تسريبات

الدولار ينهار والمليشيات تتنازع السلطة.. حرب السودان تفتح أبواب الجوع وتكشف أزمة الحكم


بين طوابير المواطنين أمام التكايا، وتعطل الخدمات المصرفية، وتصاعد الخلافات على المناصب بين الحركات المسلحة، تتفاقم الأزمة السودانية على جبهتين متوازيتين: صراع على السلطة لا يتوقف، وانهيار معيشي يدفع المدنيين إلى مواجهة يومية من أجل الغذاء والدواء.

تتعمق الأزمة السودانية مع استمرار الحرب وتراجع الأوضاع الاقتصادية والخدمية، في وقت تتزايد فيه الخلافات داخل معسكر بورتسودان بشأن توزيع السلطة وتشكيل الحكومة وتوسيع التشكيلات المسلحة. وبينما تنشغل القوى السياسية والعسكرية بإعادة ترتيب مواقعها داخل مؤسسات الحكم، يواجه المواطنون تحديات متصاعدة تتعلق بتأمين الغذاء والعلاج والوصول إلى أموالهم، وسط اضطرابات مصرفية وارتفاع الأسعار ونقص الوقود والأدوية، وفق ما تناولته حلقتان تحليليتان عن تطورات المشهد السوداني.

وتكشف هذه التطورات عن فجوة متزايدة بين أولويات مراكز القرار والاحتياجات اليومية للسكان. فالحرب التي بدأت باعتبارها مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع تحولت إلى أزمة متعددة المستويات، تطال الاقتصاد والخدمات العامة والعلاقات الإقليمية، وتعيد في الوقت نفسه إنتاج صراعات النفوذ داخل المعسكرات المتنافسة. وفي ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال متعلقاً بمن يحقق مكاسب ميدانية فقط، بل بقدرة مؤسسات الحكم على منع الانهيار المعيشي، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي القتال.

انهيار العملة وتعطل المصارف.. الأزمة تصل إلى تفاصيل الحياة اليومية

تحدثت الحلقة الثانية عن تدهور حاد في قيمة العملة السودانية، مشيرة إلى وصول سعر الدولار إلى مستويات مرتفعة للغاية، مع ورود أرقام تتراوح بين ثمانية آلاف جنيه وعشرة ملايين جنيه بالعملة القديمة في سياقات مختلفة. وتحتاج هذه الأرقام إلى تحديد الفترة الزمنية وسعر الصرف المعني، والتمييز بين الجنيه القديم والجنيه المتداول، وبين الأسعار الرسمية وأسعار السوق الموازية. لكن ما تعكسه المادة بوضوح هو حجم الاضطراب النقدي الذي يضغط على الاقتصاد ويضعف القدرة الشرائية للأسر.

ويؤدي تراجع قيمة العملة، عندما يتزامن مع اضطراب سلاسل الإمداد وتراجع النشاط التجاري، إلى ارتفاع كلفة السلع والخدمات، ويجعل الأسر أكثر عرضة لتقلبات الأسعار. كما تتأثر الأنشطة التجارية الصغيرة التي تعتمد على السيولة اليومية، في حين يجد المواطنون صعوبة متزايدة في تغطية نفقات الغذاء والنقل والعلاج. ومع استمرار الحرب، تصبح هذه الضغوط أكثر حدة في المناطق التي تعاني من تراجع فرص العمل أو صعوبة وصول السلع الأساسية.

ولم تتوقف الأزمة عند سعر الصرف، إذ تناول التفريغ تعطل التطبيقات المصرفية ومشكلات الوصول إلى الأموال، بما في ذلك الخدمات المرتبطة ببنك الخرطوم. وتكتسب هذه الاضطرابات أهمية خاصة في بيئة يعتمد فيها كثير من الأفراد والتجار على التحويلات الإلكترونية لتسوية المعاملات اليومية، خصوصاً عندما يصبح الحصول على النقد صعباً أو محفوفاً بالمخاطر.

فالتعطل المصرفي لا يعني مجرد تأخير عملية تحويل، بل قد يحرم الأسرة من شراء الطعام أو الدواء في الوقت المناسب، ويعطل قدرة التجار على توفير السلع، ويزيد من صعوبة إدارة المدفوعات في سوق مضطربة. كما أن غياب المعلومات الواضحة عن موعد استعادة الخدمات واستقرارها قد يزيد من حالة عدم اليقين لدى المستخدمين، ويعمق أثر الأزمة الاقتصادية على الحياة اليومية.

صفوف التكايا والوقود.. الجوع يصبح عنواناً للأزمة

في مشهد يلخص جانباً من المعاناة الإنسانية، تحدثت الحلقة عن طوابير المواطنين أمام التكايا للحصول على وجبات بسيطة، بالتزامن مع صفوف السيارات الباحثة عن الوقود. كما أشارت إلى نقص الأدوية المنقذة للحياة وخروج بعض الصيدليات عن الخدمة، في صورة تعكس حجم الضغوط التي تواجه الخدمات الأساسية في ظل الحرب.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الأزمة لم تعد مقتصرة على تراجع مستويات الدخل، بل امتدت إلى القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية. فعندما تضطر الأسر إلى الاعتماد على الوجبات التي توفرها المبادرات المجتمعية، تصبح استمرارية هذه المبادرات عاملاً حاسماً في مواجهة الجوع. كما أن نقص الوقود يمكن أن ينعكس على حركة النقل وتوزيع السلع وتشغيل الخدمات، بينما يؤدي نقص الأدوية إلى زيادة المخاطر التي تواجه المرضى، خصوصاً أصحاب الحالات التي تحتاج إلى علاج منتظم أو تدخل عاجل.

ومع ذلك، فإن تحديد حجم الأزمة وتوزيعها الجغرافي يتطلب الاستناد إلى بيانات حديثة من الجهات الإنسانية والصحية المستقلة، لأن الأوضاع تختلف بين المناطق تبعاً لمستوى القتال وقدرة الإمدادات على الوصول. لكن الصورة التي يقدمها التفريغ تؤكد أن الكلفة الإنسانية للحرب تتجاوز الخسائر المباشرة في المواجهات، لتشمل تآكل القدرة على العيش وتراجع الخدمات التي يعتمد عليها السكان يومياً.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح حماية المرافق الصحية وتأمين الإمدادات الغذائية والدوائية وضمان وصول المساعدات من الأولويات الملحة. كما أن استعادة الخدمات المصرفية والاتصالات والنقل تمثل جزءاً من الاستجابة الاقتصادية والإنسانية، لأنها تساعد على استمرار المعاملات وتخفيف العوائق التي تحول دون حصول المواطنين على احتياجاتهم.

حكومة كامل إدريس تحت الضغط.. من يدفع ثمن الصراع على المناصب؟

في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمة المعيشية، تناولت الحلقة الأولى انتقادات لأداء حكومة كامل إدريس، ووصفتها بأنها عاجزة عن تقديم استجابة كافية للأزمة الاقتصادية. كما تحدثت عن تحركات لتشكيل حكومة جديدة وإعادة توزيع المناصب بين مكونات معسكر بورتسودان، وسط خلافات بشأن حصة الحركات المسلحة والتشكيلات الأخرى المشاركة في الحرب.

وبحسب التفريغ، طُرحت مطالب تدعو الحركات المسلحة إلى التنازل عن بعض المناصب لمصلحة تشكيلات أخرى تقاتل إلى جانب الجيش، من بينها قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل. ووفق الرواية الواردة في الحلقة، قوبلت هذه المطالب بالرفض، في ظل تمسك الحركات المسلحة بمواقعها داخل ترتيبات الحكم.

ويعكس هذا الخلاف معضلة سياسية متكررة في التحالفات التي تتشكل خلال الحروب: فالأطراف قد تتفق على مواجهة خصم مشترك، لكنها تختلف عندما يتعلق الأمر بتوزيع السلطة والموارد وتحديد من يملك التأثير في القرارات المقبلة. وفي غياب قواعد واضحة لإدارة هذه الخلافات، يتحول تشكيل الحكومة إلى ساحة للتنافس، بدلاً من أن يكون أداة لتوحيد القرار وتحسين الاستجابة للأزمة.

وتزداد خطورة هذا التنافس عندما يجري في ظل تدهور اقتصادي واسع، لأن الوقت والموارد اللازمين لمعالجة احتياجات السكان يصبحان عرضة للانشغال بالمساومات السياسية. كما أن استمرار الخلافات حول المناصب قد يضعف قدرة الحكومة على تقديم سياسات متماسكة في ملفات العملة والأسعار والخدمات، ويزيد من حالة عدم اليقين لدى المواطنين والقطاعات الاقتصادية.

من درع السودان إلى درع الغرب.. هل تتعدد مراكز القوة؟

لم تقتصر الخلافات على توزيع المناصب الحكومية، إذ تناول التفريغ تحركات لتأسيس تشكيلات مسلحة جديدة، بينها ما سُمي «درع الغرب»، مع مطالبات بالحصول على نصيب من السلطة. كما أشار إلى أسماء من بينها النور قبة وسافنة في سياق هذه التحركات، واعتبر أن التنافس على إنشاء كيانات مسلحة جديدة قد يزيد من تعقيد المشهد داخل معسكر بورتسودان.

وإذا تأكدت هذه التطورات، فإنها تثير أسئلة بشأن مستقبل القيادة العسكرية وقدرة المؤسسات الرسمية على ضبط التشكيلات التي تقاتل إلى جانب الجيش. فتعدد القوى المسلحة ذات المصالح والولاءات المختلفة قد يعقد التنسيق الميداني، ويزيد من احتمالات التنافس على مناطق النفوذ والموارد، كما قد يجعل بناء مؤسسة أمنية موحدة أكثر صعوبة في أي مرحلة لاحقة.

وفي السياق نفسه، تناولت الحلقة تحركات مني أركو مناوي عقب عودته من نيويورك، مشيرة إلى تنظيم حشد لاستقباله في الخرطوم بهدف إظهار حجم التأييد الذي يتمتع به. ووفق التفريغ، شارك أنصار من قبيلة الزغاوة في التجمع، كما تحدثت الحلقة عن نقل نازحين من المخيمات إلى مطار الخرطوم. وتحتاج تفاصيل هذه الرواية إلى التحقق المستقل، خصوصاً ما يتعلق بظروف مشاركة النازحين وطبيعة تنظيم الحشد.

كما نقل التفريغ عن مناوي انتقادات لتشكيل المليشيات الجديدة، وتحذيراً من أنها قد تقود إلى صراع آخر، بالتزامن مع حديثه عن إخفاق وفد بورتسودان في تحقيق اختراق دبلوماسي خلال وجوده في نيويورك. وتبرز أهمية هذه المواقف في أنها تشير إلى وجود تباينات داخل المعسكر نفسه بشأن مستقبل التحالفات المسلحة، وحدود التوسع في إنشاء تشكيلات جديدة، ومدى قدرة التحركات الخارجية على تحقيق مكاسب سياسية ملموسة.

فكلما ازدادت مراكز القوة وتعددت الأطراف المطالبة بالمشاركة في السلطة، أصبح التوصل إلى توافق بشأن وقف الحرب وإعادة بناء المؤسسات أكثر تعقيداً. كما أن غياب اتفاق واضح على مستقبل هذه التشكيلات قد يحول التنافس الحالي إلى مصدر توتر جديد، حتى في حال تراجع حدة المواجهات مع قوات الدعم السريع.

ملف البشير يعود إلى الواجهة.. السياسة تتقدم على الأسئلة المعيشية

وفي موازاة الأزمة الاقتصادية والصراع على المناصب، أعادت مناشدات منسوبة إلى أسرة الرئيس المعزول عمر البشير بشأن وضعه الصحي فتح النقاش حول مستقبله ومكان وجوده. فقد تحدث التفريغ عن مطالب بتوفير جناح خاص له في مستشفى علياء بالخرطوم، إلى جانب دعوات للسماح له بتلقي العلاج خارج السودان، مع تداول قطر وتركيا باعتبارهما وجهتين محتملتين.

لكن الحلقة الثانية ذهبت إلى طرح رواية مختلفة، إذ نقلت مزاعم إعلامية تفيد بأن البشير وبعض أركان نظامه السابق غادروا السودان قبل نحو شهرين، وأنهم موجودون في الدوحة وتركيا. ولا تتضمن المادة المتاحة أدلة مستقلة تؤكد هذه المزاعم أو تحدد مكان وجود البشير الحالي، ما يجعلها معلومات تحتاج إلى التحقق قبل التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة.

وتتجاوز أهمية الملف مسألة الوضع الصحي للرئيس المعزول، بالنظر إلى ما يثيره من أسئلة بشأن نفوذ شبكات النظام السابق وعلاقتها بالقيادة العسكرية الحالية. فقد طرحت الحلقة فرضية استمرار تأثير هذه الشبكات في القرار السياسي والعسكري، لكنها لم تقدم في التفريغ ما يكفي لإثبات أن البرهان يتلقى تعليمات مباشرة من البشير أو من قيادات النظام السابق.

ويأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه البلاد أزمة معيشية واسعة، ما يبرز التباين بين الملفات التي تشغل النخب السياسية والعسكرية وبين الأولويات اليومية للسكان. فبينما يستمر التنافس على النفوذ وتُطرح أسئلة عن مستقبل الشخصيات السياسية، يظل المواطنون بحاجة إلى حلول عاجلة تتعلق بالغذاء والدواء والسيولة والخدمات الأساسية.

تعثر المسار الدبلوماسي يزيد كلفة الأزمة الداخلية

ولا تنفصل هذه الأوضاع عن الضغوط الخارجية التي تناولتها الحلقة الأولى، بدءاً من رفض التأشيرة الأمريكية للبرهان، مروراً بتحركات القوى المدنية بقيادة عبد الله حمدوك في واشنطن، وصولاً إلى لقاء العلمين مع مسعد بولس وتأجيل الزيارة إلى الرياض وفق ما ورد في التفريغ.

فالتعثر الدبلوماسي، إذا استمر، قد يحد من فرص التوصل إلى تفاهمات تفتح الطريق أمام وقف الحرب، بينما تزيد الخلافات داخل معسكر بورتسودان من صعوبة الالتزام بأي اتفاق محتمل. وفي المقابل، فإن نجاح الجهود الدولية في دفع الأطراف نحو هدنة إنسانية قد يوفر فرصة لتحسين وصول المساعدات واستعادة بعض الخدمات، لكنه لن يكون كافياً وحده لمعالجة الأزمة الاقتصادية ما لم يترافق مع خطوات أوسع لإعادة تنشيط المؤسسات والأسواق.

كما أن التوترات الإقليمية التي تناولتها الحلقة الأولى، بما فيها الاتهامات الإثيوبية والتحذيرات التشادية والتقارير المتعلقة بالتعاون العسكري مع السعودية، تضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الأزمة. فكلما اتسع نطاق التوترات، ازدادت صعوبة توجيه الموارد والجهود نحو معالجة الاحتياجات الداخلية، وتراجعت فرص بناء بيئة مستقرة تسمح باستعادة النشاط الاقتصادي والخدمات العامة.

المدنيون في مواجهة حرب تتجاوز الميدان

تكشف المحاور التي تناولتها الحلقتان أن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع على السيطرة العسكرية، بل أصبحت أزمة حكم واقتصاد ومؤسسات وعلاقات إقليمية. فالتنافس على المناصب وتعدد التشكيلات المسلحة يتزامنان مع تراجع العملة وتعطل الخدمات المصرفية ونقص الغذاء والدواء، بينما لا تزال المبادرات الدبلوماسية تواجه تحديات تتعلق بمواقف الأطراف المتحاربة وقدرتها على الالتزام بالتسوية.

وفي قلب هذه الأزمة، يظل المدنيون الطرف الأكثر تعرضاً لتبعات استمرار القتال، سواء من خلال فقدان مصادر الدخل أو صعوبة الوصول إلى الخدمات أو الاعتماد على المبادرات الإنسانية لتأمين الاحتياجات الأساسية. ولذلك، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على إعادة توزيع المناصب أو ترتيب التحالفات، بل تتطلب وقفاً فعلياً للحرب، وضمان وصول المساعدات، واستعادة الخدمات، ووضع مسار سياسي واضح يعالج أسباب الصراع.

وفي النهاية، لا يقاس نجاح أي حكومة بقدرتها على الحفاظ على توازنات القوى داخل معسكرها فقط، بل بمدى قدرتها على حماية السكان وتوفير شروط الحياة الأساسية. وبين صراع السلطة وحرب الجوع، يواجه السودان اختباراً يتجاوز مصير القيادات المتنافسة إلى مستقبل الدولة نفسها: إما أن تفتح التسوية طريقاً لاستعادة المؤسسات والاستقرار، أو تستمر الحرب في استنزاف الموارد وتوسيع دائرة المعاناة، بينما يبقى المواطنون عالقين في مواجهة يومية من أجل البقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى