اقتصاد الحرب في السودان.. حين تتعايش المساعدات مع شبكات تمويل الصراع
قد تبدو المساعدات الإنسانية والاقتصاد الحربي نقيضين لا يمكن اجتماعهما؛ فالأولى تهدف إلى حماية الحياة، بينما يقوم الثاني على استغلال الموارد والطرق والأسواق والاحتياجات لتوفير المال والقدرة اللازمين لمواصلة القتال. لكن الحروب الطويلة تخلق واقعًا أكثر تعقيدًا، إذ يمكن أن تتجاور عمليات الإغاثة مع شبكات تجارية ومالية تستفيد من انهيار مؤسسات الدولة، كما يمكن أن تتحول ندرة الغذاء والوقود والدواء إلى فرص للربح والاحتكار والسيطرة.
وفي السودان، حيث ألحقت الحرب أضرارًا واسعة بالزراعة والبنية التحتية والخدمات والأسواق، لم يعد استمرار المواجهة مرتبطًا بالأسلحة وحدها، بل أيضًا بقدرة الأطراف المتحاربة على الوصول إلى الموارد وتأمين طرق التجارة والتحكم في مصادر الدخل. وهنا يصبح السؤال عن دور المساعدات أكثر دقة: هل تصل الإغاثة إلى الناس وتخفف معاناتهم، أم أن بعض البيئات التي تعمل فيها تسمح لشبكات اقتصادية نافذة بالاستفادة من حركة السلع والتمويل وتوزيع الموارد؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال باتهام المنظمات الإنسانية عمومًا، بل من خلال فحص العلاقة بين اقتصاد الحرب وآليات تقديم الإغاثة، وتحديد ما إذا كانت هناك جهات تستغل الأزمة لتحقيق مكاسب أو توفير موارد تسهم في استمرار القتال.
وفي يوليو 2026، حذّر تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن اقتصاد الحرب في السودان يساعد على استمرار النزاع، مشيرًا إلى اعتماد الأطراف المتحاربة على السيطرة على الأراضي وطرق التجارة والسلع الأساسية لتوليد الإيرادات اللازمة لتغطية تكاليف العمليات العسكرية. كما تناول التقرير المخاطر المرتبطة بسلاسل توريد الصمغ العربي، ودعا الدول والشركات المعنية إلى ضمان احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة لأنها توضح أن الموارد الاقتصادية التي يفترض أن تدعم معيشة السكان يمكن أن تتحول، في ظروف الحرب، إلى أدوات لإعادة إنتاج العنف. فحين تُفرض السيطرة المسلحة على مناطق الإنتاج أو طرق النقل، تتراجع قدرة المنتجين المحليين على التحكم في عائداتهم، وتصبح حركة السلع خاضعة لموازين القوة والجبايات وشبكات الوساطة. ومع تراجع الرقابة الحكومية، قد تتوسع الأسواق غير الرسمية، ويصعب تتبع المستفيدين النهائيين من الإيرادات، بينما تتعرض المجتمعات المحلية لمزيد من الفقر وفقدان سبل العيش. وإذا كانت المساعدات الإنسانية تدخل هذه البيئة عبر أسواق محلية أو شركات نقل وموردين، فإن ذلك يفرض ضرورة تدقيق المعاملات والتعاقدات لضمان عدم استفادة شبكات مرتبطة بالنزاع من الأموال المخصصة لإنقاذ المدنيين. لكن هذه المخاطر المحتملة لا تعني أن شراء الغذاء من السوق المحلية أو التعامل مع الموردين المحليين ممارسة غير مشروعة؛ بل تعني أن ظروف الحرب تستدعي معايير أعلى للشفافية والتحقق.
وتظهر المشكلة بوضوح أكبر عندما تتداخل المساعدات مع الأسواق التي تتعرض للاحتكار أو القيود المفروضة على الحركة. فالمساعدات النقدية، على سبيل المثال، قد تساعد الأسر على شراء احتياجاتها من التجار المحليين، لكنها تفقد جزءًا من أثرها إذا كانت السلع غير متوافرة أو إذا ارتفعت أسعارها بصورة مصطنعة. كما أن نقل المواد الغذائية والوقود إلى المناطق المحاصرة قد يواجه رسومًا غير رسمية أو شروطًا تفرضها جهات مسلحة أو سلطات محلية، ما يرفع التكلفة ويقلل كمية المساعدات التي تصل إلى المستفيدين. وقد وثقت تقارير عن الأزمة السودانية عراقيل أمام العمل الإنساني، ومخاوف من الفساد وتحويل المساعدات وإخضاع عمليات التوزيع لمصالح الجهات المسيطرة.
ومن هنا، لا تقتصر الرقابة المطلوبة على التأكد من مغادرة الشحنة للمستودع ووصولها إلى منطقة محددة، بل ينبغي أن تشمل سلسلة الإمداد بأكملها: من مصدر الأموال، إلى اختي




