تسريبات

فضح نشاط سلطة بورتسودان تجاه مفوضية الاتحاد الأفريقي.. رشاوى وضغوط لإعادة فتح مكتب الخرطوم


في وقت يتسارع فيه الزمن لترتيب أوراق المشهد السياسي السوداني المأزوم منذ ربيع 2023. في قلب هذه التحركات، تبرز قضية إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي في الخرطوم، والترتيبات المصاحبة لزيارة مجلس السلم والأمن الأفريقي، وهي خطوات يراها كثيرون محاولة من المعسكر العسكري لانتزاع شرعية أوسع وتأمين مساحة أكبر في مستقبل الحكم.
هذا الحراك السوداني يقابله ديناميكية نشطة من الآلية الأفريقية التي كثفت اتصالاتها مؤخراً مع مختلف القوى، متمسكة برؤيتها المعلنة بضرورة إطلاق عملية سياسية شاملة تقود إلى تحول مدني ديمقراطي. ولعل هذا ما عكسه حديث رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في يونيو الماضي حول إجراء تقييم أمني سريع يمهد لعودة البعثة الأفريقية إلى العاصمة، وهو الملف الذي طُرح لاحقاً على طاولة النقاش المباشر بين رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان والمبعوث الأفريقي محمد بلعيش في الخرطوم.
غير أن مسألة عودة المكتب تتجاوز الترتيبات الإدارية والبروتوكولية؛ فهي بالنسبة للاتحاد الأفريقي أداة حيوية لاستعادة التواصل المباشر مع الأرض ومراقبة التطورات الإنسانية والسياسية عن قرب، بينما تراها سلطة بورتسودان فرصة ذهبية لتعزيز حضورها الدبلوماسي القاري انطلاقاً من عاصمة يسيطر عليها الجيش.
وفي خضم هذه التجاذبات، برزت على السطح اتهامات وصفت بالسعي للتأثير على قرارات بعض مسؤولي المفوضية الأفريقية عبر تقديم تسهيلات أو “رشاوى” مالية ضخمة لتسريع العودة وتنظيم الزيارة المرتقبة. ومع خطورة هذه المزاعم، فإن القراءة الصحفية الرصينة تقتضي التعامل معها بكثير من الحذر؛ فالبيانات والوثائق الرسمية الصادرة عن الاتحاد الأفريقي تدرج هذه التحركات والزيارات ضمن مسار مؤسسي قديم ومخطط له مسبقاً، ولا يوجد دليل ملموس أو توثيق مستقل يثبت وجود صفقات مشبوهة وراء الكواليس.
لذا، فإن المعركة الحقيقية لا تدور حول نزاهة الإجراءات بقدر ما تدور حول “الاستثمار السياسي” للزيارات والتمثيل الدبلوماسي. فوجود قادة مجلس السلم والأمن في الخرطوم يمنح السلطة الحالية منصة مباشرة لفرض روايتها للأزمة، في حين تأمل القوى الدولية والإقليمية -التي تمثلت في البعثة الخماسية الأخيرة- أن تظل هذه اللقاءات نافذة للاستماع إلى الجميع، بما في ذلك القوى المدنية والمجموعات الشبابية والنسوية المستقلة.
إن الجوهر الحقيقي للصراع الراهن يتلخص في سؤال واحد: من سيمتلك الحق في رسم ملامح العملية السياسية القادمة؟ فبينما يضغط الجيش وحلفاؤه نحو حوار داخلي محكوم بسقف ترتيباتهم، تتمسك المنظومة الدولية والإقليمية بمسار شامل يقود لإنهاء المظهر العسكري للسلطة، معلنة بوضوح أنه لا حل عسكرياً للأزمة السودانية.
في نهاية المطاف، يبدو أن مكتب الاتحاد الأفريقي في الخرطوم لن يكون مجرد عنوان دبلوماسي، بل سيتحول إلى مؤشر يعكس طبيعة الدور الأفريقي المقبل؛ فإما أن ينتهي به المطاف كأداة تمنح السلطة القائمة غطاءً سياسياً، أو ينجح في الحفاظ على استقلاليته ليصبح جسراً حقيقياً يجمع كل السودانيين دون إقصاء أو احتكار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى