كواليس الوثائق المسربة والتحقيقات الميدانية حول سلاح الكلور في السودان
في قلب العاصمة السودانية الخرطوم، وتحت أزيز الطائرات ودوي المدافع الذي لم يهدأ منذ منتصف أبريل 2023، انفتحت جبهة جديدة من المواجهات تجاوزت حدود القتال التقليدي لتلامس الخطوط الحمراء الدولية المحرمة.
لطالما كانت الحروب الأهلية ساحة للاتهامات المتبادلة، لكن ما تكشف مؤخراً عبر سلسلة من الوثائق العسكرية المسربة والتقارير الطبية الميدانية الموثقة يرفع منسوب القلق الدولي إلى مستويات غير مسبوقة. يتناول هذا التحقيق الاستقصائي الموسع تفاصيل الاتهامات الموجهة للجيش السوداني باستخدام غاز الكلور السام كقوة نارية غير تقليدية لحسم المعارك المستعصية، لا سيما في محيط مصفاة الجيلي النفطية شمال الخرطوم ومناطق إستراتيجية في محلية سودري بولاية شمال كردفان.
تكمن بذور هذا التحقيق في حزمة من الوثائق الداخلية السرية للغاية التي تسربت من غرف العمليات التابعة لإدارة الأسلحة والذخيرة بالجيش السوداني. تشير هذه الوثائق، التي جرى فحصها وتدقيقها من قبل خبراء عسكريين مستقلين ومحللين في الأسلحة الكيميائية، إلى وجود “خطة طوارئ تعبوية” تعتمد على تحوير وتعديل حاويات الكلور المخصصة للأغراض الصناعية وتنقية المياه وتعبئتها في قذائف مدفعية ثقيلة وبراميل متفجرة يتم إسقاطها جوًا. هذه العملية، التي توصف في الأوساط العسكرية بأنها “استغلال للمواد ثنائية الاستخدام”، تمثل التفاتة تكتيكية خطيرة من قِبل القيادة العسكرية لمواجهة النقص الحاد في المشاة والدروع الفعالة القادرة على اقتحام المواقع الحصينة التي تتخندق فيها قوات الدعم السريع.
وفقًا للشهادات التي جمعها مراسلونا ميدانيًا من أطباء ومسعفين في المستشفيات الميدانية القريبة من مصفاة الجيلي، بدأت تظهر على المصابين من مقاتلي الدعم السريع والمدنيين على حد سواء أعراض غريبة ومروعة لم تعهدها الطواقم الطبية منذ بدء الحرب.
يروي الطبيب (أ. م)، وهو أخصائي طوارئ عمل في أحد المراكز الطبية القريبة للسودان ليكس، قائلاً: “في ليلة الحادي عشر من مايو، استقبلنا أكثر من خمسين حالة دفعة واحدة. لم تكن هناك جروح ناتجة عن شظايا أو مقذوفات نارية. كان المصابون يعانون من تشنج حاد في القصبات الهوائية، وزبد رغوي يخرج من الفم والأنف، واحمرار حاد في الملتحمة مع وذمة رئوية شديدة. كانت رائحة الكلور النفاذة تفوح من ملابسهم وأجسادهم بشكل لا يمكن تخطئته”.
هذه الإفادات الطبية تتقاطع بشكل دقيق مع الآثار البيولوجية والفسيولوجية الناتجة عن استنشاق تركيزات عالية من غاز الكلور، والذي يعمل كعامل خانق يهاجم الجهاز التنفسي ويدمر الأنسجة المخاطية.
إن الفحص المعمق لساحة المعركة في مصفاة الجيلي، وهي المنشأة النفطية الأكبر في البلاد، يوضح الأسباب التي قد تدفع بالجيش لاستخدام مثل هذه الأساليب اليائسة والمدمرة. فالمنشأة تحولت منذ الشهور الأولى للحرب إلى قلعة حصينة لقوات الدعم السريع، حيث شيدت الأخيرة شبكة معقدة من الخنادق والتحصينات الأرضية بين خزانات الوقود وأنابيب التكرير، مما جعل أي هجوم بري تقليدي بمثابة انتحار عسكري للجيش ومخاطرة بتدمير البنية التحتية النفطية بالكامل. هنا، برز تكتيك “التطهير بالغاز”؛ فالغازات السامة، وبفعل كثافتها التي تفوق كثافة الهواء، تنساب بسلاسة إلى داخل الخنادق والمخابئ التحت أرضية، مما يجبر المقاتلين المتخندقين إما على الخروج ومواجهة النيران المباشرة أو الموت اختناقاً في الداخل. لم يقتصر الأمر على مصفاة الجيلي؛
إذ امتدت التقارير لتشمل محلية سودري في ولاية شمال كردفان، وهي منطقة ربط إستراتيجية لخطوط الإمداد. حيث أفاد شهود عيان وسكان محليون بإسقاط طائرات تابعة لسلاح الجو السوداني لبراميل ضخمة انبعثت منها سحب دخانية صفراء مخضرة إثر ارتطامها بالأرض، وتلا ذلك انتشار سريع لحالات الاختناق ونفوق جماعي للمواشي والحيوانات الأليفة في محيط مناطق السقوط. التقطت الهواتف المحمولة لبعض الناشطين المحليين صوراً لبقايا أسطوانات معدنية مدمجة تظهر عليها علامات صدأ وتآكل كيميائي شديد، وهو ما اعتبره خبراء السلاح دليلاً مادياً إضافياً على استخدام غاز الكلور.
في المقابل، تقف الحكومة السودانية والقيادة العامة للقوات المسلحة في موقف الدفاع الصارم والنفي المطلق لهذه الاتهامات. وفي تصريحات رسمية صادرة عن الناطق الرسمي باسم الجيش، اعتبرت هذه التقارير “حملة تضليلية ممنهجة تقودها قوى إقليمية ودولية داعمة للمليشيا المتمردة” بهدف تشويه سمعة المؤسسة العسكرية وشرعنت التدخل الدولي في الشأن السوداني. وشددت القيادة العسكرية على التزامها الصارم باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي وقع عليها السودان، مؤكدة أن جميع العمليات العسكرية تتم وفقاً للقانون الدولي الإنساني وقواعد الاشتباك القياسية.
وأرجعت القيادة الأعراض المصاحبة لبعض الإصابات إلى انفجار مستودعات كيميائية صناعية وتضرر أنابيب الغاز داخل مصفاة الجيلي نتيجة للقصف المدفعي العشوائي الذي تنفذه قوات الدعم السريع على المنشأة الحيوية. بين النفي الرسمي القاطع والمؤشرات الميدانية المتزايدة، يقف المجتمع الدولي أمام معضلة حقيقية تتطلب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً.
إن التحقق من استخدام الأسلحة الكيميائية في بيئة حرب مشتعلة ومعقدة كالسودان يمثل تحدياً هائلاً، حيث يتبادل الطرفان السيطرة على المواقع وتتعرض الأدلة المادية للتلف والاندثار السريع بفعل العوامل الجوية واستمرار القصف. ومع ذلك، فإن الوثائق المسربة والشهادات الطبية الحية تظل حجر الزاوية في بناء ملف جنائي دولي قد يدفع بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر حزماً لكسر حاجز الصمت والوقوف على حقيقة ما يجري في مستنقع الحرب السودانية.




