PressAfrik وEUToday تسلطان الضوء على مأزق البرهان.. حليف للرياض ومحاط بتشكيلات لها حسابات أخرى
تضع التقارير المتداولة بشأن طلب سعودي محتمل إرسال مقاتلين سودانيين إلى اليمن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام اختبار سياسي وعسكري بالغ الحساسية. فالرجل الذي يسعى إلى تقديم سلطته بوصفها شريكاً إقليمياً يمكن الاعتماد عليه، يجد نفسه محاطاً بتشكيلات مسلحة وحلفاء سياسيين لا تتطابق مصالحهم بالضرورة مع حسابات الرياض. وبين الحاجة إلى الدعم السعودي، والاعتماد على القوى المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش، تتشكل معادلة تكشف حدود السلطة الفعلية داخل معسكر بورتسودان.
وتكتسب هذه القضية أهميتها من أنها تتجاوز مسألة إرسال قوات إلى الخارج. فهي تفتح ملفاً أوسع يتعلق بطبيعة التحالفات التي نشأت خلال الحرب السودانية، وبمدى قدرة القيادة العسكرية على ضبط القوى التي ساهمت في تقوية جبهتها، لكنها احتفظت في الوقت نفسه بهوياتها السياسية والعقائدية وشبكات علاقاتها الخاصة.
وفي الثالث من نوفمبر 2026، نشر موقع PressAfrik السنغالي مقالاً بعنوان «بين هجمات الطائرات المسيّرة والانتكاسات الدبلوماسية.. السعودية أمام المأزق اليمني والسوداني»، تناول فيه الرواية المتعلقة برفض قيادة بورتسودان طلباً سعودياً لنشر قوات مساندة في اليمن. واستند المقال إلى مصدر مجهول قال إن الرياض طلبت نشر وحدات سودانية، وإن الطلب قوبل بالرفض. كما ربط الكاتب هذه الرواية بالعلاقات العسكرية والمالية بين السعودية والجيش السوداني، وبالعقوبات الأميركية المفروضة على كتيبة البراء بن مالك.
ومع ذلك، تبقى الرواية المتعلقة بالطلب والرفض بحاجة إلى تأكيد رسمي مستقل. فالمقال الصحفي الذي يستند إلى مصدر مجهول يمكن أن يفتح باب النقاش والتحليل، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود اتفاق عسكري أو قرار رسمي بالرفض. وهذه التفرقة ضرورية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف إقليمي حساس قد يؤثر في علاقات الدول ومواقفها الأمنية.
تحالف الضرورة بين البرهان والتشكيلات المسلحة
منذ اندلاع الحرب في السودان، اعتمد الجيش على شبكة واسعة من القوى التي تقاتل إلى جانبه أو تقدم له دعماً سياسياً وميدانياً. ولم يكن هذا التحالف قائماً بالضرورة على وحدة الرؤية أو الاتفاق على مشروع سياسي واضح، بل فرضته ظروف الحرب والحاجة إلى تجميع أكبر قدر ممكن من القوة في مواجهة قوات الدعم السريع.
لكن تحالفات الحرب غالباً ما تحمل في داخلها تناقضات مؤجلة. فكل طرف يدخل التحالف وهو يملك حساباته الخاصة، وقد يقبل التنسيق في معركة محددة من دون أن يقبل بالضرورة التنازل عن قراره المستقل في ملفات أخرى. وهذا ما يجعل العلاقة بين قيادة الجيش وبعض التشكيلات الإسلامية المسلحة أكثر تعقيداً من مجرد علاقة قيادة عسكرية بقوات مساندة.
فالبرهان يحتاج إلى هذه القوى في الميدان، لكنه يحتاج أيضاً إلى الحفاظ على صورة مؤسسة عسكرية تقود الدولة ولا تخضع لإرادة الفصائل. وكلما توسع نفوذ التشكيلات المسلحة، ازدادت صعوبة الفصل بين القرار الرسمي والقرار الذي تفرضه موازين القوة داخل المعسكر نفسه.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الرفض المنسوب إلى بعض التشكيلات لإرسال مقاتلين إلى اليمن باعتباره موقفاً تكتيكياً فحسب. فإذا صح أن تلك القوى عارضت الطلب، فإن ذلك يعني أن القيادة قد تواجه حدوداً عملية في فرض خياراتها على حلفائها، حتى عندما يتعلق الأمر بعلاقة استراتيجية مع السعودية.
العلاقة مع السعودية.. دعم متبادل أم التزامات غير متكافئة؟
تتمتع السعودية بأهمية خاصة بالنسبة إلى السودان بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة. فالبحر الأحمر يشكل مساحة حيوية للبلدين، كما أن استقرار السودان يرتبط بأمن المنطقة، وبحركة التجارة والملاحة، وبالتوازنات السياسية في القرن الإفريقي.
ومن الطبيعي أن تسعى الرياض إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع قيادة الجيش السوداني، وأن تنظر إلى بورتسودان باعتبارها طرفاً مؤثراً في مستقبل الدولة السودانية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل أشكال الدعم أو التعاون السياسي تتحول إلى التزام عسكري متبادل.
فإذا كانت الرياض قد طلبت بالفعل قوات سودانية لمساندة عملياتها في اليمن، فإن السؤال يصبح متعلقاً بطبيعة المقابل الذي يمكن أن تقدمه، وبحجم المخاطر التي سيتحملها الجيش السوداني. فالسودان ليس في وضع يسمح له بسهولة بتخصيص وحدات قتالية لجبهة خارجية، كما أن إرسال قوات إلى اليمن قد يثير اعتراضات داخلية وإقليمية، ويعرض الجنود السودانيين لمواجهة مع خصم يمتلك خبرة طويلة في الحرب غير المتكافئة.
ويشير تقرير EUToday إلى أن العرض المزعوم ارتبط بتوفير الوقود، في ظل أزمة إمدادات تعاني منها بورتسودان. لكن هذا الربط، إن صح، يثير سؤالاً أخلاقياً وسياسياً: هل يمكن أن تصبح الاحتياجات الأساسية للمؤسسة العسكرية مدخلاً للحصول على التزامات قتالية خارج الحدود؟ وما حدود التفاوض عندما تكون الدولة في حالة حرب وتعتمد على الدعم الخارجي؟
إن العلاقة المتوازنة بين الدول لا ينبغي أن تقوم على تحويل المساعدات الاقتصادية إلى أثمان سياسية أو عسكرية، بل على اتفاق واضح يحفظ مصالح الطرفين. وفي حالة السودان، فإن أي التزام خارجي يجب أن يخضع أولاً لتقدير أثره على الحرب الداخلية وعلى مستقبل الدولة، لا لمجرد الحاجة الآنية إلى الوقود أو التمويل.
كتيبة البراء والتصنيف الأميركي.. ضغط إضافي على بورتسودان
يبرز اسم كتيبة البراء بن مالك في قلب هذه المعادلة بسبب موقعها داخل المعسكر المساند للجيش، وبسبب العقوبات والتصنيفات الأميركية المرتبطة بها وبالحركة الإسلامية السودانية. ففي سبتمبر 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على الكتيبة، وقالت إن الخطوة تستهدف دورها في الحرب السودانية وصلاتها بإيران. وفي مارس 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تصنيف الحركة الإسلامية السودانية، وذكرت كتيبة البراء بن مالك ضمن الأسماء المرتبطة بها.
هذه القرارات لا تعني أن كل ما ورد في البيانات الأميركية أصبح حقيقة قضائية نهائية، لكنها تمثل موقفاً رسمياً له آثار سياسية ومالية ودبلوماسية، وقد يزيد من الضغوط على أي جهة ترتبط بهذه التشكيلات أو تعتمد عليها في عملياتها العسكرية.
وتزداد حساسية المسألة بسبب اتهامات واشنطن بوجود دعم وتدريب من الحرس الثوري الإيراني لمقاتلين مرتبطين بالحركة الإسلامية السودانية. فإذا أخذنا هذه الاتهامات في سياقها الإقليمي، فإن احتمال مشاركة تشكيلات مرتبطة بهذا الملف في حرب ضد الحوثيين، الذين تربطهم علاقات وثيقة بطهران، يطرح تناقضاً واضحاً. فكيف يمكن لقوة تتهمها الولايات المتحدة بوجود صلات عسكرية إيرانية أن تكون جزءاً من عملية تقودها السعودية ضد جماعة مدعومة من إيران؟
لكن هذا التناقض لا ينبغي أن يقود إلى تبسيط المشهد. فالعلاقات بين الفصائل المسلحة والدول الإقليمية لا تتبع دائماً خطوطاً أيديولوجية مستقيمة، كما أن المواقف داخل الحركة الإسلامية السودانية ليست بالضرورة موحدة. وقد تختلف حسابات القيادات السياسية عن حسابات المقاتلين، كما قد تتغير التحالفات تبعاً لمتطلبات الحرب ومصالح الأطراف.
ومع ذلك، فإن وجود هذه الاتهامات والتصنيفات يضع قيادة الجيش أمام مسؤولية أكبر في توضيح طبيعة القوى التي تعمل ضمن معسكرها، وحدود نفوذها، ومصادر دعمها، ومدى خضوعها للقيادة العسكرية الرسمية.
من يحدد أولويات الحرب؟
تتمثل إحدى أخطر نتائج الحرب السودانية في تداخل المؤسسات النظامية مع التشكيلات المسلحة، بحيث يصبح تحديد صاحب القرار أمراً أكثر تعقيداً. ففي الظروف الطبيعية، يفترض أن تكون السياسة الخارجية والقرارات المتعلقة بإرسال قوات إلى الخارج من اختصاص مؤسسات الدولة، وأن تخضع لأي التزامات عسكرية لرقابة قانونية وسياسية واضحة.
أما في بيئة الحرب، فقد تتعدد مراكز التأثير، وتصبح بعض التشكيلات قادرة على فرض شروطها بسبب دورها الميداني. وإذا كانت رواية رفض إرسال مقاتلين إلى اليمن صحيحة، فإنها تطرح سؤالاً حول قدرة القيادة على اتخاذ قرار استراتيجي من دون موافقة القوى التي تعتمد عليها في الداخل.
وهذا لا يعني بالضرورة أن البرهان فقد السيطرة على الجيش أو أن التشكيلات المسلحة أصبحت صاحبة القرار المطلق. لكنه يعني أن التحالف العسكري الواسع قد يفرض قيوداً على القيادة، وأن الحفاظ على تماسكه قد يتطلب مراعاة مصالح أطراف متعددة، حتى عندما تتعارض هذه المصالح مع توجهات الحلفاء الخارجيين.
وفي المقابل، فإن قبول إرسال قوات إلى اليمن قد يخلق أزمة داخلية أخرى، إذا اعتبرت التشكيلات المشاركة أن القرار يهدد مصالحها أو يضعها في مواجهة مع أطراف ترتبط معها بعلاقات سياسية أو أيديولوجية. وهكذا يجد البرهان نفسه أمام خيارين صعبين: إما المخاطرة بإغضاب حلفائه في الداخل، أو المخاطرة بإضعاف علاقته مع شريك إقليمي مهم.
تدويل الحرب السودانية.. الخطر الأكبر
لا تتوقف تداعيات هذه القضية عند حدود العلاقة السعودية السودانية. فانتقال المقاتلين بين ساحات النزاع يهدد بتحويل الحرب السودانية إلى جزء من شبكة صراعات إقليمية متداخلة، حيث تتقاطع المصالح السعودية والإيرانية والتركية وغيرها، وتتحول القوى المحلية إلى أدوات ضمن حسابات أوسع.
وقد حذر تقرير KOACI من مخاطر انتقال المقاتلين من النزاعات الإفريقية إلى ساحات أخرى، مشيراً إلى أن استخدام القوات المحلية في صراعات خارجية قد يضعف المؤسسات الوطنية ويزيد من اعتماد الأطراف على التمويل الخارجي. وهي مخاوف تكتسب أهمية خاصة في السودان، حيث لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت تهدد وحدة المؤسسات والاقتصاد والنسيج الاجتماعي.
إن تحويل المقاتلين السودانيين إلى قوة قابلة للنقل بين الجبهات قد يفتح الباب أمام اقتصاد حرب عابر للحدود، تتغذى فيه التشكيلات المسلحة على التمويل والتسليح والمهام الخارجية. وفي مثل هذا السيناريو، يصبح إنهاء الحرب أكثر صعوبة، لأن بعض الأطراف قد تجد في استمرار النزاعات مصدراً للنفوذ والموارد.
كما أن أي مشاركة سودانية في حرب اليمن قد تضع البلاد أمام خصومات جديدة، وتعرضها لتداعيات أمنية واقتصادية لا تستطيع تحملها في الوقت الراهن. فالسودان يحتاج إلى استعادة مؤسساته وبناء جيش وطني موحد، لا إلى توسيع نطاق الاشتباك وإضافة خصوم جدد.
اختبار الدولة قبل اختبار التحالف
في النهاية، تكشف قضية المقاتلين السودانيين والطلب السعودي المزعوم عن أزمة أعمق من مجرد اختلاف في وجهات النظر بين الرياض وبورتسودان. إنها أزمة تتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها، وبقدرة مؤسساتها على احتكار القرار العسكري، وبمدى استقلال السياسة الخارجية عن مصالح القوى المسلحة.
قد تكون السعودية بحاجة إلى شركاء يساعدونها في مواجهة التهديدات الأمنية، وقد تكون قيادة الجيش السوداني بحاجة إلى دعم اقتصادي وسياسي يساعدها على الصمود. لكن المصالح المشتركة لا تعني أن السودان يجب أن يتحول إلى مصدر للمقاتلين، ولا أن تكون التشكيلات المسلحة هي التي تحدد اتجاه علاقاته الخارجية.
والاختبار الحقيقي للبرهان لا يكمن في قدرته على إعلان التضامن مع الرياض، بل في قدرته على بناء مؤسسة عسكرية موحدة، تملك قرارها وتخضع لقواعد الدولة، وتضع حماية المواطنين وإنهاء الحرب على رأس أولوياتها. أما إذا ظلت القرارات الكبرى رهينة توازنات الفصائل ومصالح الحلفاء، فإن أي تحالف خارجي، مهما بدا قوياً، سيظل هشاً وقابلاً للاهتزاز عند أول اختبار جدي.
السودان اليوم لا يحتاج إلى تصدير أزمته إلى اليمن، بل إلى إنهائها في الداخل. ولا يحتاج إلى مزيد من التحالفات العسكرية التي توسع دائرة الحرب، بل إلى تسوية تعيد بناء الدولة وتمنع تحول أراضيه ومقاتليه إلى أوراق في صراعات الآخرين.




