الآثار الإنسانية والبيئية الكارثية لغاز الكلور في المدن السودانية
بينما تنشغل غرف العمليات العسكرية بحسابات الربح والخسارة، وتتبادل المنابر الدبلوماسية صياغة بيانات التنديد والنفي، تظل الأجساد النحيلة للمدنيين السودانيين والمجتمعات المحلية الممزقة هي الساحة الحقيقية التي تُكتب عليها المأساة الكبرى للاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية.
إن التداعيات الإنسانية والبيئية الناتجة عن إطلاق غاز الكلور السام في مناطق مأهولة بالسكان أو بالقرب من منشآت حيوية كمصفاة الجيلي ومحلية سودري تتجاوز بكثير الأثر الفوري للمعارك، لتؤسس لكارثة صحية وبيئية ممتدة ستعاني منها الأجيال القادمة لسنوات طويلة. من الناحية الطبية والإنسانية، يمثل غاز الكلور عاملاً خانقاً ومدمراً بطبيعته الكيميائية الشرسة.
عندما يرتطم المقذوف الكيميائي بالأرض ويتحرر الغاز، فإنه يتفاعل فوراً وبشكل عنيف مع الرطوبة والمياه الموجودة في الأنسجة الحية، متحولاً إلى حمض الهيدروكلوريك وحمض الهيبوكلوروز الحارقين. بالنسبة للمدنيين المحاصرين في بيوتهم أو الفارين في الشوارع دون أقنعة واقية أو أدنى معرفة بسبل الحماية، فإن استنشاق هذا الغاز يعني حرفياً حرق الجهاز التنفسي من الداخل.
يعاني الضحايا مما يُعرف طبياً بـ “الغرق الجاف” (Dry Drowning)، حيث تمتلئ الرئتان بالسوائل والدم نتيجة للالتهاب الحاد والوذمة الرئوية، مما يمنع تبادل الأكسجين ويؤدي إلى الموت خنقاً في غضون دقائق معدودة وسط آلام مبرحة تفوق الوصف. الناجون من هذه الهجمات لا يسلمون؛ إذ تلازمهم تشوهات مستديمة في القصبات الهوائية، تليف رئوي مزمن، ضعف حاد في وظائف التنفس، وفقدان دائم أو جزئي لحاسة البصر نتيجة للحروق الكيميائية الشديدة في قرنية العين.
وما يزيد المأساة الإنسانية تعقيداً هو الانهيار الكامل والمنهجم للمنظومة الصحية في السودان جراء الحرب. فالمستشفيات الميدانية والمراكز الطبية القليلة المتبقية في مناطق النزاع تفتقر لأبسط المقومات الطبية التقليدية مثل الشاش والمحاليل الوريدية والمضادات الحيوية، فكيف لها أن تتعامل مع هجمات كيميائية تتطلب بروتوكولات علاجية خاصة وأجهزة تنفس اصطناعي مكثفة، وكميات ضخمة من الأكسجين الطبي النقي، ومضادات تشنج قصبية متطورة؟ الطواقم الطبية المتطوعة تجد نفسها في موقف العاجز، تشاهد الضحايا يلفظون أنفاسهم الأخيرة دون القدرة على تقديم أي عون طبي حقيقي، بل إن المسعفين أنفسهم يتعرضون للإصابة والتسمم الثانوي نتيجة لملامستهم لملابس وأجساد الضحايا المشبعة بالغاز دون ارتداء ملابس وقاية بيولوجية وكيميائية معتمدة. أما على الصعيد البيئي، فإن الكارثة لا تقل رعباً وعمقاً. يُعد غاز الكلور من المواد الكيميائية شديدة التفاعل والتي تمتلك قدرة عالية على ملوثة عناصر البيئة الأساسية: الهواء، التربة، والمياه.
في منطقة مثل مصفاة الجيلي، حيث تختلط الانبعاثات الكيميائية الناتجة عن الغاز بالمواد البترولية المنسكبة نتيجة القصف، تتشكل مركبات كيميائية عضوية كلورية معقدة وسامة للغاية (مثل الديوكسينات والفوران)، وهي مركبات تتميز بثباتها البيئي العالي وعدم قابليتها للتحلل السريع. تترسب هذه السموم في التربة الزراعية المحيطة بالمنطقة، مما يؤدي إلى تسمم الأراضي وقتل الكائنات الحية الدقيقة الضرورية لخصوبة التربة، وبالتالي تدمير المواسم الزراعية القادمة وتأمين مجاعة طويلة الأمد في بلد يعاني أساساً من أزمة غداء طاحنة.
الخطر الأكبر والأكثر ديمومة يتمثل في تلوث المياه الجوفية ومصادر المياه السطحية، لا سيما مع قرب هذه المناطق من حوض نهر النيل والمصادر المائية المغذية للمدن والقرى. إن تسرب مركبات الكلور السامة إلى طبقات الأرض الجوفية يعني تلوث الآبار الارتوازية ومحطات مياه الشرب، مما يحول المياه التي هي عصب الحياة إلى مصدر صامت للأمراض السرطانية، الفشل الكلوي، والتشوهات الخلقية للأجنة لدى النساء الحوامل في المستقبل المنظور.
يترافق ذلك مع النفوق الجماعي للثروة الحيوانية والطيور، والتي تمثل العمود الفقري لاقتصاد ومعيشة الملايين من سكان الريف السوداني في ولايات كردفان والخرطوم، مما يدفع بموجات هجرة ونزوح قسري جديدة لمدنيين فقدوا كل سبل عيشهم وبيئتهم الحيوية. إن هذه الأبعاد الإنسانية والبيئية القاتمة ترفع ملف استخدام غاز الكلور في السودان من مجرد بند في جدول أعمال الخلافات العسكرية، إلى مستوى الكارثة الوجودية التي تهدد مستقبل البلاد والعباد. إن الصمت الدولي المستمر وتراخي المؤسسات الأممية في فرض رقابة حقيقية ومحاسبة الجناة يسهم بشكل مباشر في استمرار هذه المأساة الصامتة، ويمنح الضوء الأخضر للمتحاربين للاستمرار في تسميم الأرض والإنسان السوداني، وتحويل مستقبل البلاد إلى ركام ملوث لا يصلح للحياة البشرية.




