح مسارات تفاوضية مباشرة في القاهرة، أو دعم المسارات الثنائية. هذا التنوع في المواقف والمبادرات المصرية أسهم في عدم توحيد الجبهة الدولية. عندما تطرح القاهرة مساراً أو تدعم موقفاً معيناً، فإنه يصطدم بمسارات أخرى تدعمها دول غربية أو إقليمية مختلفة. هذا “التنافر الدبلوماسي” سمح لأطراف الصراع في السودان باستغلال المسارات المختلفة لكسب الوقت، والتهرب من الضغوط الدولية الموحدة.
الخطوط الحمراء المصرية وتعطيل التفاوض
حددت مصر خطوطاً حمراء واضحة في ملف السودان، في مقدمتها: “الحفاظ على الجيش السوداني كقوة وطنية موحدة”، و”رفض حل الجيش أو دمجه القسري”، و”منع سيطرة المليشيات على الدولة”. هذه الخطوط الحمراء، رغم كونها نابعة من حسابات أمنية مصرية بحتة، أثرت بشكل مباشر على ديناميكيات التفاوض. عندما ذهبت الأطراف السودانية إلى طاولة المفاوضات (مثل مفاوضات جدة)، فإن الجيش السوداني كان يعلم أن لديه ظهيراً إقليمياً ثقيلاً (مصر) يدعم موقفه في رفض الحل العسكري القسري أو التفكيك. هذا الدعم السياسي المصري قلل من حافز الجيش لتقديم تنازلات جوهرية للقوى المدنية أو لقوات الدعم السريع. الجيش شعر بأن الوقت في صالحه، وأن الدعم المصري يضمن له البقاء كمرجعية للدولة، مما جعله يتعامل مع المسار السياسي الدولي على أنه “إجراء شكلي” لإدارة الأزمة وليس لإنهائها. هذا الموقف، المدعوم مصرياً، كان أحد الأسباب الرئيسية لفشل الهدن المتكررة وتعثر المسار السياسي.
التعامل مع القوى المدنية: إغفال البعد السياسي للأزمة
أحد أكبر تحديات المسار السياسي الدولي هو الطريقة التي تم بها التعامل مع القوى المدنية السودانية. في معظم المسارات التفاوضية، تم التركيز على التفاوض المباشر بين المكونين العسكريين. الموقف المصري، الذي يفضل التعامل مع “المؤسسات القائمة” (الجيش)، أسهم في إغفال البعد السياسي والجذري للأزمة. القاهرة ركزت على “الأمن” و”استقرار الدولة”، وتجاهلت إلى حد كبير مطالب الشارع السوداني والقوى المدنية في الانتقال الديمقراطي الكامل ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. هذا الموقف الدبلوماسي المصري نقل رسالة للقوى المدنية السودانية بأن المجتمع الإقليمي (بثقله المصري) لا يدعم طموحاتهم الديمقراطية، مما أدى إلى انقسام القوى المدنية نفسها، وفقدان المسار السياسي الدولي لشرعيته في أعين جزء كبير من الشعب السوداني. إن عدم دمج المطالب المدنية في صلب الرؤية المصرية للتسوية جعل أي اتفاق يُتوصل إليه هشاً، لأنه لا يعالج الجذور السياسية للأزمة.
التناقض مع المسارات الإفريقية والدولية
اصطدم الموقف المصري في عدة مناسبات مع المسارات التي تقودها المنظمات الإفريقية والغربية. على سبيل المثال، عندما اتخذت “إيقاد” موقفاً أكثر صلابة تجاه الجيش، أو عندما طالبت الأمم المتحدة بآليات انتقال سياسي تشمل المدنيين بشكل كامل، وجدت القاهرة نفسها في موقع المتحفظ أو المنسحب. مصر انسحبت أو قاطعت عدة اجتماعات ومبادرات رأت أنها تمس “سيادة” الجيش السوداني أو تفرض حلولاً لا تتوافق مع رؤيتها. هذا التناقض بين المقاربة المصرية (التي تركز على الأمن المؤسسي) والمقاربات الدولية (التي تركز على الحقوق المدنية والانتقال الديمقراطي) خلق حالة من “الشلل الدبلوماسي”. المجتمع الدولي لم يستطع فرض عقوبات حاسمة أو ضغوط فعالة، لأن الموقف المصري كان يغطي على الجيش ويوفر له غطاءً دبلوماسياً يمنع العزلة الدولية الكاملة. هذا الغطاء المصري كان عاملاً حاسماً في إطالة أمد الصراع وتعقيد المسار السياسي.
خاتمة إن تأثير الموقف المصري على تعقيد المسار السياسي الدولي في السودان كان واضحاً ومباشراً. من خلال دعم الجيش، وطرح خطوط حمراء تقيد التفاوض، وتشتيت الجهود الدبلوماسية عبر مسارات متعددة، وإغفال البعد المدني والديمقراطي، أسهمت القاهرة في جعل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة أمراً بالغ الصعوبة. لقد أثبتت التجربة أن المقاربة الأمنية الضيقة، والتي ترفض الاعتراف بالجذور السياسية للأزمة، لا يمكن أن تنتج سلاماً مستداماً. طالما أن المسار السياسي الدولي يفتقر إلى رؤية موحدة، وتظل هناك دول إقليمية كبرى مثل مصر تقدم غطاءً دبلوماسياً لأطراف الصراع، ستبقى طاولة المفاوضات مجرد ساحة أخرى لإطالة أمد الحرب وإدارة الأزمة بدلاً من حلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى