وراء الخطاب الإنساني.. شبكات النفوذ الخارجي ومعركة إطالة الحرب في السودان
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعد الحدود المحيطة بالبلاد مجرد خطوط تفصل بين دول متجاورة، بل أصبحت جزءًا من مشهد إقليمي تتشابك فيه طرق الإمداد والمصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية. وفي الوقت الذي تتزايد فيه حاجة السودانيين إلى الغذاء والدواء والمأوى، تتصاعد الأسئلة بشأن طبيعة التدخلات الخارجية التي تؤثر في مسار الصراع، وحدود الفصل بين الدعم الإنساني المشروع وأشكال الدعم السياسي أو اللوجستي أو العسكري التي يمكن أن تمنح أطراف الحرب قدرة إضافية على الاستمرار. وتكمن حساسية هذه المسألة في أن التدخل الخارجي لا يأتي دائمًا في صورة واحدة واضحة؛ فقد تتداخل المساعدات المدنية مع أنشطة دبلوماسية وتجارية وأمنية تجري عبر شبكات متعددة، الأمر الذي يجعل تحديد المسؤوليات مهمة تتطلب تحقيقًا دقيقًا، لا الاكتفاء بالشعارات أو الاتهامات المتبادلة. فالسؤال الأساسي ليس ما إذا كانت الدول والمنظمات تتدخل في الأزمة السودانية، إذ إن التدخل الإنساني والدبلوماسي معلن في حالات كثيرة، بل ما إذا كانت بعض الشبكات المرتبطة بأطراف خارجية تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إطالة القدرة على مواصلة القتال، بينما تستخدم حماية المدنيين غطاءً سياسيًا لتبرير أنشطة أخرى.
وفي تطور يعزز أهمية هذا السؤال، تناولت تقارير أممية نُشرت خلال عام 2026 دور شبكات خارجية في تغذية الحرب، بما في ذلك إمدادات الأسلحة والخبرات العسكرية والتعاقدات الأمنية المرتبطة بأطراف النزاع. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن تقرير أممي حديث أن التحقيقات رصدت شبكات توريد ومتعهدين عسكريين وأفرادًا من عدة دول، بينها الإمارات وكولومبيا وتشاد، في سياق دعم قوات الدعم السريع، مع الإشارة إلى نفي الإمارات تقديم دعم عسكري لها. كما أشار التقرير إلى أدلة أولية على دعم خارجي بالطائرات المسيّرة للجيش السوداني، بما يعكس اتساع البعد الدولي للحرب وتعقيد شبكة المصالح المحيطة بها.
وهذه المعطيات لا تثبت أن المساعدات الإنسانية نفسها تُستخدم لنقل الأسلحة أو تمويل العمليات العسكرية، لكنها تكشف أن الحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن الشبكات الخارجية التي قد تمد أطرافها بالموارد والخبرات والقدرة على مواصلة المواجهة. ولذلك، فإن أي تحقيق جاد في استغلال الغطاء الإنساني ينبغي أن يركز على أدلة محددة: مصادر التمويل، وطبيعة الشحنات، وهوية المستفيدين، والجهات التي تتحكم في النقل والتوزيع، والعلاقة المحتملة بين الأنشطة المدنية واللوجستية والعمليات العسكرية. فالتشابه في المسارات أو التزامن في التوقيت لا يكفي وحده لإثبات التواطؤ، لكنه قد يشكل نقطة انطلاق لتحقيق مستقل إذا دعمته معلومات موثوقة.
وتزداد المخاطر عندما تتحول لغة حماية المدنيين إلى وسيلة لتبرير ترتيبات لا تخضع للشفافية الكافية، أو عندما تستخدم الأطراف المتنافسة الحاجة الإنسانية لتوسيع حضورها السياسي وإعادة تقديم نفسها باعتبارها الطرف الأكثر حرصًا على السكان. ففي الحروب الممتدة، لا تُقاس القوة بالقدرات العسكرية وحدها، بل أيضًا بالقدرة على التأثير في الرأي العام، والتحكم في تدفقات الموارد، وتشكيل صورة الأطراف لدى المجتمع الدولي. وقد يصبح تقديم المساعدات فرصة لبناء علاقات نفوذ مع سلطات محلية أو جهات تتحكم في مناطق العبور، خصوصًا إذا غابت آليات المراقبة أو اختلطت الأدوار بين الوساطة السياسية والعمل الإغاثي. لكن وجود مصلحة سياسية لدى جهة مانحة لا يعني تلقائيًا أن مساعداتها غير مشروعة؛ فالمعيار هو طبيعة السلوك الفعلي ومدى احترامه لمبادئ الحياد والاستقلال وعدم التمييز. وتزداد أهمية هذا التمييز في السودان، حيث يمكن للاتهامات غير المثبتة أن تتحول إلى مبرر لإغلاق المعابر أو تعطيل عمليات الإغاثة، بينما تستفيد الجهات التي تعرقل الوصول من استمرار عزل المجتمعات المحتاجة. ومن ثم، فإن حماية العمل الإنساني تتطلب رفض استغلاله عسكريًا وسياسيًا، كما تتطلب في الوقت نفسه رفض تحويل الشكوك إلى عقاب جماعي للمدنيين.
إن المسؤولية الدولية في السودان لا ينبغي أن تتوقف عند إرسال المساعدات أو إصدار بيانات القلق، بل يجب أن تمتد إلى التحقيق في الشبكات التي تمد الحرب بالموارد، ومحاسبة الجهات التي يثبت تورطها في انتهاكات القانون الدولي، ومراقبة التدفقات المالية واللوجستية التي تتيح استمرار العمليات العسكرية. وفي المقابل، ينبغي توفير حماية فعلية للمنظمات الإنسانية والعاملين المحليين الذين يواجهون مخاطر كبيرة أثناء إيصال الإغاثة، وعدم إخضاع عملهم لاشتراطات سياسية تميّز بين الضحايا على أساس الجهة المسيطرة على مناطقهم. فالتناقض الأكبر ليس في وجود تدخل خارجي فحسب، بل في احتمال أن تُبذل جهود لإنقاذ المدنيين بالتوازي مع استمرار تدفقات أخرى تمنح أطراف الحرب قدرة على مواصلة القتال. وإذا ثبت أن جهات ما تستخدم واجهات مدنية أو ترتيبات لوجستية إنسانية لتسهيل الدعم العسكري، فإن ذلك يستوجب تحقيقًا ومساءلة واضحين، لا تعميم الاتهام على العمل الإنساني بأكمله. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من المنافسة على النفوذ تحت لافتات براقة، بل إلى التزام دولي يضع حدًا لتغذية الحرب، ويحمي حق المدنيين في الوصول إلى المساعدات، ويجعل إنهاء الصراع هدفًا عمليًا يتقدم على مصالح الأطراف التي تستفيد من استمراره.
ار الموردين، مرورًا بالنقل والتخزين، وصولًا إلى المستفيد النهائي. كما ينبغي نشر معايير اختيار الشركاء المحليين، ومراجعة العقود، وتوفير قنوات آمنة للشكاوى، وإجراء تدقيق مستقل في الحالات التي تظهر فيها مؤشرات على تحويل الموارد عن أهدافها الأصلية. فكلما ارتفعت شفافية هذه العمليات، تقلصت قدرة الجهات المستفيدة من اقتصاد الحرب على تحويل الإغاثة إلى مصدر دخل أو نفوذ.
لكن مكافحة استغلال المساعدات لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على إجراءات محاسبية معزولة عن الأسباب الاقتصادية التي تُبقي الحرب قائمة. فاستعادة النشاط الزراعي، وحماية المنتجين والتجار من الابتزاز، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وتوفير فرص العمل، كلها خطوات تقلل اعتماد السكان على المساعدات الطارئة وتحد من قدرة الشبكات المسلحة على احتكار الموارد. كذلك، فإن مساءلة الشركات والوسطاء الذين يثبت تورطهم في معاملات تدعم الانتهاكات يجب أن تسير بالتوازي مع حماية المؤسسات الإنسانية من التدخلات التي تعطل عملها أو تحرم مناطق بعينها من الإغاثة. فليس من المنطقي أن يتحمل المدنيون تبعات وقف المساعدات بسبب مخاطر يمكن معالجتها بتحسين الرقابة والتدقيق. وفي نهاية المطاف، لا تتمثل المعركة الحقيقية في الاختيار بين إيصال المساعدات أو منع استغلالها، بل في بناء منظومة تستطيع فعل الأمرين معًا: إنقاذ الأرواح الآن، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع التي تساعد على استمرار القتال. فالحرب التي تجد في الموارد والطرق والأسواق ما يكفي لتجديد قدرتها على المواجهة لن تنتهي بمجرد زيادة شحنات الغذاء؛ لكنها تصبح أقل قدرة على الاستمرار عندما تُحمى الموارد المدنية من الاستغلال، وتُحاسب الشبكات التي تغذي النزاع، ويُمنح السودانيون فرصة حقيقية لاستعادة اقتصادهم وحياتهم بعيدًا عن سلطة السلاح.




