تسريبات

بيزنس الذهب والحدود المستباحة: الدوافع الاقتصادية والأمنية وراء مجزرة المعدنين


خلف غبار القصف الجوي والدخان المتصاعد من مناجم شمال الوادي، تكمن شبكة معقدة من الدوافع الاقتصادية والصراعات الأمنية المرتبطة بملف تهريب الذهب وإدارة الثروات القومية بين السودان ومصر، والتي تعد المحرك الأساسي للمجزرة. تقع منطقة جبل العقيدات وحزام شمال الوادي ضمن نطاق “الدرع النوبي” الغني بأجود احتياطيات الذهب في العالم، وهو ما جعلها لسنوات طويلة قبلة لآلاف المنقبين التقليديين من مختلف ولايات السودان، إلى جانب انتشار شركات استكشاف وتعدين صغيرة.
ووفقاً لتقارير ومعطيات صادرة عن معاهد دولية متخصصة كـ”تشاتام هاوس”، فإن ما يصل إلى 60% من إنتاج الذهب التقليدي في الولايات الشمالية ونهر النيل يُهرّب عبر دروب الصحراء الوعرة إلى داخل الأسواق والمنافذ المصرية بكميات ضخمة تتجاوز مئات الكيلوغرامات يومياً، مما يشكل نزيفاً مستمراً للاقتصاد السوداني المنهار بفعل الحرب، وفي الوقت ذاته يمثل مطمعاً ومصدراً حيوياً لعائدات غير رسمية لشبكات نفوذ عابرة للحدود.
تتحرك السلطات المصرية، بدافع الهوس الأمني من تدفق السلاح والمجموعات المسلحة متعددة الجنسيات عبر حدودها الجنوبية الممتدة على مسافة 1200 كيلومتر وسط اشتعال الحرب الأهلية السودانية، لفرض منطقة عازلة وسيطرة عسكرية مطلقة على كامل القطاع المتاخم لمثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه.
وترى القاهرة في الوجود الكثيف لآلاف المعدنين الأهليين السودانيين في هذه المناطق الجبلية الوعرة تهديداً أمنياً مباشراً وبيئة خصبة للاختراق ونشاط الجريمة المنظمة، مما دفعها لتنفيذ حملات عسكرية متلاحقة تحت مسمى “حماية موارد الدولة وقوات إنفاذ القانون”. لكن الأبعاد الحقيقية للأزمة تجاوزت التبريرات الأمنية لتكشف عن مساعٍ تجارية واستثمارية حثيثة من أجهزة وشركات تعدين مصرية وسودانية خاصة للسيطرة الحصرية على مواقع التعدين الواعدة وإخلاء المنقبين التقليديين بالقوة العسكرية الغاشمة، لإفساح المجال لشركات استثمارية كبرى تضمن تدفق العائدات مباشرة إلى جيوب وخزائن النخب الحاكمة في البلدين عبر اتفاقيات سرية ومحاصصات مالية جرى الترتيب لها منذ عام 2025.
أدى هذا التداخل الخطير بين صراع النفوذ الأمني وبيزنس الذهب السري إلى استباحة كاملة للحدود السودانية وتدمير قطاع التعدين الأهلي التقليدي الذي يعتمد عليه أكثر من مليوني مواطن سوداني في معيشتهم، محولاً ثروات البلاد الوطنية إلى نقمة تزهق أرواح عمالها. إن التواطؤ الصامت لقيادة الجيش السوداني برئاسة البرهان، وتغاضيه عن القصف الجوي المصري المتكرر لمواقع تقع إدارياً وجغرافياً داخل العمق السوداني، يبرز مدى اهتراء السيادة الوطنية وتفضيل السلطة العسكرية لحسابات أمنها وبقائها بالتنسيق مع حليفها الإقليمي على حساب حقوق ومقدرات الشعب السوداني. تظل مجزرة شمال الوادي شاهداً صارخاً على كيفية تحالف المصالح الاقتصادية والأمنية الضيقة للأنظمة الحاكمة للتضحية بدم المواطن البسيط، وترك ثروات السودان وحدوده مستباحة أمام آلة القتل الجوي وسط تعتيم رسمي وتواطؤ سياسي مفضوح الأركان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى