السودان.. اتساع رقعة المواجهات يفتح أبواب حرب استنزاف مفتوحة
لم تعد الحرب في السودان محصورة في جبهات تقليدية أو مناطق بعينها، بل تتسع رقعتها بصورة متسارعة لتشمل مساحات واسعة من البلاد، في مشهد عسكري وسياسي يعكس انتقال الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى مرحلة أكثر تعقيداً. فمن كردفان ودارفور غرباً، إلى الخرطوم وشمال البلاد، وصولاً إلى النيل الأزرق جنوب شرق البلاد، تتعدد ساحات القتال، بينما تتراجع فرص التوصل إلى تسوية سريعة تنهي حرباً دخلت عامها الرابع.
وخلال الأيام الأخيرة، تجددت المواجهات على أكثر من محور بالتزامن مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة، في مؤشر على أن طبيعة الحرب نفسها آخذة في التحول. ولم تعد خطوط التماس وحدها هي التي تحدد نطاق المعارك، بعدما أصبحت المدن والمطارات والمنشآت الحيوية، وحتى المناطق البعيدة نسبياً عن الجبهات، عرضة لهجمات جوية ومسيرات.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يسعى فيه كل طرف إلى تحسين موقعه العسكري قبل أي مفاوضات محتملة. فالجيش السوداني، الذي استعاد خلال الفترة الماضية مواقع مهمة في وسط وشمال البلاد، يحاول تثبيت مكاسبه والتقدم نحو المناطق التي ما زالت خارج سيطرته، بينما تعمل قوات الدعم السريع على الحفاظ على نفوذها في دارفور وأجزاء من كردفان وفتح محاور جديدة يمكن أن تضغط على مواقع الجيش.
كردفان.. الجبهة التي قد تحدد مسار الحرب
تحتل منطقة كردفان موقعاً بالغ الأهمية في الحسابات العسكرية للطرفين. فالمنطقة تمثل حلقة وصل جغرافية بين وسط السودان ودارفور، كما تشكل طرقها ومراكزها الحضرية خطوطاً حيوية لتحرك القوات والإمدادات.
وفي شمال كردفان، تصاعدت المعارك حول مدينة الأبيض ومحيطها، في وقت عزز فيه الجيش وجوده في عدد من المواقع الاستراتيجية. وكانت التطورات الأخيرة قد أظهرت أن السيطرة على هذه المنطقة لا تتعلق بمدينة واحدة، وإنما ترتبط بالقدرة على التحكم في طرق الإمداد التي تصل غرب البلاد بوسطها. وقد شهدت المنطقة خلال الفترة الماضية عمليات متبادلة وضربات بالطائرات المسيّرة، فيما واصل الطرفان حشد قواتهما.
وتكتسب الأبيض أهمية إضافية بسبب موقعها الاقتصادي واللوجستي، فضلاً عن كونها واحدة من أكبر المراكز الحضرية في غرب السودان. ولذلك فإن تحولها إلى ساحة معركة واسعة سيكون له انعكاسات تتجاوز البعد العسكري، خصوصاً على حركة المدنيين والإمدادات الإنسانية.
ولا تبدو المعركة في كردفان مرشحة للحسم السريع. فالجيش يمتلك قدرات جوية ومنظومات دفاعية، بينما تعتمد قوات الدعم السريع بدرجة كبيرة على الحركة السريعة والانتشار الواسع واستخدام المسيرات، ما يجعل المعركة أقرب إلى صراع على الممرات والطرق ومراكز الإمداد منه إلى مواجهة تقليدية بين جيشين نظاميين.
دارفور.. ترسيخ النفوذ وتعدد بؤر القتال
في دارفور، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فقد تمكنت قوات الدعم السريع من ترسيخ نفوذها في أجزاء واسعة من الإقليم، بينما يحاول الجيش وحلفاؤه منع تحول هذا النفوذ إلى واقع سياسي وعسكري دائم.
وتجددت المواجهات في عدد من محاور دارفور بالتزامن مع تصاعد العمليات في كردفان. ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار الحرب إلى ترسيخ الانقسام الجغرافي بين مناطق نفوذ متنافسة، خصوصاً مع بروز ترتيبات سياسية وإدارية موازية تسعى قوات الدعم السريع وحلفاؤها إلى تكريسها في المناطق التي تسيطر عليها.
لكن المشكلة في دارفور لا تقتصر على المواجهات المباشرة بين الجيش والدعم السريع. فالمنطقة تشهد أيضاً صراعات محلية وقبلية، وتنافساً على الأراضي والموارد ومسارات الحركة، ما يجعل الحرب أكثر قابلية للانتشار والتشظي.
وفي ظل ضعف مؤسسات الدولة وتراجع الخدمات، يجد المدنيون أنفسهم أمام أكثر من تهديد في الوقت نفسه: القتال، والنزوح، وانعدام الأمن الغذائي، وتوقف الخدمات الصحية والتعليمية، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى المساعدات.
وهكذا تتحول دارفور تدريجياً إلى واحدة من أخطر ساحات الحرب، ليس فقط بسبب حجم العمليات العسكرية، وإنما لأن استمرار القتال يهدد بتحويل الأزمة إلى واقع اجتماعي طويل الأمد يصعب تفكيكه حتى بعد توقف المعارك.
النيل الأزرق.. جبهة جديدة تزيد تعقيد المشهد
إذا كانت كردفان ودارفور تمثلان قلب المعادلة العسكرية في غرب السودان، فإن النيل الأزرق تفتح جبهة مختلفة من حيث الموقع والامتدادات الإقليمية.
وقد شهدت المنطقة خلال الأشهر الماضية تصعيداً متزايداً، خصوصاً في محاور قيسان والكرمك ومناطق أخرى قريبة من الحدود الإثيوبية. وأدى انتقال القتال إلى هذه المنطقة إلى فتح مسار جديد للصراع، في وقت تعاني فيه المجتمعات المحلية أصلاً من آثار النزوح والفقر وتراجع الخدمات.
وتشير تقديرات وتحليلات ميدانية إلى أن القتال في النيل الأزرق لا يرتبط فقط بالصراع بين الجيش والدعم السريع، وإنما يتداخل أيضاً مع نشاط الحركة الشعبية-شمال وحسابات أمنية مرتبطة بالحدود. وقد رصدت تقارير متخصصة تصاعد العمليات في المنطقة منذ أواخر يناير، مع تنافس على مدن وممرات استراتيجية، ما أدى إلى نزوح جديد وتعطيل النشاط الزراعي ومصادر الرزق.
والأخطر أن استمرار القتال في النيل الأزرق يضع الحرب السودانية أمام أبعاد إقليمية إضافية، في ظل قرب المنطقة من إثيوبيا وجنوب السودان، وهو ما قد يجعل أي تصعيد واسع فيها أكثر تأثيراً على أمن الحدود وحركة السكان.
الخرطوم.. العاصمة لم تعد بعيدة عن نيران الجبهات
ورغم أن المعارك الكبرى تتركز حالياً في مناطق أخرى، فإن الخرطوم لا تزال حاضرة في المشهد العسكري، خصوصاً من خلال هجمات الطائرات المسيّرة.
فقد تعرضت العاصمة ومناطق مجاورة لها خلال الأيام الماضية لهجمات بطائرات مسيّرة، بالتزامن مع استهداف مواقع ومطارات في مناطق أخرى من شمال ووسط البلاد. وتكشف هذه التطورات عن تغير واضح في أسلوب الحرب، حيث أصبح بإمكان طرفي الصراع ضرب أهداف على مسافات بعيدة، دون الحاجة إلى نقل قوات برية كبيرة إلى المنطقة المستهدفة.
وهذا التحول يحمل دلالة عسكرية مهمة. فالمسيرات تسمح بتوسيع نطاق المعركة وإرباك خطوط الإمداد واستهداف البنية العسكرية واللوجستية، لكنها في الوقت نفسه ترفع مستوى المخاطر على المدنيين، خصوصاً عندما تقع الهجمات في مناطق مكتظة بالسكان.
وقد حذرت تقارير أممية وحقوقية سابقة من آثار استخدام الأسلحة ذات التأثير الواسع في المناطق السكنية، لما يمكن أن تسببه من خسائر بين المدنيين وتدمير للبنية التحتية الحيوية.
حرب المسيرات تعيد رسم قواعد الاشتباك
من أبرز ملامح المرحلة الحالية في السودان الصعود الكبير لدور الطائرات المسيّرة. فقد أصبحت هذه الوسيلة جزءاً أساسياً من العمليات العسكرية لدى الطرفين، الأمر الذي منح الحرب بعداً تكنولوجياً لم يكن بهذه الدرجة في مراحلها الأولى.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أن هجمات المسيّرات شكلت نسبة كبيرة من قتلى وجرحى الأطفال خلال الأشهر الأولى من عام 2026، وهو مؤشر على اتساع تأثير هذا السلاح على المدنيين.
وتكمن خطورة المسيرات في قدرتها على الوصول إلى مناطق بعيدة عن خطوط القتال التقليدية. وبذلك لم يعد المدني في المدن البعيدة قادراً على افتراض أن وجوده بعيداً عن الجبهة يعني بالضرورة الأمان.
كما أن الاعتماد المتزايد على المسيرات قد يطيل أمد الحرب. فكل طرف يستطيع توجيه ضربات مؤثرة من دون الحاجة إلى خوض معارك برية مكلفة، ما يسمح باستمرار الضغط العسكري حتى في ظل صعوبة تحقيق اختراق ميداني حاسم.
من حرب على السلطة إلى صراع على الجغرافيا
عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، كان جوهرها صراعاً على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع. لكن مرور أكثر من ثلاث سنوات على القتال غيّر طبيعة المعادلة.
اليوم، باتت الحرب أيضاً صراعاً على الجغرافيا والموارد وطرق التجارة ومناطق الإنتاج ومراكز المدن. وكلما طال أمد القتال، أصبحت السيطرة على الأرض عاملاً أكثر أهمية من السيطرة على المؤسسات الرسمية وحدها.
وهذا ما يفسر تصاعد المعارك في كردفان والنيل الأزرق ودارفور. فهذه المناطق ليست مجرد ساحات بعيدة عن العاصمة، بل تمثل مفاتيح استراتيجية يمكن أن تحدد شكل السودان إذا استمرت الحرب.
وفي هذا السياق، فإن أي تقدم عسكري يحققه أحد الطرفين لا يعني بالضرورة اقتراب النهاية. فقد أثبتت التطورات السابقة أن السيطرة على مدينة أو منطقة يمكن أن تتغير بسرعة، وأن المكاسب الميدانية قد تتحول إلى عبء إذا لم يتمكن الطرف المسيطر من تأمين خطوط الإمداد والحفاظ على السكان والخدمات.
المدنيون يدفعون الثمن الأكبر
وسط الحسابات العسكرية، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف. فكل توسع في الجبهات يعني مزيداً من النزوح، ومزيداً من المناطق التي يصعب الوصول إليها إنسانياً.
وتحذر تقارير الأمن الغذائي من استمرار تفاقم الأوضاع في مناطق واسعة من السودان، خصوصاً مع تعطل الزراعة والأسواق وطرق النقل، فضلاً عن النزوح المستمر. كما أن اتساع رقعة القتال في كردفان ودارفور والنيل الأزرق يهدد مصادر الرزق ويزيد الضغط على المجتمعات التي تستقبل النازحين.
وبذلك لم تعد الأزمة الإنسانية نتيجة جانبية للحرب، بل أصبحت جزءاً من بنيتها الأساسية. فكلما امتدت الجبهات، تقلصت المساحات الآمنة، وكلما تعطلت طرق الإمداد، ارتفعت أسعار الغذاء والدواء والوقود، وكلما استمر النزوح، ازدادت قدرة الأزمة على إنتاج أزمات جديدة.
هل تتجه البلاد إلى حرب استنزاف طويلة؟
المؤشرات الحالية لا توحي بحسم قريب. فالمواجهات موزعة على جبهات متعددة، والقدرة العسكرية للطرفين لا تزال تسمح باستمرار القتال، بينما فشلت محاولات وقف إطلاق النار السابقة في الوصول إلى تسوية دائمة. وتؤكد تقييمات حديثة أن الحرب لا تزال مستمرة من دون مسار فعال لنزع فتيل التصعيد.
المشكلة أن اتساع الجبهات قد يجعل الوصول إلى اتفاق أكثر صعوبة. فحتى إذا اتفق طرفا الصراع على وقف القتال في الخرطوم، فإن السيطرة المتنافسة على مناطق واسعة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق ستظل تحتاج إلى ترتيبات أمنية وسياسية معقدة.
كما أن ظهور قوى محلية ومجموعات مسلحة وتحالفات متغيرة يجعل الحرب أقل قابلية للاختزال في طرفين فقط.
ومن هنا، فإن الخطر الأكبر الذي يواجه السودان ليس فقط استمرار الحرب، وإنما تحولها إلى حرب استنزاف مفتوحة، تتغير فيها خطوط السيطرة باستمرار، بينما تتآكل الدولة والمجتمع والاقتصاد تدريجياً.
الخلاصة
اتساع المواجهات في السودان من كردفان ودارفور إلى الخرطوم والنيل الأزرق يعكس مرحلة جديدة من الحرب، عنوانها الأبرز تعدد الجبهات، وتوسع استخدام المسيرات، وتداخل العسكري بالسياسي والمحلي والإقليمي.
فالجيش يحاول استثمار مكاسبه الميدانية وتثبيت نفوذه، بينما تسعى قوات الدعم السريع إلى الحفاظ على مناطق سيطرتها وفتح مسارات جديدة للضغط على خصمها. وبين الطرفين، تتسع مساحة الحرب وتضيق مساحة الحياة الطبيعية أمام ملايين السودانيين.
وإذا لم يتحول الضغط الدولي والإقليمي إلى مسار سياسي فعلي يفرض هدنة قابلة للتنفيذ ويضمن وصول المساعدات ويفتح الطريق أمام تسوية شاملة، فإن السودان قد يواجه مرحلة أطول وأكثر تعقيداً من الحرب.
المعركة لم تعد فقط حول من يسيطر على الخرطوم، ولا حول من ينتصر في كردفان أو دارفور. إنها معركة على مستقبل الدولة نفسها، وعلى ما إذا كان السودان سيخرج من الحرب دولة واحدة قادرة على إعادة بناء مؤسساتها، أم يدخل مرحلة طويلة من الانقسام العسكري والسياسي والجغرافي.




